المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الأمثلة التطبيقية على القاعدة: - قواعد الترجيح المتعلقة بالنص عند ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير

[عبير بنت عبد الله النعيم]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌مشكلة البحث:

- ‌حدود البحث:

- ‌أهمية البحث وأسباب اختياره:

- ‌الدراسات السابقة:

- ‌أهداف البحث:

- ‌أسئلة البحث:

- ‌المنهج في كتابة البحث:

- ‌إجراءات البحث:

- ‌ومنهجي في دراسة هذه القواعد كالآتي:

- ‌أما المنهج المتبع في دراسة تلك الأمثلة فهو الآتي:

- ‌خطة البحث

- ‌كلمة شكر وتقدير

- ‌التمهيد

- ‌المبحث الأولالتعريف بابن عاشور

- ‌المطلب الأولنشأته وبيئته العلمية

- ‌اسمه ونسبه:

- ‌مولده:

- ‌نشأته:

- ‌مسيرته العلمية والعملية:

- ‌شيوخه وعلماء عصره:

- ‌تلامذته:

- ‌المطلب الثاني‌‌مذهبه الفقهيوالعقدي ومؤلفاته

- ‌مذهبه الفقهي

- ‌منهجه في العقيدة:

- ‌كتاباته ومؤلفاته:

- ‌أولاً: آثاره في التفسير:

- ‌ثانياً: آثاره في الحديث النبوي الشريف:

- ‌ثالثاً: آثاره في الفقه وأصوله:

- ‌رابعاً: آثاره في الثقافة الإسلامية:

- ‌خامساً: آثاره في اللغة والأدب:

- ‌سادساً: آثاره في التاريخ والتراجم

- ‌وفاته:

- ‌المبحث الثانيالتعريف بتفسير (التحرير والتنوير)

- ‌المطلب الأولالتعريف بـ " التحرير والتنوير

- ‌منهجه في إيراد المعلومات:

- ‌المطلب الثانيموقف ابن عاشور من أنواع التفسير

- ‌أولاً: موقفه من التفسير بالمأثور:

- ‌ تفسير القرآن بالقرآن

- ‌ تفسير القرآن بالسنة:

- ‌أولاً: طريقته في إيراد الأحاديث:

- ‌ثانياً: طريقته في عزو الأحاديث:

- ‌ثالثاً: طريقته في الحكم على الأحاديث:

- ‌ تفسير القرآن بمرويات الصحابة والتابعين ومن بعدهم:

- ‌ موقفه من الإسرائيليات:

- ‌ثانياً: موقفه من التفسير بالرأي:

- ‌المطلب الثالثمنهج ابن عاشور في القراءات المتواترة والشاذة

- ‌المطلب الرابععنايته بالوجوه البلاغية واللغة

- ‌أولاً: الإيجاز:

- ‌ثانياً: المجاز:

- ‌ثالثاً: الإعجاز:

- ‌رابعاً: التفنن:

- ‌خامساً: الالتفات:

- ‌المطلب الخامسمصادر ابن عاشور في تفسيره

- ‌1 - التفسير وعلوم القرآن:

- ‌2 - في القراءات:

- ‌3 - الحديث النبوي:

- ‌4 - الفقه والأصول:

- ‌5 - العقيدة وعلم الكلام:

- ‌6 - اللغة والنحو:

- ‌الفصل الأولمقدمات في قواعد التفسير والترجيح

- ‌المبحث الأولمعنى القاعدة والتفسير والترجيح

- ‌تعريف القاعدة:

- ‌تعريف التفسير لغة:

- ‌تعريف التفسير اصطلاحاً:

- ‌تعريف الترجيح:

- ‌التعريف بالمركب الإضافي "قواعد الترجيح

- ‌المبحث الثانينشأة قواعد الترجيح

- ‌المبحث الثالثالفرق بين قواعد التفسير وقواعد الترجيح

- ‌أولاً: قواعد التفسير

- ‌تعريفه:

- ‌فائدته:

- ‌استمداد قواعد التفسير:

- ‌ثانياً: قواعد الترجيح:

- ‌موضوع قواعد الترجيح:

- ‌فائدته:

- ‌استمدادها:

- ‌المبحث الرابعأنواع قواعد الترجيح

- ‌أولا: قواعد الترجيح المتعلقة بالنص:

- ‌ثانياً: قواعد الترجيح المتعلقة بالسنة والأثر:

- ‌ثالثاً: قواعد الترجيح المتعلقة باللغة، ومنها:

- ‌المبحث الخامسالأسباب الموجبة للترجيح

- ‌الأول: اختلاف تضاد:

- ‌الثاني: اختلاف تنوع:

- ‌المبحث السادسقواعد التفسير عند ابن عاشور

- ‌أولاً: القواعد المتعلقة بأسباب النزول:

- ‌ثانياً: القواعد اللغوية

- ‌ثالثاً: القواعد المتعلقة بالقراءات

- ‌رابعاً: القواعد المتعلقة بالسنة والآثار

- ‌خامساً: القواعد المتعلقة بالنسخ

- ‌الفصل الثانيقواعد الترجيح المتعلقة بذات النص القرآني

- ‌المبحث الأولالقول الذي تؤيده الآيات القرآنية مقدم على غيره

- ‌صورة القاعدة:

- ‌أقوال العلماء في القاعدة:

- ‌الأمثلة التطبيقية على القاعدة:

- ‌المبحث الثانيالأصل إطلاق اللفظ على ظاهره ما لم يرد دليل يصرفه عن ظاهره

- ‌صورة القاعدة:

- ‌شرح مفردات القاعدة:

- ‌أقوال العلماء في هذه القاعدة:

- ‌الأمثلة التطبيقية على القاعدة:

- ‌المبحث الثالثالأولى إعمال اللفظ بكلا معنييه الحقيقي والمجازي متى أمكن

- ‌صورة القاعدة:

- ‌شرح مفردات القاعدة:

- ‌أمثلة تطبيقية على القاعدة:

- ‌المبحث الرابعيقدم المجاز على الحقيقة إذا وجدت القرينة

- ‌صورة القاعدة:

- ‌شرح مفردات القاعدة:

- ‌أقوال العلماء في هذه القاعدة:

- ‌أمثلة تطبيقية على القاعدة:

- ‌المبحث الخامسإذا خلت الأقوال في الآية من مستند شرعي وكانت متساوية فالقول الموافق لما جاء في التوراة مقدم على غيره

- ‌صورة القاعدة:

- ‌أقوال العلماء في القاعدة:

- ‌أمثلة تطبيقية على القاعدة:

- ‌الفصل الثالثقواعد الترجيح المتعلقة بالنسخ

- ‌المبحث الأولالأصل عدم النسخ ما لم يقم دليلصحيح صريح على خلاف ذلك

- ‌صورة القاعدة:

- ‌شرح مفردات القاعدة:

- ‌أقوال العلماء في هذه القاعدة:

- ‌أمثلة تطبيقية على القاعدة:

- ‌المبحث الثانيقاعدة النسخ لا يقع في الأخبار

- ‌صورة القاعدة:

- ‌أقوال العلماء في القاعدة:

- ‌أمثلة تطبيقية على القاعدة:

- ‌المبحث الثالثإن الزيادة على النص ليست بنسخ

- ‌صورة القاعدة:

- ‌أقوال العلماء في القاعدة:

- ‌أمثلة تطبيقية على القاعدة:

- ‌المبحث الرابعالإجماع يعد ناسخاً

- ‌صورة القاعدة:

- ‌شرح مفردات القاعدة:

- ‌أقوال العلماء في القاعدة:

- ‌الأمثلة التطبيقية على القاعدة:

- ‌المبحث الخامسالتخصيص بعد العمل بالعام والتقييد بعد العمل بالمطلق لايعدُّ نسخاً

- ‌صورة القاعدة:

- ‌شرح ألفاظ القاعدة:

- ‌أقوال العلماء في القاعدة:

- ‌أمثلة تطبيقية على القاعدة:

- ‌الفصل الرابعقواعد الترجيح المتعلقة بالقراءات ورسم المصحف

- ‌المبحث الأولالقراءات المتواترة حق كلها نصاً ومعنى لا يجوز ردها أو رد معناها

- ‌صورة القاعدة:

- ‌شرح مفردات القاعدة:

- ‌أقوال العلماء في هذه القاعدة:

- ‌الأمثلة التطبيقية على القاعدة:

- ‌المبحث الثانيالأصل توافق القراءات في المعنى

- ‌صورة القاعدة:

- ‌أقوال العلماء في القاعدة:

- ‌الأمثلة التطبيقية على القاعدة:

- ‌المبحث الثالثاختلاف القراءات في ألفاظ القرآن الكريم يكثر المعاني في الآية الواحدة

- ‌صورة القاعدة:

- ‌أقوال العلماء في القاعدة:

- ‌الأمثلة التطبيقية على القاعدة:

- ‌المبحث الرابعتأتي القراءة في معنى الترجيح لأحد المعاني القائمة من الآية

- ‌صورة القاعدة:

- ‌أقوال العلماء في القاعدة:

- ‌أمثلة تطبيقية على القاعدة:

- ‌المبحث الخامسالتفسير الموافق لرسم المصحف مقدم على غيره من التفاسير

- ‌صورة القاعدة:

- ‌بيان ألفاظ القاعدة:

- ‌أقوال العلماء في القاعدة:

- ‌الأمثلة التطبيقية على القاعدة:

- ‌الفصل الخامسقواعد الترجيح المتعلقة بالسياق القرآني

- ‌المبحث الأولالقول الذي يدل عليه السياق أولى من غيرهمالم توجد حجة يجب إعمالها

- ‌صورة القاعدة:

- ‌شرح مفردات القاعدة:

- ‌أقوال العلماء في القاعدة:

- ‌الأمثلة التطبيقية على القاعدة:

- ‌المبحث الثانيالقول المبني على مراعاة النظم وظاهر ترتيب الكلام أولى من غيره

- ‌صورة القاعدة:

- ‌شرح مفردات القاعدة:

- ‌أقوال العلماء في القاعدة:

- ‌الأمثلة التطبيقية على القاعدة:

- ‌المبحث الثالثلكل آية مقامها الذي يجري عليه استعمال كلماتهافلا تعارض بين الآيات

- ‌صورة القاعدة:

- ‌شرح مفردات القاعدة:

- ‌موقف العلماء من القاعدة:

- ‌الأمثلة التطبيقية على القاعدة:

- ‌الفصل السادسقواعد الترجيح المتعلقة بالمفردة القرآنية

- ‌المبحث الأولإعمال الأغلب في القرآن وتقديم المفهوم الجاري في استعماله أولى

- ‌صورة القاعدة:

- ‌أقوال العلماء في القاعدة:

- ‌الأمثلة التطبيقية على القاعدة:

- ‌المبحث الثانيزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى

- ‌صورة القاعدة:

- ‌شرح مفردات القاعدة:

- ‌أقوال العلماء في القاعدة:

- ‌الأمثلة التطبيقية على القاعدة:

- ‌المبحث الثالثإذا احتمل اللفظ معان عدة ولم يمتنع إرادة الجميع حمل عليها

- ‌صورة القاعدة:

- ‌أقوال العلماء في القاعدة:

- ‌الأمثلة التطبيقية على القاعدة:

- ‌الفصل السابعتقويم منهج ابن عاشور في الترجيح

- ‌المبحث الأولمعالم منهج ابن عاشور في الترجيح ومميزاته

- ‌المطلب الأولصيغ الترجيح عند ابن عاشور

- ‌المطلب الثانيمنهج ابن عاشور في استعمال وجوه الترجيح

- ‌المطلب الثالثمميزات الترجيح عند ابن عاشور

- ‌المبحث الثانيالمآخذ على منهج ابن عاشور في الترجيح

- ‌المبحث الثالثأثر عقيدة ابن عاشور في صياغة القواعد والترجيح بها

- ‌فهرس المصادر والمراجع

الفصل: ‌الأمثلة التطبيقية على القاعدة:

في قوله تعالى: {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} (1)(2).

ونبّه السيوطي على هذه القاعدة عند حديثه عما يجب على المُعْرِب مراعاته، فقال:

" ويجب عليه مراعاة أمور، إلى أن قال: الثامن أن يراعي الرسم "(3).

‌الأمثلة التطبيقية على القاعدة:

1 -

قراءة {الم} :

قال تعالى: {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} (4)

اختلف المفسرون في هاته الحروف المقطعة الواقعة في أوائل السور على عدة أقوال ساقها ابن عاشور في تفسيره ، وذكر أن أقوال العلماء تؤول إلى واحد وعشرين قولاً ذكرها ونسبها إلى أصحابها، وملخص هذه الأقوال من تفسيره التالي:

الأول: أنها علم استأثر الله تعالى به.

والثاني: أنها حروف مقتضبة من أسماء وصفات لله تعالى، فألم مثلاً الألف إشارة إلى أحد أو أول أو أزلي، واللام إلى لطيف، ونحو ذلك.

(1) سورة طه، الآية (63).

(2)

انظر البحر المحيط / أبو حيان، ج 6، ص 238.

(3)

الإتقان / السيوطي، ج 2، ص 260 - 266.

(4)

سورة البقرة، الآية (1).

ص: 655

الثالث: أنها رموز لأسماء الله تعالى وأسماء الرسول صلى الله عليه وسلم والملائكة.

الرابع: أن هاته الحروف المقطعة في أوائل السور أسماء للملائكة وأنها إذا تليت كانت كالنداء لملائكتها.

الخامس: أنها رموز كلها لأسماء النبي صلى الله عليه وسلم وأوصافه خاصة.

السادس: أنها رموز لمدة دوام هذه الأمة بحساب الجُمَّل.

السابع: أنها رموز كل حرف رمز إلى كلمة فنحو: (ألم) أنا الله أعلم، و (ألمر) أنا الله أرى، و (ألمص) أنا الله أعلم وأفصل.

الثامن: أنها إشارات إلى أحوال من تزكية القلب.

التاسع: أنها أسماء للسور التي وقعت فيها ، وأنه لم توضع أسماء السور الأخرى في أوائلها

العاشر: إنها أسماء للقرآن اصطلح عليها.

الحادي عشر: أن كل حروف مركبةِ منها هي اسم من أسماء الله.

الثاني عشر: قال الماوردي: هي أفعال ، فإن حروف المص كتاب فعل ألمّ بمعنى نزل فالمراد (آلم ذلك الكتاب) أي نزل عليكم.

القول الثالث عشر: أن هاته الحروف أقسم الله تعالى بها كما أقسم بالقلم تنويهاً بها.

القول الرابع عشر: أنها سيقت مساق التهجي مسرودة على نمط التعديد في التهجية تبكيتاً للمشركين وإيقاظاً لنظرهم في أن هذا الكتاب المتلو عليهم وقد تُحدوا بالإتيان بسورة مثله هو كلام مؤلف من عين حروف كلامهم.

القول الخامس عشر: أنها تعليم للحروف المقطعة حتى إذا وردت عليهم بعد

ص: 656

ذلك مؤلفة كانوا قد علموها.

القول السادس عشر: أنها حروف قصد منها تنبيه السامع.

القول السابع عشر: أنها إعجاز بالفعل، وهو أن النبي الأمي الذي لم يقرأ قد نطق بأصول القراءة كما ينطق بها مهرة الكتبة فيكون النطق بها معجزة وهذا بيِّن البطلان لأن الأمي لا يعسر عليه النطق بالحروف.

القول الثامن عشر: أن الكفار كانوا يُعرضون عن سماع القرآن فأوردت لهم هذه الحروف ليقبلوا على طلب فهم المراد منها فيقع إليهم ما يتلوها بلا قَصد، قاله قُطرب وهو قريب من القول السادس عشر.

القول التاسع عشر: أنها علامة لأهل الكتاب وُعدوا بها من قِبَل أنبيائهم أن القرآن يفتتح بحروف مقطعة.

القول العشرون: أن الله تعالى علم أن قوماً سيقولون بقدم القرآن فأراهم أنه مؤلف من حروف كحروف الكلام.

القول الحادي والعشرون: روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنها ثناء أثنى الله به على نفسه وهو يرجع إلى القول الأول أو الثاني.

هذا جماع الأقوال وذكر ابن عاشور أن هذه الأقوال كلها تتلخص وتندرج تحت ثلاثة أنواع:

النوع الأول: يرجع إلى أنها رموز اقتضبت من كَلم أو جمل، فكانت أسراراً يفتح غلقها مفاتيح أهل المعرفة ويندرج تحت هذا النوع الأقوال الثمانية الأولى.

والنوع الثاني: يرجع إلى أن هاته الحروف وضعت بتلك الهيئات أسماء أو أفعالا ويندرج تحت هذا النوع القول التاسع والعاشر والحادي عشر

ص: 657

والثاني عشر.

والنوع الثالث: تندرج فيه الأقوال الراجعة إلى أن هاته الحروف حروف هجاء مقصودة بأسمائها لأغراض داعية لذلك.

ثم فنَّد ابن عاشور هذه الأنواع ورجّح أحدها بناءً عل القاعدة فقال: " ولا شك أن قراءة كافة المسلمين إياها بأسماء حروف الهجاء مثل ألف. لَامْ. ميمْ دون أن يقرأوا ألَمْ وأن رسْمها في الخط بصورة الحروف يزيف جميع أقوال النوع الأول ويعين الاقتصار على النوعين الثاني والثالث في الجملة، على أن ما يندرج تحت ذينك النوعين متفاوت في درجات القبول، فإن الأقوال الثاني، والسابع، والثامن، والثاني عشر، والخامس عشر، والسادس عشر، يبطلها أن هذه الحروف لو كانت مقتضبَة من أسماء أو كلمات لكان الحق أن ينطق بمسمياتها لا بأسمائها. فإذا تعين هذان النوعان وأسقطنا ما كان من الأقوال المندرجة تحتها، خلَص أن الأرجح من تلك الأقوال ثلاثة: وهي كون تلك الحروف لتبكيت المعاندين وتسجيلاً لعجزهم عن المعارضة، أو كونُها أسماء للسور الواقعة هي فيها، أو كونُها أقساماً أقسم بها لتشريف قدر الكتابة وتنبيهِ العرب الأميين إلى فوائد الكتابة لإخراجهم من حالة الأُمية وأرجح هذه الأقوال الثلاثةِ هو أولها "(1) وممن وافق قوله قول ابن عاشور فيمن سبقه من المفسرين الرازي، وابن كثير، والشوكاني (2).

(1) التحرير والتنوير، ج 1، ص 206.

(2)

انظر التفسير الكبير / الرازي، ج 1، ص 255، وتفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 1، ص 257، وفتح القدير / الشوكاني، ج 1، ص 30.

ص: 658

ورجّح الطبري أن الصواب في تأويل مفاتِح السور أنّ الله جلّ ثناؤه جعلَها حروفًا مقطَّعة ولم يصِل بعضَها ببعض فيجعلها كسائر الكلام المتّصِل الحروف لأنه عز ذكره أراد بلفظِه الدلالةَ بكل حرف منه على معان كثيرة، لا على معنى واحد

- فيدخل فيه جميع ما ذكره المفسرين -

، وقريب منه قول ابن عطية، والألوسي.

قال الألوسي: " والصواب ما قاله الجمهور أن تفسر هذه الحروف ويلتمس لها التأويل والفوائد التي تحتها والمعاني "(1). وقول الطبري وابن عطية والألوسي لا يبعد عما اختاره ابن عاشور فإن قوله يدخل ضمن اختيارهم.

في حين يرى القرطبي، وأبو حيان أنها من المتشابه الذي انفرد الله تعالى بعلمه (2).

وساق القاسمي أبرز الأقوال فيها ولم يرجح، وهي:

الأول: أن هذا علم مستور، وسر محجوب، استأثر الله تبارك وتعالى به فهو من المتشابه

الثاني: يجب أن نتكلم فيها، ونلتمس الفوائد التي تحتها والمعاني التي تتخرج عليها، وهذا القول يدخل ضمنه عدد من الأقوال منها ما رجحه ابن عاشور (3).

(1) جامع البيان / الطبري، ج 1، ص 108، والمحرر الوجيز / ابن عطية، ج 1، ص 82، ورح المعاني / الألوسي، ج 1، ص 106.

(2)

انظر الجامع لأحكام القرآن / القرطبي ج 3، ص 172، والبحر المحيط / أبو حيان، ج 1، ص 158

(3)

انظر محاسن التأويل / القاسمي، ج 1، ص 268.

ص: 659

حجة من قال: إن هذه الحروف المقطعة مما استأثر الله بعلمه:

قال القرطبي: " قال عامر الشعبي وسفيان الثوري وجماعة من المحدثين: هي سر الله في القرآن، ولله في كل كتاب من كتبه سر.

فهي من المتشابه الذي انفرد الله تعالى بعلمه، ولا يجب أن يتكلم فيها، ولكن نؤمن بها ونقرأ كما جاءت.

وروي هذا القول عن أبي بكر الصديق وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما.

وذُكر عن عمر وعثمان وابن مسعود رضي الله عنهم أنهم قالوا: الحروف المقطعة من المكتوم الذي لا يفسر.

وقال أبو حاتم: لم نجد الحروف المقطعة في القرآن إلا في أوائل السور، ولا ندري ما أراد الله عز وجل بها.

ومن هذا المعنى ما ذكره أبو بكر الأنباري (1) حيث ساق بسنده عن الربيع بن خثيم قال: إن الله تعالى أنزل هذا القرآن فاستأثر منه بعلم ما شاء، وأطلعكم على ما شاء، فأما ما أستأثر به لنفسه فلستم بنائليه فلا تسألوا عنه، وأما الذي أطلعكم عليه فهو الذي تسألون عنه وتخبرون به، وما بكل القرآن تعلمون، ولا بكل ما تعلمون تعملون " (2).

(1) هو محمد بن القاسم بن محمد بن بشار، أبو بكر الانباري من أعلم أهل زمانه بالأدب واللغة، ومن أكثر الناس حفظا للشعر والأخبار، قيل: كان يحفظ ثلاثمائة ألف شاهد في القرآن، ولد في الأنبار (على الفرات) وتوفي ببغداد. (انظر الأعلام / الزركلي، ج 6، ص 334).

(2)

الجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 1، ص 237.

ص: 660

حجة من قال: إن هذه الحروف المقطعة من أسماء السور:

وذكر ابن عاشور حجتهم في ذلك فقال: " ويعضد - هذا القول - وقوع هاته الحروف في أوائل السور فتكون هاته الحروف قد جعلت أسماء بالعلامة على تلك السور، وسميت بها كما نقول الكراسة ب ، والرزمة ج ، ونظره القفال بما سمت العرب بأسماء الحروف كما سموا لَامَ الطائي والد حارثة، وسموا الذهب عَيْن، والسحاب غَيْن، والحوتَ نونْ، والجبل قاف، وأقوال، وحاء قبيلة من مَذحج، وقال شريح بن أوفى العنسي (1):

يذكرني حَامِيمَ والرمحُ شاجر

فهَلَاّ تلا حاميمَ قبل التقدم

يريد {حم (1) عسق} (2) التي فيها: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} (3) " (4).

حجة من قال: إن هذه الحروف المقطعة للتحدي وبيان الإعجاز:

قال ابن أبي العز في شرح "العقيدة الطحاوية ": " وإلى هذا وقعت الإشارة بالحروف المقطعة في أوائل السور، أي: أنه في أسلوب كلامهم وبلغتهم التي

(1) شريح بن أوفى بن يزيد بن زاهر بن حر بن الحارث بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن ريث غطفان بن سعد بن قيس عيلان العنسي الكوفي، كان في المسيرين الذين سيرهم عثمان بن عفان في خلافته من الكوفة إلى دمشق، ثم إن شريح بن أوفى خرج على علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأنكر تحكيمه الحكمين فقتل بالنهروان. انظر (تاريخ دمشق، ج 23، ص 3)

(2)

سورة الشورى، الآية (1 - 2).

(3)

سورة الشورى، الآية (23).

(4)

التحرير والتنوير، ج 1، ص 211.

ص: 661

يتخاطبون بها. ألا ترى أنه يأتي بعد الحروف المقطعة بذكر القرآن؟ كما في قوله تعالى: {الم} {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} {الم} {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} .. وكذلك الباقي ينبههم أن هذا الرسول الكريم لم يأتكم بما لا تعرفونه، بل خاطبكم بلسانكم " (1).

قال الشنقيطي: " ووجه شهادة استقراء القرآن لهذا القول: أن السور التي افتتحت بالحروف المقطعة يذكر فيها دائماُ عقب الحروف المقطعة الانتصار للقرآن وبيان إعجازه، وأنه الحق الذي لا شك فيه وذكر ذلك بعدها دائماَ دليل استقرائي على أن الحروف المقطعة قصد بها إظهار إعجاز القرآن، وأنه حق "(2).

القول الراجح:

هو ما رجحه ابن عاشور ومن سبقه من المفسرين من كونها تبكيتاً للمعاندين وبيان عجزهم عن المعارضة، وذلك بناءً على القاعدة كما تقدم، وقد حكى القرطبي عن الفراء وقطرب نحوه، وقرره الزمخشري في كشافه (3).

قال الدكتور صلاح الخالدي بعد أن ساق الأقوال في الأحرف المقطعة: " وتلك الأقوال كلها مرجوحة، ولا نرى أنها من المتشابه، وأن الله استأثر بالعلم بها، ونرى أننا مطالبون بالنظر فيها وتدبرها، ومحاولة الوقوف على

(1) شرح العقيدة الطحاوية / ابن أبي العز، ص 144.

(2)

أضواء البيان / الشنقيطي، ص 361.

(3)

انظر الجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 1، ص 238، الكشاف / الزمخشري، ج 1، ص 129.

ص: 662

معناها، وتحديد المراد بها، والراجح في هذه الأحرف أنها تدل على التحدي والإعجاز، وعلى مصدر القرآن" (1).

ومما يرجح هذا القول قاعدة أخرى وهي أن (القول الذي يدل عليه السياق أولى من غيره) وفي العموم أن الآيات بعد هذه الحروف المقطعة فيها انتصار للقرآن.

أما قول من قال أنها مما استأثر الله بعلمه، فإن هذا الرأي يظل عاجزاً أمام الآيات التي تدعو إلى التدبر في آيات القرآن الكريم. قال تعالى:{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} (2) وقوله: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} (3)، ويعزز ذلك أنه لم يثبت عن العرب أبان العهد الإسلامي ما يشير إلى عدم فهمهم لمعاني الحروف المقطعة، فلو كانوا يجهلون ذلك لظهر من هنا وهناك من يسأل عن أسرارها وحقيقتها، أما الروايات الواردة عن الصحابة رضوان الله عليهم في الحروف المقطعة فكلها روايات لا تصح، قال ابن عاشور:" ونسب هذا إلى الخلفاء الأربعة في روايات ضعيفة "(4).

وأما قول من قال أنها أسماء للسور فقد استبعده بعض العلماء.

(1) البيان في إعجاز القرآن / صلاح عبد الفتاح الخالدي، ص 156.

(2)

سورة النساء، الآية (82).

(3)

سورة محمد، الآية (24).

(4)

التحرير والتنوير، ج 1، ص 207.

ص: 663

قال ابن عاشور: " ويبعد هذا القول بعداً ما إن الشأن أن يكون الاسم غير داخل في المسمى ، وقد وجدنا هذه الحروف مقروءة مع السور بإجماع المسلمين، على أنه يرده اتحاد هذه الحروف في عدة سور مثل آلم وآلر وحم، وأنه لم توضع أسماء السور الأخرى في أوائلها "(1).

2 -

قراءة "يأجوج ومأجوج ":

قال تعالى: {قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا} (2)

رجّح ابن عاشورأن يأجوج ومأجوج أمة ذات شعبين ، وبنى قوله على رسمهما في المصحف حيث أن بينهما واو عاطفة ، فدل ذلك على أنهما قبيلتين.

وهذا قوله: " ويأجوج ومأجوج أمة كثيرة العدد فيحتمل أن الواو الواقعة بين الاسمين حرف عطف فتكون أمة ذات شعبين، وهم المغول وبعض أصناف التتار. وهذا هو المناسب لأصل رسم الكلمة ولا سيما على القول بأنهما اسمان عربيان كما سيأتي فقد كان الصنفان متجاورين.

والذي يجب اعتماده أن يأجوج ومأجوج هم المغول والتتر. وقد ذكر أبو الفداء أن مأجوج هم المغول فيكون يأجوج هم التتر. وقد كثرت التتر على المغول فاندمج المغول في التتر وغلب اسم التتر على القبيلتين " (3).

(1) التحرير والتنوير، ج 1، ص 211.

(2)

سورة الكهف، الآية (94).

(3)

التحرير والتنوير، ج 8، ص 33.

ص: 664

ولم يخالف قول المفسرين الذين سبقوا قول ابن عاشور فكلهم متفقون جميعاً على أن يأجوج ومأجوج قبيلتين (1).

قال ابن عطية: " (يأجوج ومأجوج): قبيلتان من بني آدم لكنهم ينقسمون أنواعاً كثيرة، اختلف الناس في عددها، فاختصرت ذكره لعدم الصحة، وفي خلقهم تشويه: منهم المفرط الطول، ومنهم مفرط القصر، على قدر الشبر، وأقل، وأكثر، ومنهم صنف: عظام الآذان، الأذن الواحدة وبرة والأخرى زعرى ، يصيف بالواحدة ويشتو في الأخرى وهي تعمه "(2).

ومما يعضد هذا القول قاعدة: (إذا ثبت الحديث وكان في معنى أحد الأقوال فهو مرجح له)، ومن ذلك ما ورد في حديث أمّ حبيبة عن زينب بنت جحش رضي الله عنهاأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها فزعاً يقول:«لا إله إلا الله، ويل للعرب من شرّ قد اقترب، فُتح اليوم من رَدْم يأجوج ومأجوج مثل هذه» . وحلق بأصبعيه الإبهام والتي تليها." (3).وأقوى منه حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " يفتح

(1) انظر جامع البيان / الطبري، ج 16، ص 27، والمحرر الوجيز / ابن عطية، ج 3، ص 542، والتفسير الكبير / الرازي، ج 7، ص 499، والجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 11، ص 61، والبحر المحيط / أبو حيان، ج 6، ص 154، وتفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 9، ص 190، وفتح القدير / الشوكاني، ج 3، ص 312، وروح المعاني / الألوسي، ج 8، ص 360، ومحاسن التأويل / القاسمي، ج 7، ص 71.

(2)

المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 3، ص 542.

(3)

أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء، باب قصة يأجوج ومأجوج، ج 3، ص 1221، ح- 3168.

ص: 665

يأجوج ومأجوج فيخرجون على الناس كما قال الله عز وجل: من كل حدب ينسلون فيغشون الأرض وينحاز المسلمون عنهم إلى مدائنهم وحصونهم ويضمون إليهم مواشيهم ويشربون مياه الأرض حتى إن بعضهم ليمر بالنهر فيشربون ما فيه حتى يتركوه يبسا حتى إن من بعدهم ليمر بذلك النهر فيقول قد كان ها هنا ماء مرة حتى إذا لم يبق من الناس إلا أحد في حصن أو مدينة قال قائلهم: هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم بقي أهل السماء قال: ثم يهز أحدهم حربته ثم يرمي بها إلى السماء فترجع مختضبة دما للبلاء والفتنة ، فبينا هم على ذلك ، إذ بعث الله دودا في أعناقهم كنغف الجرار الذي يخرج في أعناقهم فيصبحون موتى لا يسمع لهم حسا فيقول المسلمون: ألا رجل يشري نفسه فينظر ما فعل هذا العدو قال فيتجرد رجل منهم لذلك محتسبا لنفسه قد أظنها على أنه مقتول فينزل فيجدهم موتى بعضهم على بعض فينادي: يا معشر المسلمين! ألا أبشروا فان الله قد كفاكم عدوكم فيخرجون من مدائنهم وحصونهم ويسرحون مواشيهم فما يكون لها رعي إلا لحومهم فتشكر عنه كأحسن ما تشكر عن شيء من النبات أصابته قط " (1).

وقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن يأجوج ومأجوج، فقال صلى الله عليه وسلم: (يأجوج ومأجوج أمتان ، كل أمة أربعمائة ألف أمة ، كل أمة لا يعلم عددها إلا الله لا يموت الرجل منهم حتى يولد له ألف ذكر من صلبه كلهم قد

(1) أخرجه أحمد في مسنده، ج 3، ص 77، ح- 11749.

ص: 666

حمل السلاح) قيل: يا رسول الله صفهم لنا. قال: هم ثلاثة أصناف صنف منهم أمثال الأرز؛ شجر بالشام طول الشجرة عشرون ومائة ذراع ، وصنف عرضه وطوله سواء نحوا من الذراع ، وصنف يفترش أذنه ويلتحف بالأخرى لا يمرون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلا أكلوه ويأكلون من مات منهم مقدمتهم بالشام وساقتهم بخراسان يشربون أنهار الشرق وبحيرة طبرية فيمنعهم الله من مكة والمدينة وبيت المقدس). (1)

3 -

قراءة " وَلُؤْلُؤًا ":

قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} (2).

حصل الاختلاف بين العلماء في قراءة (وَلُؤْلُؤًا) بين النصب والخفض وبالتالي حصل الاختلاف في معناها (3).

(1) أخرجه الطبراني في الأوسط، ج 4، ص 155، ح- 3855.

(2)

سورة الحج، الآية (24).

(3)

وهاتان قراءتان متواترتان. انظر السبعة / ابن مجاهد، ص 435، والتيسير / الداني، ص

156، ومتن الشاطبية / الشاطبي ، ص 132.والنشر في القراءات العشر / ابن الجزري، ج 2، ص 244.

ص: 667

قال ابن عاشور: ") ولؤلؤاً (قرأه نافع، ويعقوب، وعاصم بالنصب عطفاً على محل) أساور (أي يحلون لؤلؤاً أي عقوداً ونحوها.

وقرأه الباقون بالجرّ عطفاً على اللفظ والمعنى: أساور من ذهب وأساور من لُؤلؤ

وهي مكتوبة في المصحف بألف بعد الواو الثانية في هذه السورة فكانت قراءة جر) لؤلؤٍ (مخالفة لمكتوب المصحف " (1).

ومن هذا المثال يظهر ميل ابن عاشور لقراءة النصب والمعنى أنهم يحلون لؤلؤاً أي عقوداً ونحوها، وسبب ميله لهذا القول هو موافقة هذه القراءة لرسم المصحف وذلك بناءً على قاعدة المبحث وهي أن التفسير الموافق لرسم المصحف أولى من غيره، ولكنه في الوقت الآخر لم يرد المعنى الآخر لأنه ملتزم بالقاعدة: أن القراءات المتواترة حق كلها نصا ومعنى لا يجوز ردها أو رد معناها. وممن ذهب إلى هذا المعنى الذي ذهب إليه ابن عاشور من المفسرين: الطبري، وأبو حيان، والشوكاني، والألوسي حيث ذكروا قراءة النصب وبينوا أنها هي الموافقة لرسم المصحف (2).

وذكر ابن عطية كلا القراءتين ولم يمل إلى قراءة دون الأخرى، وكذلك القرطبي إلا أنه ذكر أن من اختار قراءة النصب بناءً على موافقتها لرسم المصحف (3).

أما ابن كثير، والقاسمي، والشنقيطي فلم يتعرضوا لذكر القراءات الواردة فيها.

(1) التحرير والتنوير / ابن عاشور، ج 8، ص 232.

(2)

انظر جامع البيان / الطبري، ج 17، ص 160، والبحر المحيط / أبو حيان، ج 1، ص 335، وفتح القدير / الشوكاني، ج 3، ص 444، وروح المعاني / الألوسي، ج 9، ص 130.

(3)

انظر المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 4، ص 115، والجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 12، ص 34.

ص: 668

حجة من قرأ لؤلؤا بالنصب على معنى: ويحلون لؤلؤا أي عقوداً ونحوها:

قال ابن خالويه: " والحجة لمن نصب أنه أضمر فعلا كالأول معناه ويحلون لؤلؤا وسهل ذلك عليه كتابها في السواد ها هنا وفي الملائكة بألف"(1).

وقال الثعلبي: "ولؤلؤاً بالنصب على معنى ويحلّون لؤلؤاً، واستدلّوا بأنّها مكتوبة في جميع المصاحف بالألف ها هنا "(2).

وقال السمين الحلبي: " فأمَّا النصبُ ففيه أربعةُ أوجهٍ:

أحدها: أنَّه منصوبٌ بإضمار فعلٍ تقديرُه: ويُؤْتَوْن لُؤْلؤاً. ولم يذكر الزمخشريُّ غيرَه، وكذا أبو الفتح حَمَله على إضمار فعلٍ.

الثاني: أنَّه منصوبٌ نَسَقاً على موضع "مِنْ أساور"، وهذا كتخريجِهم "وأرجُلَكُمْ" بالنصب عطفاً على محلِّ (بِرُؤُوسِكُمْ)، ولأن (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ) في قوة:(يَلْبَسون أساور) فَحُمِل هذا عليه.

والثالث: أنه عطفٌ على "أساور"؛ لأنَّ "مِنْ" مزيدةٌ.

الرابع: أنه معطوفٌ على ذلك المفعولِ المحذوفِ. التقديرُ: يُحَلَّوْن فيها الملبوسَ مِنْ أساور ولؤلؤاً. فـ"لؤلؤاً" عطفٌ على الملبوس " (3).

حجة من قرأ لؤلؤٍ بالكسر بمعنى: يحلون أساور من لؤلؤ:

قال أبو علي الفارسي مرجحاً قراءة الجر: " وجه الجر في قوله (ولؤلؤٍ) أنهم: يحلون أساور من ذهب ومن لؤلؤ، أي: منهما، وهذا هو الوجه، لأنه إذا نصب

(1) الحجة في القراءات السبع / ابن خالويه، ج 1، ص 252.

(2)

الكشف والبيان / الثعلبي / ج 9، ص 192.

(3)

الدر المصون / السمين الحلبي، ج 6، ص 341 ..

ص: 669

فقال: {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا} حمله على: ويحلون لؤلؤا. واللؤلؤ إذا انفرد من الذهب والفضة لا يكون حلية، فإن قلت فقد قال:{وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} (1) فهذا على أن يكون حلية إذا رصع في الذهب والفضة صار حلية " (2).

القول الراجح

ليس هناك ترجيح معنى على آخر ، لاسيما وكلا القراءتين متواترتان ، وإنما يبقى في قراءة النصب زيادة وهو كونها موافقة لرسم المصحف، وهذا الذي ذهب إليه ابن عاشور فقد ذكر أن قراءة النصب مكتوبة في المصحف وكذلك ذكر أن قراءة الجر مخالفة للمصحف وفي الوقت نفسه لم يردها وذلك إيمانا منه بأن القراءات المتواترة حق كلها نصا ومعنى لا يجوز ردّها أو رد معناها.

وقال في موضع: " ولا يقدح في قراءتهم كونُها مخالفة لجميع نسخ مصاحف الأمصار؛ لأن تواتر القراءة أقوى من تواتر الخط إن اعتبر للخط تواتر.

وما ذُكر من شرط موافقة القراءة لما في مصحف عثمان لتكون قراءة صحيحة تجوز القراءة بها، إنما هو بالنسبة للقراءات التي لم تُرْو متواترة " (3).

وهذا ما ذهب إليه الطبري بقوله: " والقول في ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، متفقتا المعنى، صحيحتا

(1) سورة النحل، الآية (14).

(2)

الحجة للقراء السبعة / الفارسي، ج 3، ص 156.

(3)

التحرير والتنوير، ج 15، ص 161.

ص: 670

المخرج في العربية، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب " (1).

4 -

قراءة " بضنين ":

قال تعالى: {وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ} (2).

اختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: {بِضَنِينٍ} وهذا الخلاف عائد إلى القراءات الواردة فيها ، فمنهم من ذهب إلى أن المعنى أنه غير بخيل، ومنهم من ذهب إلى أن المعنى أنه غير متهم (3).

وفي ذلك يقول ابن عاشور: " وقد اختلف القراء في قراءته ، فقرأه نافع وابن عامر وعاصم وحمزة وأبو جعفر وخلف ورَوح عن يعقوب بالضاد الساقطة التي تخرج من حافة اللسان مما يلي الأضراس وهي القراءة الموافقة لرسم المصحف، وقرأه الباقون بالظاء المشالة التي تخرج من طرف اللسان وأصول الثنايا العُليا"(4).

وذكر في «الكشاف» أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بهما، وذلك مما لا يحتاج إلى التنبيه، لأن القراءتين مَا كانتا متواترتين إلا وقد رُويتا عن النبي صلى الله عليه وسلم

(1) جامع البيان / الطبري، ج 17، ص 160.

(2)

سورة التكوير، الآية (24).

(3)

انظر جامع البيان/ الطبري، ج 30، ص 102، وإعراب القرآن وعلل القراءات / الباقولي، ج 2، ص 409.

(4)

التحرير والتنوير، ج 15، ص 161، وهاتان القراءتان متواترتان. انظر السبعة / ابن مجاهد، ص 673، والتيسير / الداني، ص 220، ومتن الشاطبية / الشاطبي ، ص 163، والبدور الزاهرة / عبد الفتاح القاضي، ص 336.

ص: 671

والضاد والظاء حرفان مختلفان والكلمات المؤلفة من أحدهما مختلفة المعاني غالباً (1).

وقال الطبري: " بالضاد، بمعنى أنه غير بخيل عليهم بتعليمهم ما علَّمه الله، وأنزل إليه من كتابه. وقرأ بعض المكيين وبعض البصريين وبعض الكوفيين (بِظَنِينٍ) بالظاء، بمعنى أنه غير متهم فيما يخبرهم عن الله من الأنباء "(2).

وذكر ابن عاشور أن كلمة " بضنين" كتبت في مصاحف الأمصار بضاد ساقطة كما اتفق عليه الأمصار، إلا إن ابن عاشور لم يرجّح هذه القراءة بالضاد الساقطة ومعناها بالرغم من أنها موافقة لرسم المصحف وهو قد عمل بقاعدة المبحث وطبقها في تفسيره، والسبب في ذلك أن القراءة بالظاء قراءة متواترة أيضاٍ وابن عاشور كما تقدم معنا يرى بأن القراءات المتواترة حق كلها نصاً ومعنى لا يجوز ردها أو رد معناها، ولذلك قال عند تفسيره لهذه الآية: " ولا شك أن الذين قرأوه بالظاء المشالة من أهل القراءات المتواترة وهم ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ورويس عن يعقوب قد رووه متواتراً عن النبي صلى الله عليه وسلم ولذلك فلا يقدح في قراءتهم كونُها مخالفة لجميع نسخ مصاحف الأمصار لأن تواتر القراءة أقوى من تواتر الخط إن اعتبر للخط تواتر.

وما ذُكر من شرط موافقة القراءة لما في مصحف عثمان لتكون قراءة صحيحة تجوز القراءة بها، إنما هو بالنسبة للقراءات التي لم تُرْو متواترة كما بيناه

(1) انظر الكشاف / الزمخشري، ج 6، ص 326.

(2)

جامع البيان / الطبري، ج 30، ص 102.

ص: 672

في المقدمة السادسة من مقدمات هذا التفسير " (1).

وممن وافق ابن عاشور في الأخذ بكلا القراءتين ابن عطية وأبو حيان وابن كثير والقاسمي حيث ذكروا كلا القراءتين ومعناهما، ولم يرجّحوا أحدهما على الأخرى، وإنما ذكروا كل قراءة ومن قرأ بها فكأنهم يقولوا بهما جميعا كما هو عمل ابن عاشور، وقال ابن كثير: " وكلاهما متواتر ومعناهما صحيح (2).

في حين رجّح الطبري القراءة بالضاد وما يترتب عليها من معنى (3).

أما الرازي، والقرطبي، والشوكاني، والألوسي فقد رجحوا المعنى الآخر حيث ذكروا أنه من اختيار أبي عبيدة وذكر الرازي توجيهين لهذا الاختيار (4).

حجة من قال: إن معنى قوله " بِضَنِينٍ " أي بخيل:

حجتهم في ذلك رسم المصحف، قال الطبري: " وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب: ما عليه خطوط مصاحف المسلمين متفقة، وإن اختلفت قراءتهم به، وذلك (بِضَنِينٍ) بالضاد، لأن ذلك كله كذلك في خطوطها. فإذا كان ذلك كذلك، فأولى التأويلين بالصواب في ذلك: تأويل من تأوّله، وما محمد على ما علَّمه الله من وحيه وتنزيله ببخيل بتعليمكموه أيها الناس، بل هو

(1) التحرير والتنوير، ج 15، ص 161.

(2)

انظر المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 5، ص 444.، والبحر المحيط / أبوحيان، ج 8، ص 426.، وتفسير القرآن / العظيم / ابن كثير، ج 14، ص 271، ومحاسن التأويل / القاسمي، ج 9، ص 343.

(3)

انظر جامع البيان / الطبري، ج 30، ص 104.

(4)

انظر التفسير الكبير / الرازي، ج 11، ص 70، والجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 20، ص 230، وفتح القدير / الشوكاني، ج 5، ص 392، وروح المعاني / الألوسي، ج 15، ص 265.

ص: 673

حريص على أن تؤمنوا به وتتعلَّموه (1).

حجة من قال: إن معنى قوله " بِضَنِينٍ " أي بمعنى غير متهم بناءً على القراءة بالظاء:

وهذا اختيار أبي عبيدة (2). قال الرازي: " واختار أبو عبيدة القراءة الأولى - أي القراءة بالظاء- لوجهين: أحدهما: أن الكفار لم يبخلوه، وإنما اتهموه فنفي التهمة أولى من نفي البخل وثانيها: قوله: (عَلَى الغيب) ولو كان المراد البخل لقال بالغيب لأنه يقال: فلان ضنين بكذا وقلما يقال على كذا "(3).

وقال القرطبي: " واختاره أبو عبيدة؛ لأنهم لم يبخلوه ولكن كذبوه، ولأن الأكثر من كلام العرب: ما هو بكذا، ولا يقولون: ما هو على كذا، إنما يقولون: ما أنت على هذا بمتهم"(4).

وقال الألوسي: " والأول أشهر ورجحت هذه القراءة عليها بأنها أنسب بالمقام؛ لاتهام الكفرة له صلى الله عليه وسلم، ونفي التهمة أولى من نفي البخل وبأن التهمة تتعدى بعلى دون البخل فإنه لا يتعدى بها إلا باعتبار تضمينه معنى الحرص ونحوه "(5).

(1) جامع البيان / الطبري، ج 30، ص 104.

(2)

انظر مجاز القرآن / أبو عبيدة، ج 2، ص 288.

(3)

التفسير الكبير / الرازي، ج 11، ص 70.

(4)

الجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 19، ص 230.

(5)

روح المعاني / الألوسي، ج 15، ص 265.

ص: 674

القول الراجح

هو ما ذهب إليه ابن عاشور من الأخذ بكلا القراءتين، وإن كانت إحداهما موافقة للرسم إلا أن ذلك لا يعني ترجيح قراءة على أخرى ، إلا إذا كانت القراءة الأخرى شاذة فالأمر عندئذ مختلف حيث يترجح المعنى الذي يوافق الرسم.

5 -

قراءة "فلا تنسى":

قال تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى} (1).

اختلف المفسرون في معنى قوله: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى} على قولين:

أحدهما: أن معنى قوله: فلا تنسى، أي فلا تترك العمل إلا ما شاء الله أن يترخص لك فيه، فعلى هذا التأويل يكون هذا نهياً عن الشرك.

والوجه الثاني: أنه إخبار من الله تعالى أنه لا ينسى ما يقرئه من القرآن، حكى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه جبريل بالوحي يقرؤه خيفة أن ينساه، فأنزل الله تعالى:«سنقرئك فلا تنسى» يعني القرآن (2).

ورجّح ابن عاشور أن المراد باللام في قوله فلا تنسى: النفي ، وهذا قوله: " وليس قوله: (فلا تنسى) من الخبر المستعمل في النهي عن النسيان لأن النسيان لا يدخل تحت التكليف، أمَّا إنه ليست (لا) فيه ناهية فظاهر، ومن

(1) سورة الأعلى (6 - 7).

(2)

انظر النكت والعيون / الماوردي، ج 6، ص، 253، والمحرر الوجيز / ابن عطية، ج 5، ص 469.

ص: 675

زعمه تعسف لتعليل كتابة الألف في آخره " (1).

وممن وافق قوله قول ابن عاشور فيمن سبقه من المفسرين الطبري، وابن عطية، والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي.

ورجّحه القرطبي بناءً على قاعدة المبحث حيث يقول: " والأول هو المختار- أي النفي - فإن الياء مثبتة في جميع المصاحف " وكذلك الألوسي (2).

حجة من قال: إن معنى قوله: {فَلَا تَنْسَى} بمعنى النفي أي: إخبار بعدم نسيانه صلى الله عليه وسلم:

قال ابن عطية: " ونسيان النبي صلى الله عليه وسلم ممتنع فيما أمر بتبليغه، إذ هو معصوم فإذا بلغه ووعي عنه، فالنسيان جائز على أن يتذكر بعد ذلك وعلى أن يسنَّ، أو على النسخ "(3).

قال الرازي: " والقول المشهور أن هذا خبر ، والمعنى سنقرئك إلى أن تصير بحيث لا تنسى وتأمن النسيان، كقولك سأكسوك فلا تعرى أي فتأمن

(1) التحرير والتنوير، ج 15، ص 281.

(2)

انظر جامع البيان / الطبري، ج 30، ص 188، والمحرر الوجيز / ابن عطية، ج 5، ص 469، والتفسير الكبير / الرازي، ج 11، ص 130، والجامع لأحكام القرآن/ القرطبي، ج 20، ص 22.، والبحر المحيط / أبو حيان، ج 8، ص 454، وتفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 14، ص 322.، وفتح القدير / الشوكاني، ج 5، ص 424، وروح المعاني / الألوسي، ج 15، ص 317، ومحاسن التأويل / القاسمي، ج 9، ص 380.

(3)

المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 5، ص 469.

ص: 676

العرى " (1).

وذكر القرطبي أن هذه بشرى من الله تعالى، بشره بأن أعطاه آية بينة، وهي أن يقرأ عليه جبريل ما يقرأ عليه من الوحى، وهو أمي لا يكتب ولا يقرأ، فيحفظه ولا ينساه (2).

قال الألوسي: " {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى} بيان لهدايته تعالى شأنه الخاصة برسوله صلى الله عليه وسلم أثر بيان هدايته عز وجل العامة لكافة مخلوقاته سبحانه، وهي هدايته عليه الصلاة والسلام لتلقي الوحي وحفظ القرآن الذي هو هدى للعالمين، وتوفيقه صلى الله عليه وسلم لهداية الناس أجمعين، ويكون المراد بقوله تعالى: {فَلَا تَنْسَى} نفي النسيان مطلقاً عنه صلى الله عليه وسلم امتناناً عليه صلى الله عليه وسلم بأنه أوتي قوة الحفظ "(3).

حجة من قال: إن معنى قوله: {فَلَا تَنْسَى} نهي له: صلى الله عليه وسلم عن ترك العمل:

استدل أصحاب هذا القول بحديث عائشة رضي الله عنها قالت: " سمع النبي صلى الله عليه وسلم قارئا يقرأ من الليل في المسجد فقال: لقد أذكرني كذا وكذا آية أسقطتها من سورة كذا وكذا "(4).

فقالوا "لا" هذه ناهية، وبالتالي يكون معنى الآية نهي للرسول أن ينسى شيئاً

(1) التفسير الكبير / الرازي، ج 11، ص 131.

(2)

انظر الجامع لأحكام القرآن/ القرطبي، ج 20، ص 22.

(3)

روح المعاني / الألوسي، ج 15، ص 317.

(4)

أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل القرآن، باب من لم ير بأساً أيقول سورة البقرة وسورة كذا وكذا، ج 4، ص 1923، ح - 4755.

ص: 677

من القرآن، وما دامت الآية واردة في سياق النهي، فمدلول هذا النهي أن النسيان أمر وارد على

الرسول صلى الله عليه وسلم، وما دام الأمر كذلك فليس من المستبعد أن يكون الرسول قد نسي شيئاً من القرآن.

وأكثر الذين قالوا هذا القول هم أصحاب شبهة أرادوا أن يثيروا قضية ، وهو وجود نقص في القرآن.

" أما موقف أصحاب هذا القول من رسم الكلمة حيث إنه يعارض القول الذي ذهبوا إليه فإنهم يقولون فيه: " رسمت ألف الإطلاق ياء لموافقة غيرها من الفواصل وموافقة أصلها " (1).

(1) انظر روح المعاني / الألوسي، ج 15، ص 317.

ونظائر هذه الأمثلة كثيرة في تفسيره منها:

1 -

ماجاء في قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} (الفاتحة: 5)، وفيها قول ابن عاشور:" والقراءة بالصاد هي الراجحة لموافقتها رسم المصحف وكونها اللغة الفصحى "(التحرير والتنوير، ج 1، ص 190).

2 -

ما جاء في قوله تعالى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} (آل عمران: 178)، وفيه قول ابن عاشور: " ولهذا يكون رسمهم كلمة (أنَّما) المفتوحة الهمزة في المصحف جارياً على ما يقتضيه اصطلاح الرسم. و {أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ} (التحرير والتنوير، ج 3، ص 167).

3 -

ما جاء في قوله تعالى: {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ =

ص: 678

القول الراجح:

هو ما ذهب إليه ابن عاشور وجمهور المفسرين من قبله.

ويؤكد ذلك رسم الكلمة حيث أثبتت فيها الياء في جميع المصاحف، ولو كانت ناهية لكانت مجزومة ولحذف حرف العلة، أما استدلال من قال بأن اللام ناهية بالحديث فإن ذلك مردود؛ لأن النسيان الوارد في الحديث ليس نسياناً دائماً لشيء يتعلق بأمور التبليغ، وما يتبع ذلك من أحكام وتكاليف شرعية، وإنما هو نسيان طارئ، كالذي يعرض لكل البشر، لكن سرعان ما يزول هذا النسيان الطارئ، ويعود الإنسان إلى تذكر ما كان غاب عن ذاكرته والحديث برواياته المتعددة لا يفيد أن الآيات التي قرأها الرجل أمام، كانت قد محيت من ذاكرة الرسول، ولم يعد يذكرها، ولم يبلغها للناس قبل ذلك؛ بل غاية ما يفيده الحديث، أن تلك الآيات كانت غائبة عن ذاكرته صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت، وأنه لم يتذكرها في تلك اللحظة التي كان يقرأ فيها ذلك الرجل، لكن بعد أن قرأها تذكرها.

= الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا} (النساء: 162) وفيه قول ابن عاشور: " وعطف (المقيمين) بالنصب ثبت في المصحف، وقرأه المسلمون في الأقطار دون نكير؛ فعلمْنا أنّه طريقة عربية في عطف الأسماء الدالّة على صفات محامدَ، على أمثالها، فيجوز في بعض المعطوفات النصب على التخصيص بالمدح، والرفعُ على الاستئناف للاهتمام "(التحرير والتنوير، ج 4، ص 25).

ص: 679