الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
1 -
مثال حال الواقفين على النار:
اختلف المفسرون في المراد بقوله (بدا)؛ أي ما الذي بدا لهم من قوله: {بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ} على عدة أقوال ذكرها الطبري، وابن عاشور، وغيرهما من المفسرين. وهي التالي:
أحدها: بدا لهم أعمالهم التي كانوا يخفونها في الدنيا، وهو قول الحسن.
والثاني: بدالهم ما يكتمونه من الشرك.
والثالث: بدا لهم جزاء ما كانوا يخفونه، قاله المبرد.
والرابع: بدا للأتباع ما كان يُخفيه الرؤساء، قاله الزجاج.
والخامس: بدا لهم ما كان يخطر لهم من الإيمان لما يرون من صدق دلائله (2).
ورجح ابن عاشور أن المراد بقوله: {بَلْ بَدَا لَهُمْ} أي: بدا لهم ما يخفونه مما خطر لهم من الإيمان، وهذا الترجيح انفرد به ابن عاشور فيما يظهر
(1) سورة الأنعام (27 - 28).
(2)
انظر هذه الأقوال في جامع البيان / الطبري، ج 7، ص 206، والنكت والعيون / الماوردي، ج 2، ص 105، وزاد المسير / ابن الجوزي، ج 2 ص 20 - 21، والجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 6، ص 384، والتحرير والتنوير، ج 4، ص 186.
لي عن غيره من المفسرين، واستدل على اختياره هذا بما جاء في القرآن الكريم، وهذا قوله: "وعلمنا أنّ البَداء هو ظهور أمر في أنفسهم كانوا يخفونه في الدنيا، أي خطر لهم حينئذٍ ذلك الخاطر الذي كانوا يخفونه، أي الذي كان يبدو لهم، أي يخطر ببالهم وقوعه، فلا يُعلنون به، فبدا لهم الآن، فأعلنوا به وصرّحوا مُعترفين به. ففي الكلام احتباك، تقديره: بل بدا لهم ما كان يبدو لهم في الدنيا فأظهروه الآن وكانوا يخفونه، وذلك أنّهم كانوا يخطر لهم الإيمان لما يرون من دلائله أو من نصر المؤمنين فيصدّهم عنه العناد والحرص على استبقاء السيادة والأنفة من الاعتراف بفضل الرسول وبسبق المؤمنين إلى الخيرات قبلهم، وفيهم ضعفاء القوم وعبيدهم (1)
وقريب من ترجيح ابن عاشور هذا ما اختاره ابن عطية حيث يقول: " الذي كانوا يخفونه في الدنيا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأقواله، وذلك أنهم كانوا يخفون ذلك في الدنيا بأن يحقروه عند من يرد عليهم ويصفوه بغير صفته .. "(2).
وفسره الطبري وأبو حيان بما كانوا يخفون عن الناس من قبائحهم - أي أعمالهم - (3).
واختار ابن كثير والألوسي أن المراد بـ {بَدَا لَهُمْ} أي ما كانوا يكذبون به في الدنيا من الجزاء وهو النار (4).
(1) التحرير والتنوير، ج 4، ص 185.
(2)
المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 2، ص 282.
(3)
انظر جامع البيان / الطبري، ج 7، ص 207، والبحر المحيط / أبو حيان، ج 4، ص 108.
(4)
انظر تفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 6، ص 23، وروح المعاني / الألوسي، ج 4، ص 122.
واحتمل الرازي، والقرطبي، وكذلك الشوكاني، والقاسمي تلك الأقوال المذكورة جميعها (1).
قال الرازي: " واعلم أن اللفظ محتمل لوجوه كثيرة. والمقصود منها بأسرها أنه ظهرت فضيحتهم في الآخرة وانهتكت أستارهم "(2).
حجة من قال: إن المراد بقوله: {بَلْ بَدَا لَهُمْ} أي أعمالهم التي أخفوها في الدنيا
ذكر القرطبي أنهم استدلوا بقوله تعالى: {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} (3).
قال الطبري: " بل بدا لهم ما كانوا يخفون من أعمالهم السيئة التي كانوا يخفونهامن قبل ذلك في الدنيا، فظهرت، ولو ردّوا إلى الدنيا فأمْهلوا لرجعوا إلى مثل العمل الذي كانوا يعملونه في الدنيا قبل ذلك، من جحود آيات الله، والكفر به، والعمل بما يسخط عليهم ربِّهم "(4).
وقال الزمخشري: " {بَلْ بَدَا لَهُمْ
…
} من قبائحهم، وفضائحهم في صحفهم، وبشهادة جوارحهم عليهم، فلذلك تمنوا ما تمنوا ضجراً، لا أنهم
(1) انظر التفسير الكبير / الرازي، ج 4، ص 510، والجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 6، ص 384، وفتح القدير / الشوكاني، ج 2، ص 109، ومحاسن التأويل / القاسمي، ج 4، ص 344
(2)
التفسير الكبير / الرازي، ج 4، ص 510.
(3)
سورة الزمر، الآية (23) ، وانظر الجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 6، ص 384.
(4)
جامع البيان / الطبري، ج 7، ص 206.
عازمون على أنهم لو ردوا لآمنوا " (1).
حجة من قال: إن المراد بقوله: {بَلْ بَدَا لَهُمْ} أي ما يكتمونه من الشرك:
وهذا القول يشبه سابقه، وأصحاب هذا القول استدلوا على ذلك بما جاء في قوله تعالى:{وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} (2) أي عرفوا أنهم هالكون بشركهم، فتمنوا لذلك (3).
قال مقاتل: "وذلك أنهم حين قالوا: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} أوحى الله إلى الجوارح، فشهدت عليهم بما كتموا من الشرك، فذلك قوله: {بَلْ بَدَا لَهُمْ
…
}، يعنى ظهر لهم من الجوارح مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ بألسنتهم من قبل أن تنطق الجوارح بالشرك، فتمنوا عند ذلك الرجعة إلى الدنيا، {فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا} (4) " (5).
قال النيسابوري: " قال أكثر المفسرين: إن المشركين في بعض مواقف القيامة يجحدون الشرك فيقولون {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} (6) فينطق الله
(1) الكشاف / الزمخشري، ج 2، ص 336.
(2)
سورة الأنعام، الآية (23).
(3)
انظر محاسن التأويل / القاسمي، ج 4، ص 343.
(4)
سورة الأنعام، الآية (27).
(5)
تفسير مقاتل / مقاتل، ج 1، 248.
(6)
سورة الأنعام، الآية (23).
تعالى جوارحهم فتشهد عليهم بالكفر فذلك معنى: {بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ} " (1).
حجة من قال: إن المراد بقوله: {بَلْ بَدَا لَهُمْ} أي جزاء عقائدهم وأعمالهم:
وهذا القول اعتمده أبو السعود فقال: "والمراد بها النار التي وقفوا عليها إذ هي التي سيق الكلام لتهويل أمرها والتعجيب من فظاعة حال الموقوفين عليها وبإخفائها تكذيبهم بها، فإن التكذيب بالشيء كفر به وإخفاء له لا محالة، وأما ما قيل من أن المراد بما يخفون كفرهم ومعاصيهم أو قبائحهم وفضائحهم التي كانوا يكتمونها من الناس فتظهر في صحفهم وبشهادة جوارحهم عليهم أو شركهم الذي يجحدون به في بعض مواقف القيامة بقولهم:{وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} ، ثم يظهر بما ذكر من شهادة الجوارح عليهم، أو ما أخفاه رؤساء الكفرة عن أتباعهم من أمر البعث والنشور أو ما كتمه علماءُ أهل الكتابين من صحة نبوةِ النبي عليه الصلاة والسلام ونُعوته الشريفة عن عوامِّهم، على أن الضميرَ المجرورَ للعوام والمرفوعَ للخواص، أو كفرُهم الذي أخفَوْه عن المؤمنين والضميرُ المجرور للمؤمنين والمرفوعُ للمنافقين، فبعدَ الإغضاءِ عما في كلَ منها من الاعتساف والاختلال لا سبيل إلى شيء من ذلك أصلاً لما عرفت من أن سَوْق النظم الشريف لتهويل أمر النار، وتفظيعِ حال أهلها، وقد
(1) غرائب القرآن ورغائب الفرقان / النيسابوري، ج 3، ص 66.
ذُكر وقوفُهم عليها، وأُشير إلى أنه اعتراهم عند ذلك من الخوف والخشية والحَيْرة والدهشة ما لا يُحيط به الوصفُ، ورُتّب عليه تمنِّيهم المذكورُ بالفاء القاضيةِ بسببية ما قبلها لما بعدها، فإسقاطُ النار بعد ذلك من تلك السببية وهي في نفسها أدهى الدواهي وأزجرُ الزواجر، وإسنادُها إلى شيء من الأمور المذكورة التي دونها في الهول والزجر مع عدم جَرَيانِ ذكرها ثَمةَ أمرٌ يجب تنزيهُ ساحةِ التنزيل عن أمثاله، وأما ما قيل من أن المراد جزاءُ ما كانوا يُخفون فمن قبيل دخولِ البيوت من ظهورِها وأبوابُها مفتوحة فتأمل " (1).
وردّ القاسمي ما ذهب إليه أبو السعود فقال: "لا ريب في بلاغة ما قرره ونفاسته، لولا تكلفه حمل الإخفاء على ماذكره، مما هو غير ظاهر فيه، وليس له نظائر في التنزيل الكريم. فمجازيته حينئذ من قبيل المعمى. وفي الوجوه الأُوَل إبقاؤه على حقيقته بلا تكلف، وشموله لها غير بعيد؛ لأن في كل منها ما يؤيده، كما بيناه، غاية الأمر أنما قرره وجه منها بديع. وأما كونه المراد لا غير، فدونه خرط القتاد ، والله أعلم بأسرار كتابه "(2).
حجة من قال: إن المراد بالآية: بدا للأتباع ما كان يُخفيه الرؤساء:
قال الزجاج: " والدليل على صحة هذا القول أنه تعالى ذكر عقبيه {وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} (3). أي ظهر للذين
(1) انظر إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم / أبو السعود، ج 3، ص 124 باختصار.
(2)
محاسن التأويل / القاسمي، ج 4، ص 344.
(3)
سورة الأنعام، الآية (29)
اتبعوا الغواة ماكان الغواة يخفون عنهم من أمر البعث والنشور " (1).
حجة من قال: إن المراد بقوله: {بَلْ بَدَا لَهُمْ} أي ما كان يخطر لهم من الإيمان:
وهذا القول انفرد به ابن عاشور عن المتقدمين كما قدمت وفي ذلك يقول:
"وقد أشار إلى هذا المعنى قوله تعالى: {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ} (2). وهذا التفسير يغني عن الاحتمالات التي تحيّر فيها المفسّرون وهي لا تلائم نظم الآية، فبعضها يساعده صدرُها وبعضها يساعدُه عجزها وليس فيها ما يساعده جميعها "(3).
وهذا القول ذهب إليه عدد من علماء التفسير المعاصرين ومن قولهم: " بل ظهر لهم يوم القيامة ما كانوا يعلمونه من أنفسهم من صدق ما جاءت به الرسل في الدنيا، وإن كانوا يظهرون لأتباعه خلافه. ولو فرض أن أعيدوا إلى الدنيا فأمهلوا لرجعوا إلى العناد بالكفر والتكذيب. وإنهم لكاذبون في قولهم: لو رددنا إلى الدنيا لم نكذب بآيات ربنا، وكنا من المؤمنين "(4).
القول الراجح:
الذي يظهر لي والله أعلم أن القول الراجح هو ما اختاره ابن عاشور من أن
(1) معاني القرآن وإعرابه / الزجاج، ج 2، ص 240.
(2)
سورة الحجر، الآية (2).
(3)
التحرير والتنوير، ج 4، ص 185.
(4)
التفسير الميسر / نخبة من العلماء، ص 131.
المراد بـ {بَدَا لَهُمْ} الإيمان، مستندا في ذلك إلى القاعدة الترجيحية حيث قوله تعالى:{رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ} (1).
أما ما اختاره الطبري وغيره من المفسرين من أنهم بدت لهم أعمالهم، السيئة أو شركهم، وغيرها من الأقوال أراها والله تعالى أعلم قد جانبت الصواب، لأن الآيات في معرض الحديث عن المشركين والكافرين، وهم لم يكونوا يخفون أعمالهم أو وشركهم بل على العكس من ذلك كانوا يكابرون ويجادلون.
ومما يعضد هذا القول القاعدة الترجيحية (القول الذي يدل عليه السياق أولى من غيره)، وسياق الآيات التي تسبق الآية موضع البحث تعضد هذا القول، والأمر يبدو جليا لمن يقرأها قال تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (26) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا
(1) سورة الحجر، الآية (2).
عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} (1).
2 -
مثال خلق الإنسان:
قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} (2).
اختلف المفسرون في المراد من قوله: {صَلْصَالٍ} ، فمنهم من ذهب إلى أنه الطين اليابس الذي لم تصبه نار، إذا نُقر يسمع له صلصلة، ومنهم من قال بأنه الطين المنتن (3)
ورجّح ابن عاشور أنه الطين اليابس الذي يشبه الفخار واستدل على ذلك بما جاء في القرآن، وهذا قوله: " والصلصال: الطين الذي يترك حتى ييبس فإذا يبس فهو صلصال وهو شبه الفَخّار؛ إلا أن الفَخّار هو ما يبس بالطبخ بالنّار. قال تعالى: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ} (4)(5)، وما رجحه ابن عاشور هو الذي عليه جمهور المفسرين (6).
(1) سورة الأنعام، الآية (25 - 28).
(2)
سورة الحجر، الآية (26).
(3)
انظر هذه الأقوال في جامع البيان / الطبري، ج 14، ص 36، والنكت والعيون / الماوردي، ج 3، ص 157 ،
(4)
سورة الرحمن، الآية (14).
(5)
التحرير والتنوير، ج 7، ص 41.
(6)
انظر جامع البيان / الطبري، ج 14، ص 37، والمحرر الوجيز / ابن عطية، ج 3، ص 358، والتفسير الكبير / الرازي، ج 7، ص 138، والجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 10، ص 26، والبحر المحيط / أبو حيان، ج 5، ص 440، وتفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 8، ص 255، وفتح القدير / الشوكاني، ج 3، ص 129، وروح المعاني / الألوسي، ج 7، ص 278، ومحاسن التأويل / القاسمي، ج 6، ص 348، وأضواء البيان / الشنقيطي، ص 413.
في حين خالف بعض المفسرين منهم مجاهد حيث يقول: أن الصلصال هو الطين المنتن (1).
حجة من قال: إن الصلصال هو الطين اليابس الذي يسمع له صلصلة:
حجتهم في ذلك أنه جاء مفسراً في موضع آخر بالفخار في يبسه، أي بما تقضي به قاعدة المبحث.
قال أبو عبيدة: " الصلصال: الطين اليابس الذي لم تصبه نار، فإذا نقرته صلّ ، فسمعت له صلصلة، فإذا طبخ بالنار فهو فخار ، وكل شئ له صَلصلةَ صوت ، فهو صلصال سوى الطين"(2).
وقال الطبري في ذلك: " والذي هو أولى بتأويل الآية أن يكون الصلصال في هذا الموضع الذي له صوت من الصلصلة، وذلك أن الله تعالى وصفه في موضع آخر فقال: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ} (3) فشبهه تعالى ذكره بأنه كان كالفخَّار في يُبسه "(4).
وقال الرازي: " الصلصال الطين اليابس الذي يصلصل وهو غير مطبوخ، وإذا طبخ فهو فخار. قالوا: إذا توهمت في صوته مداً فهو صليل، وإذا توهمت فيه
(1) انظر قول مجاهد في تفسير الطبري، ج 14، ص 37، والبحر المحيط، ج 5، ص 440.
(2)
مجاز القرآن / أبو عبيدة، ج 1، ص 350.
(3)
سورة الرحمن، الآية (14).
(4)
جامع البيان / الطبري، ج 14، ص 37.
ترجيعاً فهو صلصلة. قال المفسرون: خلق الله تعالى آدم عليه السلام من طين فصوره وتركه في الشمس أربعين سنة، فصار صلصالاً كالخزف ولا يدري أحد ما يراد به، ولم يروا شيئاً من الصور يشبهه إلى أن نفخ فيه الروح ، وحقيقة الكلام أنه تعالى خلق آدم من طين على صورة الإنسان فجف فكانت الريح إذا مرت به سمع له صلصلة؛ فلذلك سماه الله تعالى صلصالاً " (1).
وكذلك رجحه ابن كثير بموجب هذه القاعدة فقال بعد أن ذكر الخلاف في المراد بالصلصال: " والظاهر أنه كقوله تعالى: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ} (2) وتفسير الآية بالآية أولى"(3).
وقال الشنقيطي: " بيّن تعالى في هذه الآية الكريمة أنه خلق أبانا آدم من صلصال من حمأ مسنون، والصلصال الطين اليابس الذي يصلّ أي يصوِّت من يبسه إذا ضربه شيء ما دام لم تمسه النار فإذا مسته النار فهو حينئذ فخار، وأصل الصليل والصلصلة واحد، والفرق بينهما أنك إذا توهمت في الصوت مداً فهو صليل، وإذا توهمت فيه ترجيعاً فهو صلصلة "(4).
(1) التفسير الكبير / الرازي، ج 7، ص 137 - 138.
(2)
سورة الرحمن، الآية (14 - 15).
(3)
تفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 8، ص 255.
(4)
أضواء البيان / الشنقيطي، ص 413.
حجة من قال: إنه الطين المنتن:
حجتهم في ذلك أنه مأخوذ من قولهم: صلَّ اللحم وأصلَّ: إذا أنتن، يقال ذلك باللغتين كلتيهما: يفعل وأفعل، وهذا القول من رواية مجاهد (1).
وقال الكسائي: "هو الطين المنتن "(2).
القول الراجح:
إن الصلصال هو الطين اليابس ، وذلك بناء على القاعدة ، حيث دلَّ على هذا المعنى موضع آخر من القرآن فترجح بذلك، وهذا المعنى هو الذي رجحه ابن عاشور كما تقدم.
وفي معناه يقول الراغب الأصفهاني: " أصل الصلصال تردد الصوت من الشئ اليابس ومنه قيل صلّ المسمار، وسُمِّى الطين الجاف صلصالاً، قال تعالى:{مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ} (3) وقال تعالى: {مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} (4) والصلصلة بقية ماء سميت بذلك لحكاية صوت تحركه في المزادة (5).
ومما يؤيد هذا القول ويرجحه القاعدة الترجيحية: (يجب حمل كلام الله
(1) أخرج قول مجاهد الطبري في تفسيره، ج 14، ص 37.
(2)
معاني القرآن / الكسائي، ص 175.
(3)
سورة الرحمن، الآية (14).
(4)
سورة الحجر، الآية (26).
(5)
مفردات ألفاظ القرآن / الراغب الأصفهاني، ص 488.
تعالى على المعروف من كلام العرب) ومن المعروف عند العرب أن الصلصال هو الطين اليابس، قال ابن منظور:" الصلصال من الطين مالم يجعل خزفاً سمي به لتصلصله، وكل ما جفّ من طين أو فخار فقد صلّ صليلاً وطين صلال ومصلال أي يصوت الخزف الجديد "(1).
أما قول من قال بأنه الطين المنتن فهذا قول مردود ، وقد ردّ الطبري والرازي هذا القول، وبينا ضعفه.
قال الطبري: " ولو كان معناه في ذلك المُنتِن لم يشبهه بالفخارِّ، لأن الفخار ليس بمنتن فيشبَّه به في النتن غيره "(2).
وكذلك ضعّفه الرازي بقوله: " وهذا القول عندي ضعيف، لأنه تعالى قال: {مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} وكونه حمأ مسنوناً يدل على النتن والتغير، وظاهر الآية يدل على أن هذا الصلصال إنما تولد من الحمأ المسنون، فوجب أن يكون كونه صلصالاً مغايراً لكونه حمأ مسنوناً، ولو كان كونه صلصالاً عبارة عن النتن والتغير لم يبق بين كونه صلصالاً، وبين كونه حمأ مسنوناً تفاوت "(3).
وقد وضَّح الشنقيطي هذا الإشكال الذي وقع لبعض المفسرين في مسألة خلق الإنسان، وبيّن أنه لا تعارض بين الآيات، وإنما الآيات تدل على أن الله خلق الإنسان على مراحل أو أطوار، يقول الشنقيطي: " في قوله تعالى: {وَلَقَدْ
(1) لسان العرب/ ابن منظور، ج 7، ص 392، مادة: صلل.
(2)
جامع البيان / الطبري، ج 14، ص 37.
(3)
التفسير الكبير / الرازي، ج 7، ص 138.
خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} ظاهر هذه الآية أن آدم خلق من صلصال؛ أي طين يابس. وقد جاء في آيات أخر ما يدل على خلاف ذلك، كقوله تعالى:{مِنْ طِينٍ لَازِبٍ} (1)، وكقوله:{كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ} (2).
والجواب: أنه ذكر أطوار ذلك التراب، فذكر طوره الأول بقوله:{مِنْ تُرَابٍ} ، ثم بُلّ فصار طيناً لازباً، ثم خمِّر فصار حمأ مسنوناً، ثم يبس فصار صلصالاً كالفخار. وهذا واضح " (3).
3 -
مثال أصحاب الأيكة:
اختلف المفسرون في أصحاب الأيكة (5) هل هم أهل مدين أو هم قوم
(1) سورة الصافات، الآية (11).
(2)
سورة آل عمران، الآية (59).
(3)
دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب / الشنقيطي، ص 131.
(4)
سورة الشعراء، الآية (176 - 180).
(5)
الأيكة: (أيك) الأَيْكةَ الشجر الكثير الملتفّ وقيل هي الغَيْضة تُنْبِتُ السَّدْر والأَراك ونحوهما من ناعم الشجر وخص بعضهم به منبت الأَثْل ومُجتَمعه وقيل الأَيْكة جماعة الأَراك وقال أَبو حنيفة قد تكون الأَيْكة الجماع من كل الشجر حتى من النخل قال والأَول أَعرق والجمع أَيْكٌ وأَيِكَ الأَراك فهو أَيِكٌ واسْتَأْيَك كلاهما التفٍّ وصار أَيكة. لسان العرب / ابن منظور، ج 1، ص 289، مادة: أيك.
آخرون، وقد ساق هذا الخلاف ابن عاشور في تفسيره فقال:
" وقد اختلف في أن أصحاب الأيكة هم مدين، أو هم قوم آخرون ساكنون في الأيكة جوار مدين أرسل شعيب إليهم وإلى أهل مدين. وإلى هذا مال كثير من المفسرون. روى عبد الله بن وهب عن جبير بن حازم عن قتادة قال: أُرسل شعيب إلى أمتين: إلى قومه من أهل مدين وإلى أصحاب الأيكة.
وقال جابر بن زيد: أرسل شعيب إلى قومه أهل مدين وإلى أهل البادية وهم أصحاب الأيكة " (1).
ورجّح ابن عاشور أنهما أمتان أرسل إليهما شعيب وفيه يقول: " والأظهر أن أهل الأيكة قبيلة غير مدين فإن مدين هم أهل نسب شعيب وهم ذرية مَدين بن إبراهيم من زوجه «قطورة» سكَن مدين في شرق بلد الخليل كما في التوراة، فاقتضى ذلك أنه وجده بلَداً مأهولاً بقوم فهم إذن أصحاب الأيكة ، فبنى مدين وبنُوه المدينةَ ، وتركوا البادية لأهلها وهم سكان الغيضة "(2).
وما رجحه ابن عاشور في كون قوم مدين وأصحاب الأيكة أمتين ، إنما استند فيه على ما جاء في القرآن الكريم ضمن قاعدة المبحث، وفي ذلك يقول:
(1) التحرير والتنوير، ج 9، ص 183.
(2)
التحرير والتنوير، ج 9، ص 183.
" والذي يشهد لذلك ويرجحه أن القرآن لمَّا ذكرَ هذه القصةَ لأهل مدين وصف شعيباً بأنه أخوهم، ولما ذكرها لأصحاب الأيكة لم يصف شعيباً بأنه أخوهم إذ لم يكن شعيب نسيباً ولا صهراً لأصحاب الأيكة، وهذا إيماء دقيق إلى هذه النكتة "(1).
وما رجحه ابن عاشور في هذه الآية قد رجحه من قبله ابن عطية، والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، والشوكاني، والألوسي (2).
في حين ذهب الطبري، وابن كثير، والقاسمي، والشنقيطي إلى أن أصحاب الأيكة هم أهل مدين (3).
حجة أصحاب القول الأول القائلين بأن أصحاب الأيكة قوم آخرون ليسو هم أهل مدين:
حجتهم في ذلك ما جاء في القرآن من بيان أنهما أمتان أو قبيلتان.
قال ابن عاشور مؤكداً ترجيحه هذا المبني على القاعدة بما جاء في سورة الحجر عند قوله تعالى {وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (78) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ} (4): " ويظهر أن ضمير التثنية عائد
(1) التحرير والتنوير، ج 9، ص 183.
(2)
انظر المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 4، ص 242، والتفسير الكبير / الرازي، ج 8، ص 528، والجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 13، 144، والبحر المحيط / أبو حيان، ج 7، ص 36، وفتح القدير / الشوكاني، ج 4، ص 116، وروح المعاني / الألوسي، ج 10، ص 116.
(3)
انظر جامع البيان / الطبري، ج 19، ص 124، وتفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 10، ص 366، ومحاسن التأويل / القاسمي، ج 7، ص 493، وأضواء البيان / الشنقيطي، ص 1339 - 1340.
(4)
سورة الحجر، الآية (78 - 79).
إلى أصحاب الأيكة باعتبار أنهم قبيلتان، وهما مدين وسكان الغيضة الأصليون الذين نزل مدين بجوارهم، وهذا عندي هو مقتضى ذكر قوم شعيب عليه السلام باسم مدين مرات، وباسم أصحاب الأيكة مرات " (1).
كما أكد الرازي هذا المعنى بقوله: " فإن قيل هلاّ قال أخوهم شعيب كما في سائر المواضع. جوابه: أن شعيباً لم يكن من أصحاب الأيكة "(2).
وقال أبو حيان: " وكان شعيب عليه السلام من أهل مدين، فلذلك جاء: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} (3) ولم يكن من أهل الأيكة، فلذلك قال هنا: {إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ}. ومن غريب النقل ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن أصحاب الأيكة هم: أصحاب مدين، وعن غيره أن أصحاب الأيكة هم: أهل البادية، وأصحاب مدين هم: الحاضرة"(4).
حجة أصحاب القول الثاني القائلين بأن أصحاب الأيكة هم أهل مدين:
قال ابن كثير مدللا على اختياره: " هؤلاء -أعني أصحاب الأيكة -هم أهل مدين على الصحيح. وكان نبي الله شعيب من أنفسهم، وإنما لم يقل هنا أخوهم شعيب؛ لأنهم نسبوا إلى عبادة الأيكة، وهي شجرة. وقيل: شجر ملتف كالغَيضة، كانوا يعبدونها؛ فلهذا لما قال: كذب أصحاب الأيكة المرسلين، لم
(1) التحرير والتنوير، ج 7، ص 72.
(2)
التفسير الكبير / الرازي، ج 8، ص 528.
(3)
سورة الأعراف الآية (85).
(4)
البحر المحيط / أبو حيان، ج 7، ص 36.
يقل: "إذ قال لهم أخوهم شعيب"، وإنما قال:{إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ} ، فقطع نسبة الأخوة بينهم؛ للمعنى الذي نسبوا إليه، وإن كان أخاهم نسبا ، ومن الناس مَنْ لم يتفطن لهذه النكتة، فظن أن أصحاب الأيكة غير أهل مدين، فزعم أن شعيبًا عليه السلام، بعثه الله إلى أمتين، ومنهم مَنْ قال: ثلاث أمم " (1).
وقال القاسمي: " والصحيح أنهم أمة واحدة. وصفوا في كل مقام بشيء، ولذلك وعظ هؤلاء وأمرهم بوفاء المكيال والميزان، كما في قصة مدين سواء بسواء ، فدل ذلك على أنهما أمة واحدة "(2).
القول الراجح:
هو ما رجحه الطبري وغيره في أنهما أمة واحدة.
قال الطبري: " وأصحاب الأيكة: هم أهل مدين، والأيكة: الشجر، بعث الله شعيباً إلى قومه من أهل مدين، وإلى أهل البادية، قال: وهم أصحاب لأيكة، وليكة ولأيكة: واحد "(3).
قلت: وإن قيل أن ما رجحه ابن عاشور ومن سبقه من المفسرين استدلوا به بمقتضى القاعدة الترجيحية أي ما فسرته آيات أخرى، قلنا: إن أصحاب القول الثاني أيضاً استدلوا على قولهم بدلالة الآيات الأخرى.
وفي ذلك يقول الشنقيطي: " قال أكثر أهل العلم: إن أصحاب الأيكة هم
(1) تفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 10، ص 366.
(2)
محاسن التأويل / القاسمي، ج 7، ص 493.
(3)
جامع البيان / الطبري، ج 19، ص 123 - 124.
مدين. قال ابن كثير: وهو الصحيح، وعليه فتكون هذه الآية بينتها الآيات الموضحة قصة شعيب مع مدين، ومما أستدل به أهل هذا القول أنه قال هنا لأصحاب الأيكة:{أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} (1)، وهذا الكلام ذكر الله عنه أنه قاله لمدين في مواضع متعددة كقوله في هود:{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84) وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} (2) إلى غير ذلك من الآيات " (3).
وأما ما رواه الحافظ ابن عساكر في ترجمة شعيب عليه السلام من طريق محمد بن عثمان ابن أبي شيبة بسنده إلى عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن قوم مدين وأصحاب الأيكة أمتان بعث الله إليهما شعيباً
(1) سورة الشعراء، الآية (183).
(2)
سورة هود، الآية (84 - 86).
(3)
أضواء البيان / الشنقيطي، ص 1339 - 1340.
النبي " (1).
فهذا الحديث قد تكلم عليه بعض العلماء، منهم ابن كثير قال فيه: هذا غريب، وفي رفعه نظر، والأشبه أنه موقوف " (2).
وعليه فإنه يترجح أنهما أمة واحدة وصفوا في كل مقام بشيء، والله تعالى أعلم.
4 -
مثال الذبيح:
اختلف المفسرون في الذبيح، فذهب بعض المفسرين إلى أن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام، وذهب آخرون إلى أن الذبيح إسحاق، وقد ساق هذا الخلاف ابن عاشور في تفسيره فقال: " واختلف علماء السلف في تعيين الذبيح فقال جماعة من الصحابة والتابعين: هو إسماعيل وممن قاله أبو هريرة وأبو الطفيل عامر بن واثلة، وعبد الله بن عُمر، وابن عباس، ومعاوية بن أبي سفيان.
وقاله من التابعين سعيد بن المسيِّب، والشعبي، ومجاهد، وعلقمة، والكلبي،
(1) ذكره ابن كثير في تفسيره، ولم أقف عليه في تاريخ دمشق. وقد تكلم عليه ابن كثير فقال فيه: هذا غريب، وفي رفعه نظر، والأشبه أنه موقوف " تفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 10، ص 367.
(2)
تفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 10، ص 367.
(3)
سورة الصافات، الآية (103 - 107).
والربيع بن أنس، ومحمد بن كعب القُرظي، وأحمد بن حنبل.
وقال جماعة: هو إسحاق، ونقل عن ابن مسعود، والعباس بن عبد المطلب، وجابر بن عبد الله، وعمر، وعلي من الصحابة، وقاله جمع من التابعين منهم: عطاء وعكرمة والزهري والسّدِّي. وفي «جامع العتبية» أنه قول مالك بن أنس " (1).
ورجّح ابن عاشور أن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام مستدلاً على ذلك بما جاء في القرآن الكريم يفسر ذلك فقد قال: " شاع من أخبار أهل الكتاب أن الذبيح هو إسحاق بن إبراهيم بناء على ما جاء في «سفر التكوين» في «الإِصحاح» الثاني والعشرين .... والتأمُّل في هذه الآية يقوّي الظن بأن الذبيح إسماعيل، فإنه ظاهر قوي في أن المأمور بذبحه هو الغلام الحليم في قوله:{فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ} (2) وأنه هو الذي سأل إبراهيمُ ربه أن يهب له فساقت الآية قصة الابتلاء بذبح هذا الغلام الحليم الموهوب لإِبراهيم، ثم أعقبت قصته بقوله تعالى:{وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} (3)، وهذا قريب من دلالة النص على أن إسحاق هو غير الغلام الحليم الذي مضى الكلام على قصته، لأن الظاهر أن قوله:{وَبَشَّرْنَاهُ} بشارة ثانية ، وأن ذكر اسم إسحاق يدل على أنه غير الغلام الحليم الذي أجريت عليه الضمائر المتقدمة (4).
(1) التحرير والتنوير / ابن عاشور، ج 11، ص 159.
(2)
سورة الصافات، الآية (101).
(3)
سورة الصافات، الآية (112).
(4)
التحرير والتنوير، ج 11، ص 157.
وممن وافق قوله قول ابن عاشور فيمن سبقه من المفسرين ابن عطية، وأبو حيان، وابن كثير، والألوسي، والقاسمي، والشنقيطي (1).
في حين ذهب الطبري، والرازي، والقرطبي إلى أن الذبيح هو إسحاق عليه السلام (2).
واحتمل الشوكاني كلا القولين ولم يرجح فقال بعد أن ذكرهما: " وكل هذا أيضاً يحتمل فانظر ماذا ترى؟ "(3).
حجة من قال: إن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام:
ذكر ابن عطية بعض الأدلة على هذا القول، فقال:" ويستدل بأن بالبشارة اقترنت بأن من ورائه يعقوب، فلو قيل له في صباه: اذبحه ، لناقض ذلك البشارة بيعقوب، ويستدل بظاهر هذه الآية أنه بشر بإسماعيل، وانقضى أمر ذبحه ثم بشر بإسحاق بعد ذلك "(4).
كما ذكر الرازي أدلة أصحاب هذا القول بعدة وجوه:
الأول: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أنا ابن الذبيحين " وقال له أعرابي: «يا ابن
(1) انظر المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 4، ص 480، والبحر المحيط / أبو حيان، ج 7، ص 356، وتفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 12، ص 50، وروح المعاني / الألوسي، ج 12، ص 130.، ومحاسن التأويل / القاسمي، ج 8، ص 105، وأضواء البيان / الشنقيطي، ص 1445.
(2)
انظر جامع البيان / الطبري، ج 23، ص 101، والتفسير الكبير / الرازي، ج 9، ص 347، والجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 15، ص 100.
(3)
انظر فتح القدير / الشوكاني، ج 4، ص 404.
(4)
المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 4، ص 481.
الذبيحين! فتبسم فسئل عن ذلك فقال: إن عبد المطلب لما حفر بئر زمزم نذر لله لئن سهل الله له أمرها ليذبحن أحد ولده، فخرج السهم على عبد الله فمنعه أخواله وقالوا له افد ابنك بمائة من الإبل، ففداه بمائة من الإبل، والذبيح الثاني إسماعيل» (1).
الحجة الثانية: نقل عن الأصمعي أنه قال سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح، فقال: يا أصمعي أين عقلك، ومتى كان إسحق بمكة وإنما كان إسماعيل بمكة ، وهو الذي بنى البيت مع أبيه، والمنحر بمكة.
الحجة الثالثة: أن الله تعالى وصف إسماعيل بالصبر دون إسحق في قوله: {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ} (2) وهو صبره على الذبح، ووصفه أيضاً بصدق الوعد في قوله:{إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ} (3) لأنه وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح فوفى به.
الحجة الرابعة: قوله تعالى: {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} (4) فنقول لو كان الذبيح إسحق لكان الأمر بذبحه إما أن يقع قبل ظهور يعقوب، منه أو بعد ذلك ، فالأول: باطل؛ لأنه تعالى لما بشرها بإسحق، وبشرها معه بأنه يحصل منه يعقوب فقبل ظهور يعقوب منه لم يجز الأمر بذبحه،
(1) أخرجه الطبري في تفسيره، ج 23، ص 101.
(2)
سورة الأنبياء، الآية (85).
(3)
سورة مريم، الآية (54).
(4)
سورة هود، الآية (71).
وإلا حصل الخلف في قوله: {وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} .
والثاني: باطل لأن قوله: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} (1) يدل على أن ذلك الابن لما قدر على السعي ووصل إلى حد القدرة على الفعل أمر الله تعالى إبراهيم بذبحه، وذلك ينافي وقوع هذه القصة في زمان آخر، فثبت أنه لا يجوز أن يكون الذبيح هو إسحق.
الحجة الخامسة: حكى الله تعالى عنه أنه قال: {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ} (2) ثم طلب من الله تعالى ولداً يستأنس به في غربته فقال: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ} (3) وهذا السؤال إنما يحسن قبل أن يحصل له الولد، لأنه لو حصل له ولد واحد لما طلب الولد الواحد، لأن طلب الحاصل محال ،وقوله:{هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ} لا يفيد إلا طلب الولد الواحد، وكلمة من للتبعيض وأقل درجات البعضية الواحد فكأن قوله:{مِنَ الصَّالِحِينَ} لا يفيد إلا طلب الولد الواحد فثبت أن هذا السؤال لا يحسن إلا عند عدم كل الأولاد ، فثبت أن هذا السؤال وقع حال طلب الولد الأول، وأجمع الناس على أن إسماعيل متقدم في الوجود على إسحق، فثبت أن المطلوب
(1) سورة الصافات، الآية (102).
(2)
سورة الصافات، الآية (99).
(3)
سورة الصافات، الآية (102).
بهذا الدعاء هو إسماعيل، ثم إن الله تعالى ذكر عقيبه قصة الذبيح فوجب أن يكون الذبيح هو إسماعيل.
الحجة السادسة: الأخبار الكثيرة في تعليق قرن الكبش بالكعبة، فكان الذبيح بمكة ، ولو كان الذبيح إسحق كان الذبح بالشام " (1).
وقال الألوسي: " والذي أميل أنا إليه أنه إسماعيل عليه السلام بناءً على أن ظاهر الآية يقتضيه ، وأنه المروى عن كثير من أئمة أهل البيت ، ولم أتيقن صحة حديث مرفوع يقتضي خلاف ذلك، وحال أهل الكتاب لا يخفى على ذوي الألباب."(2)
وقال ابن عاشور معللاً ترجيحه لهذا القول بالرغم مما جاء في سفر التكوين بقوله: "
فإن قلت: فعلامَ جنحتَ إليه، واستَدللت عليه من اختيارك أن يكون لابتلاء بذبح إسماعيل دون إسحاق، فكيف تتأول ما وقع في «سفر التكوين» ؟
قلت: أرى أن ما في «سفر التكوين» نُقِل مشتّتاً غير مرتبة فيه أزمان الحوادث بضبط يعين الزمن بين الذبح وبين أخبار إبراهيم، فلما نقَل النقلةُ التوراة بعد ذهاب أصلها عقب أسر بني إسرائيل في بلاد أشور زمن بختنصر، سجلت قضية الذبيح في جملة أحوال إبراهيم عليه السلام، وأدمج فيها ما اعتقده بنو إسرائيل في غربتهم من ظنهم الذبيح إسحاق. ويدل لذلك قول الإِصحاح الثاني والعشرين «وحدث بعد هذه الأمور أن الله امتحن إبراهيم فقال خذ ابنك وحيدك» الخ؛ فهل المراد من قولها: بعد هذه الأمور، بعد جميع الأمور
(1) التفسير الكبير / الرازي، ج 9، ص 347.
(2)
روح المعاني / الألوسي، ج 12، ص 130.
المتقدمة أو بعد بعض ما تقدم" (1).
حجة من قال: إن الذبيح هو إسحاق عليه السلام وليس إسماعيل:
استدل أصحاب هذا القول على ما جاء في القرآن، وعلى ماذكرته الأسفار أيضاً وقال الطبري مستدلاً على قوله بما جاء في القرآن فقال: " وأولى القولين بالصواب في المَفْديّ من ابني إبراهيم خليل الرحمن على ظاهر التنزيل قول من قال: هو إسحاق، لأن الله قال:{وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} (2) فذكر أنه فدَى الغلامَ الحليمَ الذي بُشِّر به إبراهيم حين سأله أن يهب له ولدًا صالحًا من الصالحين، فقال:{رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ} (3) فإذ كان المفدِيّ بالذبح من ابنيه هو المبشَّر به، وكان الله تبارك اسمه قد بين في كتابه أن الذي بُشِّر به هو إسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، فقال جل ثناؤه:{فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} (4) وكان في كل موضع من القرآن ذكر تبشيره إياه بولد، فإنما هو معنيّ به إسحاق، كان بيَّنا أن تبشيره إياه بقوله:{فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ} (5) في هذا الموضع نحو سائر أخباره في غيره من آيات القرآن.
(1) التحرير والتنوير، ج 11، ص 160.
(2)
سورة الصافات، الآية (107).
(3)
سورة الصافات، الآية (107).
(4)
سورة هود، الآية (71).
(5)
سورة الصافات، الآية (101).
وبعد: فإن الله أخبر جل ثناؤه في هذه الآية عن خليله أنه بشَّره بالغلام الحليم عن مسألته إياه أن يهب له من الصالحين، ومعلوم أنه لم يسأله ذلك إلا في حال لم يكن له فيه ولد من الصالحين، لأنه لم يكن له من ابنيه إلا إمام الصالحين، وغير موهم منه أن يكون سأل ربه في هبة ما قد كان أعطاه ووهبه له. فإذ كان ذلك كذلك فمعلوم أن الذي ذكر تعالى ذكره في هذا الموضع هو الذي ذكر في سائر القرآن أنه بشَّره به وذلك لا شك أنه إسحاق، إذ كان المفديّ هو المبشَّر به. وأما الذي اعتلّ به من اعتلّ في أنه إسماعيل، أن الله قد كان وعد إبراهيم أن يكون له من إسحاق ابن، فلم يكن جائزاً أن يأمره بذبحه مع الوعد الذي قد تقدم; فإن الله إنما أمره بذبحه بعد أن بلغ معه السعي، وتلك حال غير ممكن أن يكون قد وُلد لإسحاق فيها أولاد، فكيف الواحد؟ وأما اعتلال من اعتل بأن الله أتبع قصة المفديّ من ولد إبراهيم بقوله:{وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} (1) ولو كان المفديّ هو إسحاق لم يبشَّر به بعد، وقد ولد، وبلغ معه السعي، فإن البشارة بنبوه إسحاق من الله فيما جاءت به الأخبار جاءت إبراهيم وإسحاق بعد أن فُدِي تكرمة من الله له على صبره لأمر ربه فيما امتحنه به من الذبح، وقد تقدمت الرواية قبلُ عمن قال ذلك. وأما اعتلال من اعتلّ بأن قرن الكبش كان معلقا في الكعبة فغير مستحيل أن يكون حُمل من الشام إلى الكعبة. وقد رُوي عن جماعة من أهل العلم أن
(1) سورة الصافات، الآية (112).
إبراهيم إنما أمر بذبح ابنه إسحاق بالشام، وبها أراد ذبحه (1) ..
وذكر ابن عاشور أن من حجتهم على ذلك ما جاء في سفر التكوين في الإصحاح الثاني والعشرين، وعلى ما كان يقصه اليهود عليهم (2).
القول الراجح:
هو ما ذهب إليه ابن عاشور وجمهور المفسرين بناءً على القاعدة الترجيحية (القول الذي تؤيده الآيات القرآنية مقدم على غيره)، وقد ذكر ابن عاشور عدة أدلة تؤكد أن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام، ومنها ما وقع في «سفر التكوين» في الإِصحاح الثاني والعشرين، وهذا قوله: " أن الله امتحن إبراهيم فقال له: «خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق واذهب إلى أرض المريا وأصعده هنالك محرقة على أحد الجبال الذي أقول لك» إلى آخر القصة.
ولم يكن إسحاق ابناً وحيداً لإِبراهيم فإن إسماعيل وُلد قبله بثلاث عشرة سنة. ولم يزل إبراهيم وإسماعيل متواصلين وقد ذكر في الإِصحاح الخامس والعشرين من سفر التكوين عند ذكر موت إبراهيم عليه السلام «ودفَنه إسحاق وإسماعيلُ ابناه» ، فإقحام اسم إسحاق بعد قوله: ابنَك وحيدَك، من زيادة كاتب التوراة (3).
وممن رجح هذا القول بناءً على قاعدة المبحث أيضاً بوضوح الشنقيطي
(1) جامع البيان / الطبري، ج 23، ص 102.
(2)
انظر التحرير والتنوير، ج 11، ص 157.
(3)
التحرير والتنوير، ج 11، ص 159.
حيث يقول: " اعلم وفقني الله وإياك. أن القرآن العظيم قد دل في موضعين، على أن الذبيح هو إسماعيل لا إسحاق أحدهما في الصافات، والثاني في هود.
أما دلالة آيات الصافات على ذلك فهي واضحة جداً من سياق الآيات، وإيضاح ذلك أنه تعالى قال عن نبيه إبراهيم:{وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} (1). قال بعد ذلك عاطفاً على البشارة الأولى: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} (2) فدل ذلك على أن البشارة الأولى شيء غير المبشر به في الثانية؛ لأنه لا يجوز حمل كتاب الله على أن معناه: فبشرناه بإسحاق، ثم بعد
(1) سورة الصافات، الآية (106 - 110).
(2)
سورة الصافات، الآية (112).
انتهاء قصة ذبحه يقول أيضاً: وبشرناه بإسحاق، فهو تكرار لا فائدة فيه ينزّه عنه كلام الله، وهو واضح في أن الغلام المبشَّر به أولاً الذي فُدي بالذبح العظيم، هو إسماعيل، وأن البشارة بإسحاق نص الله عليها مستقلة بعد ذلك.
وقد أوضحنا في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} (1) أن المقرر في الأصول أن النص من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم إذا احتمل التأسيس والتأكيد معاً، وجب حمله على التأسيس ولا يجوز حمله على التأكيد إلا لدليل يجب الرجوع إليه.
ومعلوم في اللغة العربية، أن العطف يقتضي المغايرة، فآية الصافات هذه دليل واضح للمنصف على أن الذبيح إسماعيل لا إسحاق، ويستأنس لهذا بأن المواضع التي ذكر فيها إسحاق يقيناً عبر عنه في كلها بالعلم لا الحلم، وهذا الغلام الذبيح وصفه بالحلم لا العلم
وأما الموضع الثاني الدال على ذلك ذكرنا أنه في سورة هود فهو قوله تعالى: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} (2) لأن رسل الله من الملائكة بشرتها بإسحاق، وأن إسحاق يلد يعقوب، فكيف يعقل أن يؤمر إبراهيم بذبحه، وهو صغير، وهو
(1) سورة النحل، الآية (97).
(2)
سورة هود، الآية (71).
عنده علم يقين بأنه يعيش حتى يلد يعقوب.
فهذه الآية أيضاً دليل واضح على ما ذكرنا، فلا ينبغي للمنصف الخلاف في ذلك بعد دلالة هذه الأدلة القرآنية على ذلك. والعلم عند الله تعالى" (1).
5 -
مثال الإحياء والإماتة:
قال تعالى: {قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ} (2).
اختلف المفسرون في المراد بالموتتين والإحياءين من قوله تعالى: {أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} على ثلاثة أقوال (3):
الأول: إن الله أحياهم حين خلقهم في الدنيا، ثم أماتهم فيها عند انقضاء آجالهم،
…
ثم أحياهم في قبورهم للمساءلة، ثم أماتهم إلى وقت البعث. ثم أحياهم للبعث، قاله السدي (4).
الثاني: إن الله أحياهم حين أخذ عليهم الميثاق في ظهر آدم، وذلك قوله:
(1) أضواء البيان / الشنقيطي، ص 1446.
(2)
سورة غافر، الآية (11).
(3)
انظر هذه الأقوال في جامع البيان / الطبري، ج 24، ص 56 - 57، والمحرر الوجيز / ابن عطية، ج 4، ص 549.
(4)
أخرج روايته الطبري في تفسيره، ج 24، ص 57.
{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} (1)، ثم إن اللَّه أماتهم بعد أخذ الميثاق عليهم، ثم أحياهم حين أخرجهم، ثم أماتهم عند انقضاء آجالهم، ثم أحياهم للبعث فتكون حياتان وموتتان في الدنيا وحياة في الآخرة، وهذا قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (2).
الثالث: إنه خلقهم أمواتاً في أصلاب آبائهم، ثم أحياهم بإخراجهم، ثم أماتهم عند انقضاء آجالهم، ثم أحياهم للبعث، فهما ميتتان إحداهما في أصلاب الرجال، والثانية في الدنيا، وحياتان: إحداهما في الدنيا والثانية في الآخرة، قاله ابن مسعود وابن عباس وقتادة والضحاك (3).
وهذا القول الثالث هو الذي اختاره ابن عاشور في تفسيره مستدلاً على ذلك بما جاء في القرآن.
وهذا قوله: " والمراد بإحدى الموتتين: الحالةُ التي يكون بها الجنين لَحْماً لا حياة فيه في أول تكوينه قبل أن يُنفخ فيه الروح، وإطلاق الموت على تلك الحالة مجاز وهو مختار الزمخشري والسكاكي ، بناء على أن حقيقة الموت انعدام الحياة من الحي بعد أن اتصف بالحياة، فإطلاقه على حالة انعدام الحياة قبلَ حصولها فيه
(1) سورة الأعراف، الآية (172).
(2)
أخرج روايته الطبري في تفسيره، ج 1، ص 216، وذلك في معرض تفسيره لقوله تعالى:"كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ " من سورة البقرة، الآية (29).
(3)
أخرج رواياتهم الطبري في تفسيره، ج 1، ص 215.
استعارةٌ، إلا أنها شائعة في القرآن حتى ساوت الحقيقة ، فلا إشكال في استعمال (أمتَّنا) في حقيقته ومجازه، ففي ذلك الفعل جمع بين الحقيقة والاستعارة التبعية تبعاً لِجريان الاستعارة في المصدر، ولا مانع من ذلك لأنه واقع ووارد في الكلام البليغ كاستعمال المشترك في معنييه، . وأما الموتة الثانية فهي الموتة المتعارفة عند انتهاء حياة الإنسان والحيوان.
والمراد بالاحياءتَيْن: الاحياءة الأولى عند نفخ الروح في الجسد بعد مبدأ تكوينه، والإِحياءة الثانية التي تحصل عند البعث، وهو في معنى قوله تعالى:{وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} " (1)(2).
وهذا القول الذي رجحه ابن عاشور هو قول جمهور السلف (3).
حجة أصحاب القول الأول الذين يرون أن الحياة تحصل ثلاث مرات أحدهما في الدنيا والثانية في القبر والثالثة عند البعث، والموت؛ مرة عند
(1) سورة البقرة، الآية (28).
(2)
التحرير والتنوير / ابن عاشور، ج 11، ص 97 - 98.
(3)
انظر جامع البيان / الطبري ج 1، ص 217، والمحرر الوجيز / ابن عطية، ج 4، ص 549، والتفسير الكبير/ الرازي، ج 9، ص 494، والجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 1، ص 266، عند تفسيره لقوله تعالى:{كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} وذكر أنه أصح الأقوال، والبحر المحيط/ أبو حيان، ج 7، ص 435، ، ، وتفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 1، ص 332، وفتح القدير/ الشوكاني، ج 1، ص 60، وروح المعاني/ الألوسي، ج 12، ص 305، ومحاسن التأويل / القاسمي، ج 8، ص 190، وكذلك حققه الشنقيطى في أضواء البيان ص 1471، وبين أنه القول الراجح الذي لا ينبغي العدول عنه.
انقضاء الأجل وأخرى بعد المساءلة في القبر:
حجتهم قوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} (1) وقالوا أن قوله {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا} : خطاب لأهل القبور بعد إحياءهم في قبورهم ، وقالوا: إن لفظ الميت لا ينطلق في العرف على النطفة.
وردوا على الذين قالوا أن الموتة الأولى إشارة إلى الحالة الحاصلة عند كون الإنسان نطفة وعلقة، والموتة الثانية إشارة إلى ما حصل في الدنيا، كما قالوا: لو كان الثواب والعقاب للروح دون الجسد فما معنى الإحياء والإماتة (2).
وأصحاب هذا القول يقولون: إن الإماتة لا تصدق إلا على خروج الروح من الجسد (3).
قال الرازي: "احتج أكثر العلماء بهذه الآية في إثبات عذاب القبر، وتقرير الدليل أنهم أثبتوا لأنفسهم موتتين حيث قالوا:{رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ} فأحد الموتتين مشاهد في الدنيا فلا بد من إثبات حياة أخرى في القبر حتى يصير الموت
(1) سورة البقرة، الآية (28).
(2)
انظر أقوالهم في تفسير القرطبي، ج 15، ص 285.
(3)
انظر جامع البيان / الطبري، ج 1، ص 216، حيث ذكر الطبري الخلاف الوارد في معنى الإحياء والإماتة عند تفسيره لقوله تعالى:{كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} من الآية (28) من سورة البقرة، مما أغنى عن إعادته في هذا الموضع من سورة غافر ..
الذي يحصل عقيبها موتاً ثانياً، وذلك يدل على حصول حياة في القبر" (1).
حجة أصحاب القول الثاني القائلين: إن الله أحياهم حين أخذ عليهم الميثاق في ظهر آدم ثم أماتهم بعد أخذ الميثاق عليهم، ثم أحياهم حين أخرجهم، ثم أماتهم عند انقضاء آجالهم، ثم أحياهم للبعث:
ذكر الطبري وجه تأويل ابن زيد في تفسيره فقال: " وأما ابن زيد، فقد أبان عن نفسه ما قصَد بتأويله ذلك، وأنّ الإماتة الأولى عند إعادة الله جل ثناؤه عبادَه في أصلاب آبائهم، بعد ما أخذَهم من صُلب آدم، وأن الإحياء الآخر هو نفخ الأرواح فيهم في بطون أمهاتهم، وأن الإماتة الثانية هي قبضُ أرواحهم للعود إلى التراب، والمصير في البرزخ إلى يوم البعث، وأن الإحياء الثالثَ هو نفخُ الأرواح فيهم لبعث الساعة ونشر القيامة"(2).
حجة أصحاب القول الثالث القائلين: إنه خلقهم أمواتاً في أصلاب آبائهم، ثم أحياهم بإخراجهم، ثم أماتهم عند انقضاء آجالهم، ثم أحياهم للبعث، فهما ميتتان، وإحياءان:
حجتهم بينها الطبري في تفسيره فقال: " إن هؤلاء ذهبوا إلى نحو قول العرب للشيء الدارس والأمر الخامل الذكر: هذا شيء ميِّتٌ، وهذا أمر ميِّت - يراد بوصفه بالموت: خُمول ذكره، ودُرُوس أثره من الناس. وكذلك يقال في ضد ذلك وخلافه: هذا أمر حيّ، وذكر حيٌّ - يراد بوصفه بذلك أنه نابه مُتعالم في
(1) التفسير الكبير / الرازي، ج 9، ص 494.
(2)
جامع البيان / الطبري، ج 1، ص 6.
الناس، كما قال أبو نُخَيْلة السعديّ:(1)
وأَحْيَيْتَ لِي ذكْري، وَمَا كُنْتُ خَامِلا
…
وَلَكِنَّ بَعْضَ الذِّكْرِ أَنْبَهُ مِنْ بَعْضٍ (2).
يريد بقوله: "فأحييتَ لي ذكري"، أي: رفعته وشهرته في الناس حتى نبه فصار مذكورًا حيًّا، بعد أن كان خاملا ميتًا. فكذلك تأويل قول من قال في قوله:"وكنتم أمواتًا" لم تكونوا شيئًا، أي كنتم خُمولا لا ذكر لكم، وذلك كان موتكم فأحياكم، فجعلكم بَشرًا أحياء تُذكرون وتُعرفون، ثم يميتكم بقبض أرواحكم وإعادتكم، كالذي كنتم قبل أن يحييكم، من دروس ذكركم، وتعفِّي آثاركم، وخمول أموركم، ثم يحييكم بإعادة أجسامكم إلى هيئاتها، ونفخ الروح فيها" (3).
وذكر له الزمخشري مسوغاً غير هذا فقال: " فإن قلت: كيف صحّ أن يسمي خلقهم أمواتاً: إماتة؟ قلت: كما صحّ أن تقول: سبحان من صغر جسم البعوضة وكبر جسم الفيل! وقولك للحفار: ضيق فم الركية ووسع أسفلها، وليس ثم نقل من كبر إلى صغر ولا من صغر إلى كبر، ولا من ضيق إلى سعة، ولا من سعة إلى ضيق، وإنما أردت الإنشاء على تلك الصفات، والسبب في
(1) أبو نخيلة: اسمه لا كنيته، كما قال أبو الفرج، ويقال اسمه: يعمر بن حزن بن زائدة، من بني سعد بن زيد مناة، وكان الأغلب عليه الرجز، وله قصيد قليل، وكان عاقاً بأبيه، فنفاه أبوه عن نفسه، والبيت من أبيات يمدح بها نفسه. (انظري الإكمال في الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى / علي بن هبة الله بن نصر بن ما كولا، ج 7، ص 257).
(2)
المؤتلف والمختلف / الآمدي، ص 297.
(3)
جامع البيان الطبري، ج 1، ص 215، 216.
صحته أن الصغر والكبر جائزان معاً على المصنوع الواحد، من غير ترجح لأحدهما، وكذلك الضيق والسعة. فإذا اختار الصانع أحد الجائزين وهو متمكن منهما على السواء فقد صرف المصنوع عن الجائز الآخر، فجعل صرفه عنه كنقله منه، ومن جعل الإماتتين التي بعد حياة الدنيا والتي بعد حياة القبر لزمه إثبات ثلاث إحياءات، وهو خلاف ما في القرآن " (1).
وقال الشنقيطي في (أضواء البيان): " والأظهر عندي أن المسوغ الذي سوغ إطلاق اسم الموت على العلقة، والمضغة مثلاً، في بطون الأمهات، أن عين ذلك الشيء، الذي هو نفس العلقة والمضغة، له أطوار كما قال تعالى: {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا} (2) {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ} (3)، ولما كان ذلك الشيء، تكون فيه الحياة في بعض تلك الأطوار، وفي بعضها لا حياة له، صح إطلاق الموت والحياة عليه من حيث إنه شيء واحد، ترتفع عنه الحياة تارة وتكون فيه أخرى "(4).
القول الراجح:
ومما تقدم تبين لنا أن القول الثالث هو أصح الأقوال وأولاها بتفسير الآية، وهو الذي تقرره القاعدة، وعليه أكثر المفسرين، وهو الذي ذهب إليه ابن
(1) الكشاف / الزمخشري، ج 5، ص 334.
(2)
سورة نوح، الآية (14).
(3)
سورة الزمر، الآية (6).
(4)
أضواء البيان / الشنقيطي، ص 1471.
عاشور في تفسيره، وترجيحه هذا بناء على قاعدة (القول الذي تؤيده آيات قرآنية مقدم على غيره) حيث قال بعد أن ذكر تفسير الآية أن ذلك في معنى قوله تعالى:{كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (1)(2).
وكذلك رجحه الطبري بناءً على هذه القاعدة فقال: "وأولى ما ذكرنا من الأقوال التي بيَّنّا بتأويل قول الله جل ذكره: "كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم" الآية، القول الذي ذكرناه عن ابن مسعود وعن ابن عباس: من أن معنى قوله: "وكنتم أمواتًا" أمواتَ الذكر، خمولا في أصلاب آبائكم نطفًا، لا تُعرفون ولا تُذكرون: فأحياكم بإنشائكم بشرًا سويًّا حتى ذُكِرتم وعُرِفتم وحَيِيتم، ثم يُميتكم بقبض أرواحكم وإعادتكم رُفاتًا لا تُعرفون ولا تُذكرون في البرزخ إلى يوم تبعثون، ثم يحييكم بعد ذلك بنفخ الأرواح فيكم لبعث الساعة وصَيحة القيامة"(3).
وكذلك رجحه الرازي بمضمون هذه القاعدة وذكر بأن قوله تعالى يدل عليه وهو: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (4) ومما تقدم تبين لنا أن
(1) سورة البقرة الآية (28).
(2)
انظر التحرير والتنوير، ج 11، ص 97.
(3)
جامع البيان الطبري، ج 1، ص 217.
(4)
سورة البقرة، الآية (28)، وانظر التفسير الكبير / الرازي، ج 9، ص 495.
ابن عاشور قد تابع جمهور المفسرين في ترجيح ذلك القول مستندا في ذلك إلى القاعدة.
وأما أصحاب القول الأول الذين يرون أن الحياة تحصل ثلاث مرات أحدهما في الدنيا والثانية في القبر والثالثة عند البعث، والموت؛ مرة عند انقضاء الأجل وأخرى بعد المساءلة في القبر فقد ردّ قولهم عدد من العلماء منهم الطبري، والرازي، والزمخشري، وأبو حيان ، حيث ساق الطبري بعض الأدلة التي تدل بالمنقول والمعقول على عدم حصول الحياة في القبر وذكر بأنه لا إنابة في القبور بعد الممات (1).
كما استبعده الرازي في تفسيره مبيناً أن الآية تدل على المنع من حصول حياة القبر، وبيّن أنه لو كان الأمر كذلك لكان قد حصلت الحياة ثلاث مرات أولها: في الدنيا، وثانيها في القبر، وثالثها في: القيامة، والمذكور في الآية ليس إلا حياتين فقط، فتكون إحداهما في الحياة الدنيا والحياة الثانية في القيامة، والموت الحاصل بينهما هو الموت المشاهد في الدنيا (2).كما ردّه الزمخشري، وأبو حيان، وبيّنا بطلانه، وذكرا أنه خلاف القرآن (3)(4).
(1) انظر جامع البيان / الطبري، ج 1، ص 216.
(2)
التفسير الكبير / الرازي، ج 9، ص 495.
(3)
انظر الكشاف / الزمخشري؛ تحقيق: عادل عبد الموجود، علي معوض، ج 5، ص 334، والبحر المحيط / أبو حيان، ج 7، ص 435.
(4)
قلت: وإنكار أئمة المفسرين لهذا القول لا يعني إنكارهم لعذاب القبر، وإنما وقع إنكارهم على أن تكون الحياة في القبر مثل الحياة في الدنيا، ولا شك أن الحياة في القبر أمر عارض وغير مستقر، يشبه حال النائم.
وقد أنكر ابن القيم على من نفى حياة القبر فقال: " فهذا فيه إجمال أن أراد به الحياة المعهودة في الدنيا التي تقوم فيها الروح بالبدن وتدبره وتصرفه وتحتاج معها إلى الطعام والشراب واللباس فهذا= =خطأ كما قال والحس والعقل يكذبه كما يكذبه النص، وإن أراد به حياة أخرى غير هذه الحياة بل تعاد إليه إعادة غير الإعادة المألوفة في الدنيا ليسأل ويمتحن في قبره فهذا حق ونفيه خطأ وقد دل عليه النص الصحيح الصريح وهو قوله فتعاد روحه في جسده". (الروح / ابن القيم، ج 1، ص 43).
وقد سئل شيخ الإسلام عن سؤال منكر ونكير الميت إذا مات تدخل الروح فى جسده ويجلس ويجاوب منكرا ونكير فيحتاج موتا ثانيا؟
فأجاب: عود الروح إلى بدن الميت فى القبر ليس مثل عودها إليه في هذه الحياة الدنيا وإن كان ذاك قد يكون أكمل من بعض الوجوه ، كما أن النشأة الأخرى ليست مثل هذه النشأة وان كانت أكمل منها ، بل كل موطن في هذه الدار وفى البرزخ والقيامة له حكم يخصه، ولهذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الميت يوسع له في قبره ويسأل ونحو ذلك وان كان التراب قد لا يتغير فالأرواح تعاد إلى بدن الميت وتفارقه. (مجموع الفتاوى، ج 4، ص 274).
وقال أبو محمد: وهذا حق لا يدفع عذاب القبر لأن فتنة القبر وعذابه والمساءلة إنما هي للروح فقط بعد فراقه للجسد إثر ذلك قبر أو لم يقبر برهان ذلك قول الله تعالى " ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم " الآية وهذا قبل القيامة بلا شك وأثر الموت وهذا هو عذاب القبر وقال " إنما توفون أجوركم يوم القيامة " وقال تعالى في آل فرعون " النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة ادخلوا آل فرعون أشد العذاب "(الفصل في الملل والأهواء والنحل / محمد بن حزم، ج 1، ص 438).
وقال ابن عاشور: " وقد أورد كثير من المفسرين إشكال أن هنالك حياةً ثالثة لم تذكر هنا وهي الحياةُ في القبر التي أشار إليها حديث سؤال القَبر وهو حديث اشتهر بين المسلمين من عهد السلف، وفي كون سؤال القبر يقتضي حياة الجسم حياة كاملة احتمال، وقد يُتأول بسؤال روح الميت عِند جسده أو بحصول حياة بعض الجسد أو لأنها لما كانت حياة مؤقتة بمقدار السؤال ليس للمتصف بها تصرف الإِحياء في هذا العالم، لم يعتد بها لاسيما والكلام مراد منه التوطئة لسؤال خروجهم من جهنم، وبهذا يعلم أن الآية بمعزل عن أن يستدل بها لثبوت الحياة عند السؤال في القبر"(التحرير والتنوير، ج 11، ص 98).
وأما القول الثاني بأن الله أحياهم حين أخذ عليهم الميثاق في ظهر آدم، ، ثم أماتهم بعد أخذ الميثاق عليهم، ثم أحياهم حين أخرجهم، ثم أماتهم عند انقضاء آجالهم، ثم أحياهم للبعث:
فقد ضعفه الطبري واستبعده، وذكر أنه خلاف الظاهر، لأن ابن زيد ذكر أنّ الله أحياهم ثلاثة إحياءات، وأماتهم ثلاث إماتات ، والله جل ثناؤه أخبر في كتابه -عن الذين أخبر عنهم من خلقه- أنهم قالوا:{أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} (1).
كما ضعفه ابن عطية، وابن جزي، وأبو حيان، وملخص قولهم أنه يترتب عليه أن يكون الإحياء ثلاث مرات وهو خلاف القرآن (2)، وكذلك استبعده ابن كثير في تفسيره وذكر أنه قول غريب (3).
(1) انظر جامع البيان / الطبري، ج 1، ص 216.
(2)
انظر المحرر الوجيز/ ابن عطية، ج 4، ص 549، والتسهيل لعلوم التنزيل / ابن جزي، ج 2، ص 478، والبحر المحيط / أبو حيان، ج 7، ص 435.
(3)
تفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 1، ص 332.
ونظائر هذه الأمثلة كثيرة جداً في تفسيره ، منها:
1 -
ما جاء في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} (الأنفال: 15 - 16). =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وفيها قول ابن عاشور: " والذي أرى في فقه هذه الآية أن ظاهر الآية هو تحريم التولي على آحادهم وجماعتهم إذا التقوا مع أعدائهم في ملاحم القتال والمجالدة، بحيث إن المسلمين إذا توجهوا إلى قتال المشركين أو إذا نزل المشركون لمقاتلتهم وعزموا على المقاتلة فإذا التقى الجيشان للقتال وجب على المسلمين الثبات والصبر
…
، وهذا هو الذي يشهد له قوله تعالى:{إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا} (الأنفال: 45). (التحرير والتنوير، ج 6، ص 291.
2 -
قوله تعالى: {يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ} (سورة يوسف: 46).
وفيها ترجيح ابن عاشور أن الصديقين هم دوين الأنبياء وهذا قوله: " وأحسنُ ما رأيت في هذا المعنى كلمة الراغب الأصفهاني في مفردات القرآن قال: «الصديقون هم دُوَيْن الأنبياء» . وهذا ما يشهد به استعمال القرآن في آيات كثيرة مثل قوله: {فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ} (النساء: 69). (التحرير والتنوير، ج 6، 284).
3 -
ما جاء في قوله تعالى: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (67) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى} (سورة طه: 67 - 68) وفيه نقل ابن عاشور خلاف المفسرين في وجه خوف موسى عليه السلام فقال: " وإنما خاف موسى من أن يظهر أمر السحرة فيساوي ما يظهر على يديه من انقلاب عصاه ثعباناً، لأنه يكون قد ساواهم في عملهم ويكونون قد فاقوه بالكثرة، أو خشي أن يكون الله أراد استدراج السحرة مدّة فيملي لهم بظهور غلبهم عليه ومدّه لما تكون له العاقبة فخشي ذلك " - ورجّح ابن عاشور القول الأول بدلالة القرآن الكريم، وفي ذلك يقول -: =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=" والدليل على هذا قوله تعالى: {قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى} فتأكيد الجملة بحرف التأكيد وتقويةُ تأكيدها بضمير الفصل وبالتعريف في (الأعلى) دليل على أن ما خامره من الخوف إنّما هو خوف ظهور السحرة عند العامة .. "(التحرير والتنوير، ج 8، ص 259).
4 -
ما جاء في قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ} (سبأ: 31)، وفيه قول ابن عاشور: والظالمون المشركون، قال تعالى {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} (لقمان: 13)، (التحرير والتنوير، ج 11، ص 203).
5 -
ما جاء في قوله تعالى: {وَالطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (3) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (5)} (الطور: 1 - 5) قال ابن عاشور: " وأما السقف المرفوع: ففسروه بالسماء لقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا} (الأنبياء: 32). (التحرير والتنوير، ج 13، ص 39).