الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث وبيان الجمع بينهما " (1).
وقال الشيخ السعدي: " الآيات القرآنية التي ظاهرها التضاد يجب حمل كل نوع منها على حال بحسب ما يليق ويناسب المقام، وهذا في مواضع متعددة من القرآن، منها: الإخبار في بعض الآيات أن الكفار لا ينطقون ولا يتكلمون يوم القيامة، وفي بعضها أنهم ينطقون ويحاجون ويعتذرون ويعترفون، فحمل كلامهم ونطقهم أنهم في أول الأمر يتكلمون ويعتذرون، وقد ينكرون ما هم عليه من الكفر ويقسمون على ذلك، ثم إذا ختم على ألسنتهم وشهدت عليهم جوارحهم بما كانوا يكسبون ورأوا أن الكذب غير مفيد لهم، أُخرسوا فلم ينطقوا "(2).
وقد ذكر العلماء أمثلة كثيرة لما يوهم التعارض، وجمعوا بينها، ومن أجمع ما كتب في هذا الموضوع كتاب:"دفع إيهام الاضطراب والتعارض عن آي الكتاب" للشيخ محمد الأمين الشنقيطي.
الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
1 -
مثال المحكم والمتشابه:
قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا
(1) البرهان في علوم القرآن / الزركشي، ج 2، ص 45.
(2)
انظر القواعد الحسان لتفسير القرآن / الشيخ عبد الرحمن السعدي، ص 36.
تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} (1).
اختلفت عبارات المفسرين في تعيين المحكم والمتشابه بشكل عام، وقد يبدو للناظر من أول وهلة حين يقرأ هذه الآية وغيرها من الآيات التي تدل على أن القرآن محكم كله أو متشابه كله أن الآيات بينها تعارض.
وابن عاشور لم يمر على هذه الآية دون أن يعالج مثل هذا الإشكال ،فقد كانت هذه القاعدة حاضرة في تفسيره حيث وجد أن هذه الآية قد تكون مشكلة عند البعض لكونها تصف القرآن أن فيه آيات محكمات وأخر متشابهات وغيرها من الآيات التي تصف القرآن بأنه محكم كله، أو متشابه كله فبين ابن عاشور أن المقصود بهذه الآيات أن المراد بالإحكام أنّه أحكم وأتقنَ في بلاغته، والمراد بالتشابه أنّه تشابه في الحسن والبلاغة والحقيّة وهو معنَى:{وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} (2) ثم أكد أنه لا تعارض بين هذه الآيات: لاختلاف المراد بالإحكام والتشابه في مواضعها، بحسب ما تقتضيه المقامات " (3).
وقد وافق قول ابن عاشور قول معظم المفسرين في الآيات التي تصف القرآن بأنه محكم كله ، جاء ذلك في تفسيرهم لقوله تعالى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ
(1) سورة آل عمران، الآية (7).
(2)
سورة النساء، الآية (82).
(3)
انظر التحرير والتنوير، ج 3، ص 93.
آيَاتُهُ} (1) حيث دارت أقوالهم حول معنى واحد وهو: الإتقان والإحكام في بلاغته ونظمه من الدخل والخلل، والنقص والباطل (2).
وكذلك اتفقت أقوالهم في الآيات التي تصف القرآن أنه متشابه كله ، قال تعالى:{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ} (3) ، ومفاد أقوالهم أنه يشبه بعضه بعضا في الحسن والإتقان، والبلاغة وقوة اللفظ وشرف المعاني، ويصدق بعضه بعضاً (4)
وجميع المفسرين مدركون أنه لا تعارض بين هذه الآية والآيات التي تحكي أن القرآن محكم كله أو متشابه كله ظهر ذلك في مضمون كلامهم ، ونبهوا على أن تلك الآيات التي تصف القرآن بأنه كله محكم أو كله متشابه ليست في
(1) سورة هود، الآية (1).
(2)
انظر جامع البيان / الطبري، ج 11، ص 206، والمحرر الوجيز / ابن عطية، ج 3، ص 148، والتفسير الكبير / الرازي، ج 6، ص 312، والجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 15، ص 238، والبحر المحيط / أبو حيان، ج 7، ص 406، وتفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 12، ص 123، وفتح القدير / الشوكاني، ج 2، ص 480، وروح المعاني / الألوسي، ج 6، ص 190، ومحاسن التأويل / القاسمي، ج 6، ص 73. وأضواء البيان / الشنقيطي، ص 362.
(3)
سورة الزمر، الآية (23).
(4)
انظر جامع البيان / الطبري ، ج 23، ص 244، والمحرر الوجيز / ابن عطية، ج 4، ص 527، والتفسير الكبير / الرازي، ج 9، ص 446، والجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 9، ص 6، والبحر المحيط / أبو حيان، ج 5، ص 201، وتفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 7، ص 411، وفتح القدير / الشوكاني، ج 4، ص 459، وروح المعاني / الألوسي، ج 12، ص 247، ومحاسن التأويل / القاسمي، ج 8، ص 174.
معنى الآية التي هي محل النزاع بل إن البعض منهم نبّه على مثل هذا الإشكال صراحة ، وفصل فيه، وجمع بين الآيات أمثال القرطبي والشنقيطي وابن عاشور.
والاختلاف الحاصل في أقوال المفسرين في المراد بالمحكم والمتشابه في هذه الآية هو من باب اختلاف التنوع ولا أثر ضار فيه.
وقد ساق ابن عاشور هذا الخلاف ومن سبقه من المفسرين ، ومن ذلك قوله: " اختلف علماء الإسلام في تعيين المقصود من المحكمات والمتشابهات على أقوال: مرجعها إلى تعيين مقدار الوضوح والخفاء،
فعن ابن عباس رضي الله عنه: أنّ المحكم ما لا تختلف فيه الشرائع كتوحيد الله تعالى، وتحريم الفواحش، وذلك ما تضمنته الآيات الثلاث من أواخر سورة الأنعام:{قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ .. } (1) والآيات من سورة الإسراء {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ .... } (2) وأن المتشابه المجملات التي لم تبيّن كحروف أوائل السور.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه، وابن عباس رضي الله عنه أيضاً: أنّ المحكم ما لم ينسخ والمتشابه المنسوخ (3) وهذا بعيد عن أن يكون مراداً هنا لعدم مناسبتِه للوصفين ولا لبقية الآية
…
.
(1) سورة الأنعام، الآية (151).
(2)
سورة الإسراء، الآية (23).
(3)
أخرج قول ابن عباس وابن مسعود الطبري في تفسيره، ج 3، ص 202.
وعن الأصم: المحكم ما اتّضح دليلُه، والمتشابه ما يحتاج إلى التدبّر، وذلك كقوله تعالى:{وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ} (1) فأولها محكم وآخرها متشابه.
وللجمهور مذهبان: أولهما: أنّ المحكم ما اتّضحت دلالته، والمتشابه ما استأثر الله بعلمه، ونسب هذا القول لمالك وللحنفية ، وإليه مال الشاطبي في الموافقات.
وثانيهما: أنّ المحكم الواضح الدلالة، والمتشابه الخفيُ، وإليه مال الفخر: فالنص والظاهر هنا المحكم، لاتّضاح دلالتهما، وإن كان أحدهما أي الظاهر يتطرّقه احتمال ضعيف، والمجمل والمؤوّل هما المتشابه، لاشتراكهما في خفاء الدلالة وإن كان أحدهما: أي المؤول دالاً على معنى مرجوح، يقابله معنى راجح، والمجمل دالاً على معنى مرجوح يقابله مرجوح آخر، ونسبت هذه الطريقة إلى الشافعية (2).
أما رأي ابن عاشور في المحكم والمتشابه في هذه الآية فهو قوله: " فالمحكمات هي أصول الاعتقاد والتشريع والآداب والمواعظ، وكانت أصولاً لذلك: باتّضاح دلالتها، بحيث تدل على معان لا تحتمل غيرها أو تحتمله احتمالاً ضعيفاً غير معتدَ به، وذلك كقوله:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (3)
(1) سورة الزخرف، الآية (11).
(2)
انظر التحرير والتنوير، ج 3، 156.
(3)
سورة الشورى، الآية (11).
{لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} (1){يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} (2){وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} (3){وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} (4). وباتّضاح معانيها بحيث تتناولها أفهام معظم المخاطبين بها وتتأهّل لفهمها فهي أصل القرآن المرجوعُ إليه في حمل معاني غيرها عليها للبيان أو التفريع.
والمتشابهات مقابل المحكمات، فهي التي دلّت على معان تشابهت في أن يكون كلُّ منها هو المرادَ. ومعنى تشابهها: أنّها تشابهت في صحة القصد إليها، أي لم يكن بعضها أرجح من بعض. أو يكون معناها صادقاً بصور كثيرة متناقضة أو غير مناسبة لأن تكون مراداً، فلا يتبيّن الغرض منها، فهذا وجه تفسير الآية فيما أرى (5).
وقد تداخلت أقوال المفسرين فيما يظهر لي في تأويل معنى المحكم والمتشابه في هذه الآية، يقول الطبري مرجحا:" بل"المحكم" من آي القرآن: ما عرف العلماءُ تأويله، وفهموا معناه وتفسيره ، و"المتشابه": ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل، مما استأثر الله بعلمه دون خلقه، وذلك نحو الخبر عن وقت مَخْرج عيسى
(1) سورة الأنبياء، الآية (23).
(2)
سورة البقرة، الآية (185).
(3)
سورة البقرة، الآية (205).
(4)
سورة النازعات، الآية (40).
(5)
التحرير والتنوير، ج 3، ص 155.
ابن مريم، ووقت طُلوع الشمس من مغربها، وقيام الساعة، وفناءِ الدنيا، وما أشبه ذلك، فإن ذلك لا يعلمه أحدٌ. وقالوا: إنما سمى الله من آي الكتاب"المتشابه"، الحروف المقطّعة التي في أوائل بعض سور القرآن، من نحو"ألم" و"ألمص"، و"ألمر"، و"ألر"، وما أشبه ذلك، لأنهن متشابهات في الألفاظ "، ومثله قول القرطبي (1) ..
ويرى ابن عطية أن المحكمات هي التي فيها حجة الرب وعصمة العباد ودفع الباطل ليس لها تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه، والمتشابهات لهن تصريف وتحريف وتأويل ابتلى الله فيهن العباد " (2).
في حين يرى الرازي أن المحكم هو الواضح الدلالة، والمتشابه الخفيها، ومثله قول أبي حيان (3).
وقال ابن كثير: {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} فيهن حجة الرب، وعصمة العباد، ودفع الخصوم والباطل، ليس لهن تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه.
والمتشابهات في الصدق، لهن تصريف وتحريف وتأويل، ابتلى الله فيهن العباد، كما ابتلاهم في الحلال والحرام ألا يصرفن إلى الباطل، ولا يحرّفن عن الحق (4).
(1) جامع البيان / الطبري، ج 3، ص 205، والجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 4، ص 14.
(2)
المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 1، ص 401.
(3)
التفسير الكبير / الرازي، ج 3، ص 138، والبحر المحيط / أبو حيان، ج 2، ص 396. .
(4)
تفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 3، ص 9.
وقال الشوكاني: " الأولى أن يقال إن المحكم المعنى الظاهر الدلالة، إما باعتبار نفسه أو باعتبار غيره، والمتشابه مالا يتضح معناه، أو لا تظهر دلالته لا باعتبار نفسه ولا باعتبار غيره"(1)
وقال الألوسي: " محكمات أي واضحة المعنى ظاهرة الدلالة والمتشابهات المحتملة لمعان متشابهة لا يمتاز بعضها عن بعض " ويشبهه قول القاسمي (2).
قلت: وتلك الأقوال وإن كان يظهر عليها الاختلاف إلا أنها تصب في معنى واحد، فبعضها عام وبعضها جزء من ذلك العام.
وقد علق ابن عطية بعد أن ذكر قول ابن عباس في معنى المحكم والمتشابه بقوله: " وهذا عندي على جهة التمثيل أي يوجد الإحكام في هذا والتشابه في هذا، لا أنه وقف على هذا النوع من الآيات "(3).
كما علق الشوكاني بعد أن استعرض أقوال العلماء في المحكم والمتشابه فقال: " وإذا عرفت هذا عرفت أن هذا الاختلاف الذي قدّمناه ليس كما ينبغي، وذلك لأن أهل كل قول عرفوا المحكم ببعض صفاته، وعرفوا المتشابه بما يقابلها. ولا شك أن مفهوم المحكم، والمتشابه أوسع دائرة مما ذكروه "(4).
القول الراجح:
وبذلك يمكننا القول بأن الراجح في معنى هذه الآية هو مجموع ما ذهب
(1) فتح القدير / الشوكاني، ج 1، ص 314.
(2)
روح المعاني / الألوسي، ج 2، ص 79، ومحاسن التأويل / القاسمي، ج 2، ص 303.
(3)
المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 1، ص 400.
(4)
فتح القدير / الشوكاني، ج 1، ص 314.
إليه المفسرون في ذلك.
وإيراد الخلاف في مثل هذا المبحث قد لا يهمنا كثيرا لأن المعول عليه هنا هو الجمع بين هذه الآية وغيرها من الآيات التي تصف القرآن بأنه محكم كله أو متشابه كله وقد تبين لنا أنه لا تعارض بين الآيات.
وممن اهتم بذلك من المفسرين ابن عاشور ومن قبله القرطبي وكذلك الشنقيطي حيث ساق كل منهما هذا الاحتمال الوارد من الإشكال وأجابوا عنه.
قال القرطبي: " قيل: القرآن كله محكم: لقوله تعالى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} "(1) ،، وقيل: كله متشابه، لقوله:{كِتَابًا مُتَشَابِهًا} (2) ،. وليس هذا من معنى الآية في شئ، فإن قوله تعالى:{كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} أي في النظم والرصف وأنه حق من عند الله ، ومعنى {كِتَابًا مُتَشَابِهًا} كتابا متشابها، أي يشبه بعضه بعضا ويصدق بعضه بعضا.
وليس المراد بقوله: {آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} " هذا المعنى، وإنما المتشابه في هذه الآية من باب الاحتمال والاشتباه، من قوله:{إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} (3) أي التبس علينا، أي يحتمل أنواعا كثيرة من البقر والمراد بالمحكم ما في مقابلة هذا، وهو ما لا التباس فيه ولا يحتمل إلا وجها واحدا.
(1) سورة هود، الآية (1).
(2)
سورة الزمر، الآية (23).
(3)
سورة البقرة، الآية (70).
وقيل: إن المتشابه ما يحتمل وجوها، ثم إذا ردت الوجوه إلى وجه واحد وأبطل الباقي صار المتشابه محكما.
فالمحكم أبدا أصل ترد إليه الفروع، والمتشابه هو الفرع (1).
وقال الشنقيطي: " هذه الآية الكريمة تدل على أن من القرآن محكما ومنه متشابها، وقد جاءت آية أخرى تدل على أنّ كله محكم، وأية تدل على أنّ كله متشابه، أمّا التي تدل على إحكامه كله قوله تعالى:{كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} (2) وأما التي تدل على أنّ كله متشابه قوله تعالى: {كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ} (3) ، ووجه الجمع بين الآيات أنّ معنى كونه كله محكما أنه في غاية الإحكام أي الإتقان في ناحية ألفاظه ومعانيه وإعجازه أخباره صدق، وأحكامه عدل، لا تعتريه وصمة ولا عيب في الألفاظ، ولا في المعاني، ومعنى كونه متشابها أن آياته يشبه بعضها بعضا في الحسن والصدق والإعجاز والسلامة من جميع العيوب ومعنى كونه بعضه محكما وبعضه متشابها أن المحكم منه الواضح المعنى لكل الناس كقوله:{وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} (4) ، {وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} (5)، والمتشابه: هو ما خفي علمه على غير
(1) الجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 4، ص 14.
(2)
سورة هود، الآية (1).
(3)
سورة الزمر، الآية (23).
(4)
سورة الإسراء، الآية (32).
(5)
سورة الإسراء، الآية (39).
الراسخين في العلم بناء على أن الواو في قوله تعالى: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} (1) ، عاطفة، أو هو ما استأثر الله بعلمه كمعاني الحروف المقطعة في أوائل السور بناء على أن الواو في قوله تعالى:{وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} استئنافية لا عاطفة " (2).
2 -
مثال قتل العمد:
هذه الآية تدل على أن القاتل عمدا لا توبة له ، وأنه مخلد في النار، وقد جاءت آيات أخر تدل على خلاف ذلك ، كقوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} (4)، وقوله تعالى:{وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} (5) - إلى قوله -: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ
(1) سورة آل عمران، الآية (7).
(2)
انظر دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب / الشنقيطي، ص 38.
(3)
سورة النساء، الآية (93).
(4)
سورة النساء، الآية (48).
(5)
سورة الفرقان، الآية (68).
يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} (1)، الآية. وقوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} (2) وقوله: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ} (3) الآية (4).
وذكر ابن عاشور في تفسيره أن هذه الآية وقع فيها خلاف بين العلماء واضطربت فيها كلمات المفسرين على عدة أقوال، فمنهم من ذهب إلى أن القاتل عمداً في النار لا تقبل توبته، ومنهم من يرى أن الآية منسوخة بآيات التوبة ، وآخرون يرون أن الآية محكمة مخصصة بآيات التوبة، ومنهم من يرى أن الآية خاصة بالكفار (5).
ورجّح ابن عاشور أنه لا تعارض بين هذه الآية التي هي وعيد لقاتل النفس وبين آيات قبول التوبة، وأن القاتل له توبة، وممن وافق قوله قول ابن عاشور فيمن سبقه من المفسرين الطبري، وابن عطية، والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي (6).
(1) سورة الفرقان، الآية (76).
(2)
سورة الزمر، الآية (53).
(3)
سورة طه، الآية (82).
(4)
دفع إيهام الاضطراب عن آيات كتاب الله / الشنقيطي، ص 67.
(5)
انظر التحرير والتنوير، ج 3، ص 166.
(6)
انظر جامع البيان / الطبري، ج 5، ص 260، والمحرر الوجيز / ابن عطية، ج 2، ص 96، والتفسير الكبير / الرازي، ج 4، ص 184، والجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 5، ص 334، والبحر المحيط / أبو حيان، ج 3، ص 340، وتفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 4، ص 209، وفتح القدير / الشوكاني، ج 1، ص 499، ومحاسن التأويل / القاسمي، ج 3، ص 275.
حجة أصحاب القول الأول الذين يقولون: إن المؤمن القاتل عمداً مخلد في النار لا تقبل توبته:
قال ابن عاشور: " رأى بعض السلف أنّ ذلك موجب لحمل الوعيد في الآية على ظاهره، دون تأويل، لشدّة تأكيده تأكيداً يمنع من حمل الخلود على المجاز، فيُثبت للقاتل الخلودَ حقيقة "(1).
واستدلوا على ذلك بما روى البخاري عن سعيد بن جبير قال: اختلف فيها أهل الكوفة، فرحلت فيها إلى ابن عباس فسألته عنها فقال: نزلت هذه الآية: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا
…
} هي آخر ما نزل وما نسخها شيء (2).
وروى النسائي عنه قال: سألت ابن عباس هل لمن قتل مؤمنا متعمدا من توبة؟ قال: لا (3).
وروي عن زيد بن ثابت نحوه، وإن آية النساء نزلت بعد آية الفرقان بستة أشهر، وفي رواية بثمانية أشهر، ذكرهما النسائي عن زيد بن ثابت (4).
وإلى عموم هذه الآية مع هذه الأخبار عن زيد وابن عباس ذهبت المعتزلة وقالوا: هذا مخصص عموم قوله تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}
(1) التحرير والتنوير، ج 3، ص 165.
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب فمالكم في المنافقين فئتين .. ، ج 4، ص 1676 ، ح- 4314.
(3)
أخرجه النسائي في الكبرى، كتاب المحاربة، باب تعظيم الدم، ج 2، ص 287، ح- 3464.
(4)
أخرجه النسائي في الكبرى، كتاب المحاربة، باب تعظيم الدم، ج 2، ص 288، ح- 3469.
ورأوا أن الوعيد نافذ حتما على كل قاتل، فجمعوا بين الآيتين بأن قالوا: التقدير ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء إلا من قتل عمدا (1).
حجة القائلين: إن القاتل عمداً تقبل توبته وأن الآية عامة خصصت بآيات التوبة:
قال الطبري: " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: معناه: ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا، فجزاؤه إن جزاه جهنم خالدًا فيها، ولكنه يعفو ويتفضَّل على أهل الإيمان به وبرسوله، فلا يجازيهم بالخلود فيها، ولكنه عز ذكره إما أن يعفو بفضله فلا يدخله النار، وإما أن يدخله إيّاها ثم يخرجه منها بفضل رحمته، لما سلف من وعده عباده المؤمنين بقوله:{قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} (2).
قال ابن كثير: " والذي عليه الجمهور من سلف الأمة وخلفها: أن القاتل له توبة فيما بينه وبين ربه عز وجل، فإن تاب وأناب وخشع وخضع، وعمل عملا صالحا، بدل الله سيئاته حسنات، وعوض المقتول من ظلامته وأرضاه عن طلابته.
قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ
(1) الجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 5، ص 334.
(2)
جامع البيان / الطبري، ج 5، ص 260.
الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70)} (1)
وهذا خبر لا يجوز نسخه، وحمله على المشركين (2).
قال ابن عاشور: " إن آيات التوبة ناهضة مجمع عليها متظاهرة ظواهرها، حتّى بلغت حدّ النصّ المقطوع به، فيحمل عليها آيات وعيد الذنوب كلّها "(3).
حجة القائلين: إن الآية منسوخة بآيات التوبة:
ذكر ابن حزم أن قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا} نسخت بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} وبالآية التي في الفرقان: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} (4).
وقال المقري: " أجمع المفسرون من الصحابة والتابعين على نسخ هذه الآية إلا
(1) سورة الفرقان، الآية (68 - 69).
(2)
تفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 4، ص 209.
(3)
التحرير والتنوير، ج 3، ص 166.
(4)
انظر الناسخ والمنسوخ / ابن حزم، ج 1، ص 35.
عبد الله بن عباس رضي الله عنه وعبد الله بن عمر رضي الله عنه ، فإنهما قالا إنها محكمة " (1).
حجة القائلين: إن الآية خاصة بالكفار ولذلك فإن القاتل عمداً مخلد في النار:
قالوا: إن الآية نزلت في مقيس بن صبابة، وهو كافر، فالخلود لأجل الكفر.
وذلك أنه كان قد أسلم هو وأخوه هشام بن صبابة، فوجد هشاما قتيلا في بني النجار فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فكتب له إليهم أن يدفعوا إليه قاتل أخيه وأرسل معه رجلا من بني فهر، فقال بنو النجار: والله ما نعلم له قاتلا ولكنا نؤدي الدية، فأعطوه مائة من الابل، ثم انصرفا راجعين إلى المدينة ، فعدا مقيس على الفهري فقتله بأخيه ، وأخذ الإبل وانصرف إلى مكة كافرا مرتدا، وجعل ينشد:
قتلت به فهرا وحملت عقله ............ سراة بني النجار أرباب فارع
حللت به وتري وأدركت ثورتي .. ......... وكنت إلى الأوثان أول راجع
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا أؤمنه في حل ولا حرم" ، وأمر بقتله يوم فتح مكة وهو متعلق بالكعبة (2).
القول الراجح
إنه لا تعارض بين هذه الآية وغيرها من الآيات التي تحكي التوبة والمغفرة لمن تاب.
وأن القاتل عمدا مؤمن عاص له توبة ، كما عليه جمهور علماء الأمة ، وهو
(1) الناسخ والمنسوخ / المقري، ج 1، ص 77.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، ج 3، ص 113، والبيهقي في الشعب، فصل في أصحاب الكبائر من أهل القبلة، ج 1، ص 277، ح- 296.
صريح قوله تعالى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ .. } الآية.
قال الشوكاني: " والحق أن باب التوبة لم يغلق دون كل عاص، بل هو مفتوح لكل من قصده ورام الدخول منه، وإذا كان الشرك، وهو أعظم الذنوب وأشدّها تمحوه التوبة إلى الله، ويقبل من صاحبه الخروج منه، والدخول في باب التوبة، فكيف بما دونه من المعاصي التي من جملتها القتل عمداً؟ "(1).
ومما يؤكد هذا القول القاعدة الترجيحية (إذا ثبت الحديث وكان في معنى أحد الأقوال فهو مرجح له) وقد توافرت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: يخرج من النار من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان، وصرح تعالى بأن القاتل أخو المقتول في قوله:{فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} (2)، وقد قال تعالى:{وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} (3)، فسماهم مؤمنين مع أن بعضهم يقتل بعضا، ومما يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين في قصة الإسرائيلي الذي قتل مائة نفس، لأن هذه الأمة أولى بالتخفيف من بني إسرائيل لأن الله رفع عنها الآصار والأغلال التي كانت عليهم (4).
كما يؤكد القول بأن الآية محكمة وغير متعارضة مع آيات التوبة القاعدة الترجيحية التالية (النسخ لا يقع في الأخبار)، قال القرطبي: " هذا حسن - يعني
(1) فتح القدير / الشوكاني، ج 1، ص 499. وروح المعاني / الألوسي، ج 3، ص 113.
(2)
سورة البقرة، الآية (178).
(3)
سورة الحجرات، الآية (9).
(4)
انظر دفع إيهام الاضطراب عن آيات كتاب الله / الشنقيطي، ص 68.
القول بأن الآية محكمة - لأن النسخ لا يدخل الأخبار إنما المعنى فهو يجزيه (1).
وأما ادعاء تخصيصها بالكفار فإنه لا دليل عليه، ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى:{وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}
وضعّف الرازي قول من خصصها بالكفار فقال: " أما الوجه الأول فضعيف، وذلك لأنه ثبت في أصول الفقه أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فإذا ثبت أن اللفظ الدال على الاستغراق حاصل، فنزوله في حق الكفار لا يقدح في ذلك العموم، فيسقط هذا الكلام بالكلية، ثم نقول: كما أن عموم اللفظ يقتضي كونه عاما في كل قاتل موصوف بالصفة المذكورة، فكذا ههنا وجه آخر يمنع من تخصيص هذه الآية بالكافر.
وبيانه من وجوه: الأول: أنه تعالى أمر المؤمنين بالمجاهدة مع الكفار ثم علمهم ما يحتاجون اليه عند اشتغالهم بالجهاد، فابتدأ بقوله:{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً} (2) فذكر في هذه الآية ثلاث كفارات: كفارة قتل المسلم في دار الإسلام، وكفارة قتل المسلم عند سكونه مع أهل الحرب، وكفارة قتل المسلم عند سكونه مع أهل الذمة وأهل العهد، ثم ذكر عقيبه حكم قتل العمد مقرونا بالوعيد، فلما كان بيان حكم قتل الخطأ
(1) الجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 5، ص 335.
(2)
سورة النساء، الآية (92).
بيانا لحكم اختص بالمسلمين كان بيان حكم القتل العمد الذي هو كالضد لقتل الخطأ، وجب أن يكون أيضا مختصا بالمؤمنين، فإن لم يختص بهم فلا أقل من دخولهم فيه. الثاني: أنه تعالى قال بعد هذه الآية: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا} (1).
وأجمع المفسرون على أن هذه الآيات إنما نزلت في حق جماعة من المسلمين لقوا قوما فأسلموا فقتلوهم وزعموا أنهم إنما أسلموا من الخوف، وعلى هذا التقدير: فهذه الآية وردت في نهي المؤمنين عن قتل الذين يظهرون الإيمان؛ وهذا أيضا يقتضي أن يكون قوله: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا} نازلا في نهي المؤمنين عن قتل المؤمنين حتى يحصل التناسب، فثبت بما ذكرنا أن ما قبل هذه الآية وما بعدها يمنع من كونها مخصوصة بالكفار (2).
3 -
مثال الظلم:
قال تعالى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ
(1) سورة النساء، الآية (94).
(2)
التفسير الكبير / الرازي، ج 4، ص 183.
وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ} (1).
أشكلت هذه الآية على بعض المفسرين، واختلفوا فيها، ورأوا أنها متعارضة مع آيات أخرى حتى قال بعضهم إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} (2)، وفسروا الظلم هنا بالشرك (3).
أما ابن عاشور فقد وضّح هذا الإشكال في تفسيره بقوله: " وسياق الآية يدل على أن المراد بالمغفرة هنا التجاوز عن المشركين في الدنيا بتأخير العقاب لهم إلى أجل أراده الله أو إلى يوم الحساب، وأن المراد بالعقاب في قوله:{وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ} ضد تلك المغفرة وهو العقاب المؤجل في الدنيا أو عقاب يوم الحساب، فمحمل الظلم على ما هو المشهور في اصطلاح القرآن من إطلاقه على الشرك.
ويجوز أن يحمل الظلم على ارتكاب الذنوب بقرينة السياق كإطلاقه في قوله تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا} (4).فلا تعارض أصلاً بين هذا المحمل وبين
(1) سورة الرعد، الآية (6).
(2)
سورة النساء، الآية (48).
(3)
انظر الناسخ والمنسوخ / المقري، ج 1، ص 17.
(4)
سورة النساء، الآية (160).
قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} (1) كما هو ظاهر (2).
ومعظم المفسرين يرون أن هذه الآية محكمة ، وليست منسوخة ، ولكنهم لم يوردوا هذا التعارض الذي قد يرد على الآية كما فعل ابن عاشور.
حجة القائلين بأن بين الآيتين تعارضا ، وادعوا نسخها:
قال الضحاك: الآية منسوخة بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} (3).
وقال ابن حزم: "قوله تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ} (4) منسوخة وناسخها قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} (5) والظلم ههنا الشرك (6).
حجة أصحاب القول الثاني الذين لا يرون أن الآيات متعارضة، وقد تأولوا الآية على تأويلين:
إن المراد أن الله يغفر الذنوب مطلقا إلا الشرك، أي: أن الآية عامة
(1) سورة النساء، الآية (48).
(2)
التحرير والتنوير، ج 7، ص 93.
(3)
الناسخ والمنسوخ / الكرمي، ج 1، ص 126.
(4)
سورة الرعد، الآية (6).
(5)
سورة النساء، الآية (48).
(6)
الناسخ والمنسوخ / ابن حزم، ج 1، ص 42.
ويخصصها قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ}
وإما أن يكون المراد بالمغفرة معناها اللغوي ، وهو الستر بالإمهال وتأخير العذاب.
وهذان المعنيان حكاهما ابن عاشور ، وجعل كلا منهما محتملا (1).
وقد اعترض الرازي على المعنى الثاني بقوله: " إن تأخير العقاب لا يسمى مغفرة، وإلا لوجب أن يقال: الكفار كلهم مغفور لهم لأجل أن الله تعالى أخر عقابهم إلى الآخرة، وعن الثاني: أنه تعالى تمدح بهذا والتمدح إنما يحصل بالتفضل. أما بأداء الواجب فلا تمدح فيه وعندكم يجب غفران الصغائر وعن الثالث: أنا بينا أن ظاهر الآية يقتضي حصول المغفرة حال الظلم، وبينا أن حال حصول الظلم يمنع حصول التوبة، فسقطت هذه الأسئلة وصح ما ذكرناه "(2).
القول الراجح
إن المقصود بالظلم في هذه الآية ارتكاب الذنوب ، وعليه لا تعارض بين الآيات ، كما قال ابن عاشور: " ويجوز أن يحمل الظلم على ارتكاب الذنوب بقرينة السياق كإطلاقه في قوله تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا} (3) فلا تعارض أصلاً بين هذا المحمل وبين قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ
(1) انظر التحرير والتنوير، ج 7، ص 93.
(2)
التفسير الكبير / الرازي، ج 7، ص 12.
(3)
سورة النساء، الآية (160).
وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} (1) كما هو ظاهر" (2).
وقد ردّ ابن الجوزي على من قال بأن الآية منسوخة ، فقال:" قد توهم بعض المفسرين أن هذه الآية منسوخة لأنه قال المراد بالظلم ها هنا الشرك ثم نسخت بقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} وهذا التوهم فاسد؛ لأن الظلم عام وتخصيصه بالشرك هاهنا يحتاج إلى دليل، ثم إن كان المراد به الشرك فلا يخلو الكلام من أمرين: إما أن يراد التجاوز عن تعجيل عقابهم في الدنيا ، أو الغفران لهم إذا رجعوا عنه وليس في الآية ما يدل على أنه يغفر للمشركين إذا ماتوا على الشرك "(3).
وقال الشوكاني: " وإذا تقرر لك هذا فاعلم أن الجمع بين هذه الآية وبين قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} هو: أن كل ذنب كائنا ما كان ما عدا الشرك بالله مغفور لمن شاء الله أن يغفر له ، على أنه يمكن أن يقال: إن إخباره لنا بأنه يغفر الذنوب جميعا يدل على أنه يشاء غفرانها جميعا ، وذلك يستلزم أنه يشاء المغفرة لكل المذنبين من المسلمين ، فلم يبق بين الآيتين تعارض من هذه الحيثية، وأما ما يزعمه جماعة من المفسرين من تقييد هذه الآية بالتوبة ، وأنها لا تغفر إلا ذنوب التائبين وزعموا أنهم قالوا ذلك للجمع بين الآيات فإنها لو مقيدة بالتوبية لم يكن لها كثير موقع فإن التوبة
(1) سورة النساء، الآية (48).
(2)
التحرير والتنوير ، ج 7 ، ص 93.
(3)
نواسخ القرآن / ابن الجوزي، ج 1، ص 183.
من المشرك يغفر الله له بها ما فعله من الشرك بإجماع المسلمين وقد قال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} فلو كانت التوبة قيدا في المغفرة لم يكن للتنصيص على الشرك فائدة وقد قال سبحانه: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ} " (1).
ومما يؤكد هذه القول ويرجحه قاعدة أخرى وهي: (القول الذي تؤيده آيات قرآنية مقدم على غيره) ومما يوضح معنى هذه الآية وبها يزول الإشكال قوله تعالى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ} (2)، وكقوله:{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ} (3)، وقوله تعالى:{يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} (4) وأكثر من اهتم بهذه القاعدة ووظفها في تفسيره الشنقيطي (5).
ونلحظ من خلال هذا المثال مدى اهتمام ابن عاشور في تأصيل هذه القاعدة حيث إن معظم المفسرين لم يوردوا مثل هذا التعارض ، ولم ينبهوا عليه ،
(1) فتح القدير / الشوكاني، ج 3، ص 70.
(2)
سورة الرعد، الآية (47).
(3)
سورة العنكبوت، الآية (53)،
(4)
سورة العنكبوت، الآية (54)،
(5)
انظر أضواء البيان / الشنقيطي، ص 387.
بينما ابن عاشور ذكر أنه لا تعارض بين الآيات مؤكدا أن كل آية يجب أن تحمل على محملها من خلال السياق الذي ترد فيه.
4 -
مثال التساؤل يوم القيامة:
قال تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} (1)
وقوله: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} (2).
هذه الآيات قد يبدو في أول الأمر أن ظاهرها التعارض، والقرآن الكريم منزه عن ذلك، والمفسرون متفقون جميعاً على أنه لا تعارض بين آيات القرآن الكريم، كما أنهم متفقون على أنه لا تعارض بين هاتين الآيتين المذكورة أعلاه ، وإنما هي مواقف في يوم القيامة يمر بها البشر، وإنما حصل الاختلاف بين المتأولين في صفة ارتفاع الأنساب في تلك المواقف متى يكون السؤال ومتى لا يكون؟
وابن عاشور قد اهتم بتجلية هذه القاعدة في تفسيره فكان إذا مر بمثل تلك الآيات التي تشكل على البعض يبين حالها، ويعالج الإشكال الواقع فيها.
ومن ذلك موقفه من هذه الآيات حيث يقول فيها: " لا تعارض بين هذه الآيات وإنما هي مواقف وأحوال بعد النفخة الأولى والثانية.
وعلق ابن عاشور بعد أن ساق ذلك الحديث بقوله: " إن تساؤلهم المنفي
(1) سورة المؤمنون، الآية (101).
(2)
سورة الصافات، الآية (27).
هنالك هو طلب بعضهم مِن بعض النجدة والنصرة وأن تساؤلهم هنا تساؤل عن أسباب ورطتهم فلا تعارض بين الآيتين " (1).
وذهب بعض المفسرين إلى أن المقصود بالآية أنه لا أنساب بينهم بعد النفخة الثانية من هول الفزع، ثم يتساءلون بعد ذلك .. وهو قول ابن مسعود وابن عطية، وأبو حيان، وابن كثير، والشوكاني، والقاسمي، والشنقيطي (2).
وذكر الطبري، وكذلك الألوسي كلا المعنيين ولم يرجحا وقال الألوسي بعد أن ذكر المعنيين: وحينئذٍ يختار في وجه الجمع أحد الأوجه التي أشرنا إليها
…
(3).
وانفرد الرازي بقول مختلف وهو أن الآية الأولى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} (4) في صفة أهل النار، وأما قوله:{وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} (5) في صفة أهل
(1) التحرير والتنوير، ج 11، ص 106. .
(2)
المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 4، ص 156، البحر المحيط / أبو حيان، ج 6، ص 388، وتفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 10، ص 148، وفتح القدير / الشوكاني، ج 3، ص 501، ومحاسن التأويل / القاسمي، ج 7، ص 317، وأضواء البيان / الشنقيطي، ص 1197.
(3)
انظر جامع البيان / الطبري، ج 18، ص 67 - 68، وروح المعاني / الألوسي، ج 9، ص 265.
(4)
سورة المؤمنون، الآية (101).
(5)
سورة الصافات، الآية (27).
الجنة (1). وذكر القرطبي أن الآية الثانية تتعلق بأهل الجنة (2).
حجة أصحاب القول الأول الذين يرون أن المقصود بالآية {فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ} أي بعد النفخة الأولى:
حجتهم في ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنه: قال البخاري في صحيحه: قال المنهال عن سعيد بن جبير قال: قال رجل لابن عباس رضي الله عنه: إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي- وذكر منها - {فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} (3){وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} (4) فقال: فلا أنساب بينهم في النفخة الأولى ثم ينفخ في الصور ، فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون، ثم في النفخة الآخرة وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون .... " (5).
قال ابن عاشور بعد أن ساق حديث ابن عباس: .. " يريد به اختلاف
(1) انظر التفسير الكبير / الرازي، ج 8، ص 295.
(2)
الجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 12، ص 157.
(3)
سورة المؤمنون، الآية (101).
(4)
سورة الصافات، الآية (27).
(5)
أخرجه البخاري في صحيحه معلقا، كتاب التفسير، باب تفسير سورة حم السجدة فصلت، ج 4، ص 1815 ،ح- 4537، والحاكم في المستدرك، ج 2، ص 428 ، ح- 3489، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
الزمان " (1).
وكذلك أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه، أنه سئل عن قوله:{فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} وقوله: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} فقال: إنها مواقف، فأما الموقف الذي لا أنساب بينهم ولا يتساءلون عند الصعقة الأولى، لا أنساب بينهم فيها إذا صعقوا، فإذا كانت النفخة الآخرة فإذا هم قيام يتساءلون (2).
قال ابن عطية معلقا على هذا المعنى وإن كان يميل إلى المعنى الآخر: " وهذا التأويل يزيل ما في الآية من ذكر هول الحشر"(3).
وهذا القول هو الذي رجحه ابن عاشور ولم يذكر غيره.
حجة أصحاب القول الثاني الذين يرون أن المقصود بالآية أنه لا أنساب بينهم بعد النفخة الثانية ابتداءً .. ثم بعد ذلك يتساءلون .. :
استدلوا بحديث ابن مسعود رضي الله عنه: " يؤخذ العبد أو الأمة يوم القيامة، فينصب على رؤوس الأولين والآخرين، ثم ينادي مناد، فيقول الربّ تبارك وتعالى للعبد: أعط هؤلاء حقوقهم، فيقول: أي ربّ، فَنِيت الدنيا، فمن أين أعطيهم؟ فيقول للملائكة: خذوا من أعماله الصالحة وأعطوا لكل إنسان بقدر طلبته، فإن كان له فضلُ مثقال حبة من خردل ضاعفها الله له حتى يدخله بها الجنة، ثم تلا
(1) التحرير والتنوير / ابن عاشور، ج 9، ص 126.
(2)
ذكره السيوطي في الدر المنثور، ج 6، ص 116.
(3)
المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 4، ص 156.
ابن مسعود رضي الله عنه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} (1) وإن كان عبدا شقيا، قالت الملائكة: ربنا، فنيت حسناتُه وبقي طالبون كثير، فيقول: خذوا من أعمالهم السيئة فأضيفوها إلى سيئاته، وصُكُّوا له صَكًّا إلى النار " (2).
قال ابن عطية: " المعنى أنه عند النفخة الثانية وقيام الناس من القبور ، فهم حينئذ لهول المطلع ، واشتغال كل امرئ بنفسه ، قد انقطعت بينهم الوسائل وزال انتفاع الأنساب فلذلك نفاها المعنى (فلا أنساب) ، وروي عن قتادة أنه قال: ليس أحد أبغض إلى الإنسان في ذلك اليوم ممن يعرف؛ لأنه يخاف أن تكون له عنده مظلمة وفي ذلك اليوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه ويفرح كل أحد يومئذ أن يكون له حق على ابنه وأبيه، وقد ورد بهذا الحديث، وكذلك ارتفاع التساؤل والتعارف لهذه الوجوه التي ذكرناها ثم تأتي في القيامة مواطن يكون فيها السؤال والتعارف "(3).
ورجّح ابن عطية هذا القول بقوله: وهذا التأويل حسن ،، وهو مروي المعنى عن ابن عباس رضي الله عنه (4).
وكذلك ابن كثير حيث يقول: " يخبر تعالى أنه إذا نفخ في الصور نفخة
(1) سورة النساء، الآية (40).
(2)
أخرجه ابن المبارك في الزهد، ص 498، ح- 1416، والطبري مقطعاً، ج 18، ص 68، وأبو نعيم في الحلية، ج 4، ص 202.
(3)
المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 4، ص 156.
(4)
المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 4، ص 156.
النشور، وقام الناس من القبور، (فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ) أي: لا تنفع الأنساب يومئذ، ولا يرثي والد لولده، ولا يلوي عليه، قال الله تعالى:{وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (10) يُبَصَّرُونَهُمْ} (1)، أي: لا يسأل القريب قريبه وهو يبصره، ولو كان عليه من الأوزار ما قد أثقل ظهره، وهو كان أعز الناس عليه في الدنيا، ما التفت إليه ولا حمل عنه وزن جناح بعوضة، قال الله تعالى:{يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} (2) " (3).
وقال القاسمي: " وجليّ أن نفي التساؤل إنما هو وقت النفخ، كما دل عليه قوله:{فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ} : أي وقت القيام من القبور وهول المطلع يشتغل بنفسه. وأما بعده فقد يقع التساؤل، كما قال تعالى:{وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} (4) ، لأن يوم القيامة يوم ممتد ، ففيه مشاهد ومواقف فيقع في بعضها، وفي بعضها دهشة تمنع منه (5).
ويقول السعدي في تفسبره لهذه الآية: " يخبر تعالى عن هول يوم القيامة، وما
(1) سورة المعارج، الآية (10 - 11).
(2)
سورة عبس، الآية (34 - 37).
(3)
تفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 10، ص 148.
(4)
سورة الصافات، الآية (27).
(5)
محاسن التأويل / القاسمي، ج 7، ص 317.
في ذلك اليوم، من المزعجات والمقلقات، وأنه إذا نفخ في الصور نفخة البعث، فحشر الناس أجمعون، لميقات يوم معلوم، أنه يصيبهم من الهول ما ينسيهم أنسابهم، التي هي أقوى الأسباب، فغير الأنساب من باب أولى، وأنه لا يسأل أحد أحدا عن حاله، لاشتغاله بنفسه، فلا يدري هل ينجو نجاة لا شقاوة بعدها؟ أو يشقى شقاوة لا سعادة بعدها؟
القول الراجح
فيما يبدو لي والله أعلم أنه لا تعارض ولا خلاف حقيقي بين الفريقين، وإن الاختلاف إنما هو باعتبار عدد النفخات، فالفريق الأول يرى أن هناك ثلاث نفخات، والفريق الثاني يرى أن هناك نفختين، فالثانية عند الفريق الأول هي الأولى عند الفريق الثاني.
وعليه فالخلاف بينهما لفظي لا حقيقي.
5 -
مثال النطق يوم القيامة:
قال تعالى: {هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ} (2).
هذه الآية الكريمة تدل على أن أهل النار لا ينطقون ولا يعتذرون ، وقد
(1) سورة عبس، الآية (34 - 37).
(2)
سورة المرسلات، الآية (35).
جاءت آيات تدل على أنهم ينطقون ويعتذرون ، كقوله تعالى:{وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} (1)، وقوله:{فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ} (2) وقوله: {بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا} (3). وقوله: {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ} (4) إلى غير ذلك من الآيات.
وهذه الآيات قد تبدو لأول وهلة أن ظاهرها التعارض، ولذلك حرص المفسرون على توضيح وبيان مثل تلك الآيات وإزالة الإشكال الحاصل فيها، وأقوالهم في ذلك متقاربة، وإن كان ظاهرها الاختلاف، ولكن هذا الاختلاف لا يضر وإنما يزيد في المعنى، وابن عاشور قد اهتم كثيراً بمثل تلك الآيات ووقف عندها وأزال اللبس الحاصل فيها فيقول مثلاً في هذه الآيات: " واعلم أنه لا تعارض بين هذه الآية وبين الآيات التي جاء فيها ما يقضي أنهم يعتذرون نحو قوله تعالى: {قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ} (5) لأن وقت انتفاء نطقهم يوم الفصل، وأما نطقهم المحكي في قوله:{رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ} فذلك صراخهم
(1) سورة الأنعام، الآية (23).
(2)
سورة النحل، الآية (28).
(3)
سورة غافر، الآية (74).
(4)
سورة الشعراء، الآية (98).
(5)
سورة غافر، الآية (11).
في جهنم بعد انقضاء يوم الفصل " (1).
وممن ذهب إلى رأيه في توضيح هذه الآيات ممن سبقه الطبري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي (2). فهؤلا يرون أن يوم القيامة مواقف وأحوال، فحصل النطق في حال ومنعوا عن الكلام في حال آخر.
في حين ذهب بعض المفسرين إلى أن المقصود بعدم النطق في ذلك اليوم هو: عدم الحجة أي لا ينطقون بحجة (3).
وجوّز الشنقيطي كلا القولين (4).
وإليك حجة أصحاب كل قول:
حجة أصحاب القول الأول الذين يرون أن القيامة مواقف وأحوال فحصل النطق في موقف دون آخر:
حجتهم في ذلك أن يوم القيامة فيه من المواقف والأحوال ما يحصل النطق في بعضها ولا يحصل في البعض الآخر.
(1) التحرير والتنوير، ج 14، ص 440.
(2)
انظر جامع البيان / الطبري، ج 29، ص 289، والمحرر الوجيز / ابن عطية، ج 5، ص 420، والجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 19، ص 160، والبحر المحيط / أبو حيان ج 8، ص 399 وتفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 14، ص 224، وفتح القدير / الشوكاني، ج 5، ص 260، وروح المعاني / الألوسي، ج 15، ص 19، ومحاسن التأويل / القاسمي، ج 9، ص 304.
(3)
انظر التفسير الكبير / الرازي، ج 10، ص 777.
(4)
دفع إيهام الاضطراب عن آيات كتاب لله / الشنقيطي، ص 249.
قال الفراء: " أراد بقوله: {هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ} تلك الساعة وذلك القدر من الوقت الذي لا ينطقون فيه، كما يقول: آتيك يوم يقدم فلان، والمعنى ساعة يقدم وليس المراد باليوم كله، لأن القدوم إنما يكون في ساعة يسيرة، ولا يمتد في كل اليوم (1).
وقال الطبري: " وقوله: {هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ} يخبر عنهم أنهم لا ينطقون في بعض أحوال ذلك اليوم، لا أنهم لا ينطقون ذلك اليوم كله.
فإن قال: فهل من بُرهان يعلم به حقيقة ذلك؟ قيل: نعم، وذلك إضافة يوم إلى قوله:(لا يَنْطِقُونَ) والعرب لا تُضيف اليوم إلى فعل يفعل، إلا إذا أرادت الساعة من اليوم والوقت منه، وذلك كقولهم: آتيك يومَ يقدمُ فلان، وأتيتك يوم زارك أخوك، فمعلوم أن معنى ذلك: أتيتك ساعة زارك، أو آتيك ساعة يقدُم، وأنه لم يكن إتيانه إياه اليوم كله، لأن ذلك لو كان أخذ اليوم كله لم يضف اليوم إلى فعل ويفعل، ولكن فعل ذلك إذ كان اليوم بمعنى إذ وإذا اللتين يطلبان الأفعال دون الأسماء " (2).
وقال ابن عطية: " أي يوم القيامة أسكتتهم الهيبة وذل الكفر، و (هذا) في موطن قاض بأنهم (لا ينطقون) فيه إذ قد نطق القرآن بنطقهم ربنا أخرجنا، ربنا أمتنا، فهي مواطن "(3).
حجة أصحاب القول الثاني الذين يرون أن المقصود بقوله لا ينطقون أي
(1) معاني القرآن / الفراء، ج 3، ص 226.
(2)
جامع البيان / الطبري، ج 29، ص 289.
(3)
المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 5، ص 420.
لا ينطقون بحجة:
أجاب الرازي عن ذلك بعدة وجوه ، ذكر منها قول الحسن ، وهذا قوله: "فيه إضمار، والتقدير: هذا يوم لا ينطقون فيه بحجة، ولا يؤذن لهم فيعتذرون، لأنه ليس لهم فيما عملوه عذر صحيح وجواب مستقيم، فإذا لم ينطقوا بحجة سليمة وكلام مستقيم فكأنهم لم ينطقوا، لأن من نطق بما لا يفيد فكأنه لم ينطق، ونظيره ما يقال لمن ذكر كلاماً غير مفيد: ما قلت شيئاً (1).
وقال القاسمي: " أي بحجة أو في وقت من أوقاته؛ لأنه يوم طويل ذو مواقف ومواقيت. أو جعل نطقهم كلا نطق؛ لأنه لا ينفع ولا يسمع، فلا ينافي آية:{وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} (2) وآية {وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا} (3)(4).
القول الراجح
هو ما رجحه ابن عاشور ومن سبقه من المفسرين، وقد وضح ذلك بقوله " واعلم أنه لا تعارض بين هذه الآية وبين الآيات التي جاء فيها ما يقضي أنهم يعتذرون ".
وبنحو هذا أجاب ابن عباس رضي الله عنه نافع بنَ الأزرق حين قال نافع: إنِّي أجد
(1) التفسير الكبير/ الرازي، ج 10، ص 777.
(2)
سورة الأنعام، الآية (23).
(3)
سورة النساء، الآية (42).
(4)
محاسن التأويل / القاسمي، ج 9، ص 304.
في القرآن أشياء تختلف عليَّ قال الله: {وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} (1)، وقال:{وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} (2) فقال ابن عباس: لا يتساءلون في النفخة الأولى حين نُفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض فلا يتساءلون حينئذٍ، ثم في النفخة الثانية أقبل بعضهم على بعض يتساءلون (3).
قال القرطبي: " قوله تعالى: {هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ} أي لا يتكلمون {وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} أي إن يوم القيامة له مواطن ومواقيت ،فهذا من المواقيت التي لا يتكلمون فيها ولا يؤذن لهم في الاعتذار والتنصل "(4).
كما قال الألوسي: " {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (34) هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ} الإشارة إلى وقت دخولهم النار ، أي: هذا يوم لا ينطقون فيه بشيء لعظم الدهشة وفرط الحيرة ولا ينافي هذا ما ورد في موضع آخر من النطق؛ لأن يوم القيامة طويل له مواطن ومواقيت ففي بعضها ينطقون وفي بعضها لا ينطقون، وجوز أن يكون المراد هذا يوم لا ينطقون بشيء ينفعهم وجعل نطقهم لعدم النفع كلا نطق "(5).
(1) سورة المؤمنون، الآية (101).
(2)
سورة الصافات، الآية (27).
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب تفسير سورة حم- السجدة - فصلت، ج 4، ص 1815، ح- 4537.
(4)
الجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 19، ص 160.
(5)
روح المعاني / الألوسي، ج 15، ص 19
كما عالج الشنقيطي هذا الإشكال في كتابه "دفع إيهام الاضطراب" من عدة أوجه فقال: " الأول: أن القيامة مواطن؛ ففي بعضها ينطقون، وفي بعضها لا ينطقون.
الثاني: أنهم لا ينطقون بما لهم فيه فائدة. ومالا فائدة فيه كالعدم.
الثالث: أنهم بعد أن يقول الله لهم: {قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} (1) ينقطع نطقهم، ولم يبق إلا الزفير والشهيق. قال تعالى:{وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ} وهذا الوجه الثالث راجع للوجه الأول (2).
(1) سورة المؤمنون، الآية (108).
(2)
دفع إيهام الاضطراب عن آيات كتاب الله / الشنقيطي، ص 249.
ونظائر هذه الأمثلة كثيرة جداً في تفسيره منها:
1 -
ما جاء في قوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} . (البقرة: 2)
أشار الله تعالى إلى القرآن في هذه الآية إشارة البعيد وقد أشار له في آيات أخر إشارة القريب كقوله: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} (الإسراء: 9)، وكقوله:{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} (النمل: 76)، وكقوله:{وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ} (الأنعام: 92)، وقد تشكل الآيات للناظر من أول وهلة كيف يشير إلى القرآن إشارة البعيد وأحياناً بالقريب، وقد أجاب ابن عاشور على هذا التساؤل حيث يقول: " ويجوز الإتيان في مثل هذا باسم الإشارة الموضوع للقريب والموضوع للبعيد، قال الرضي «وُضِع اسم الإشارة للحضور والقرب لأنه للمشار إليه حسًّا ثم يصح أن يشار به إلى الغائب فيصح الإتيان بلفظ البعد لأن المحكي عنه غائب، ويقل أن يذكر بلفظ الحاضر القريب فتقول جاءني رجل فقلت لذلك الرجل وقلت لهذا الرجل، وكذا يجوز لك في الكلام المسموع عن قريب أن تشير إليه بلفظ الغيبة والبعد كما تقول: «واللَّهِ وذلك قسم عظيم» لأن اللفظ زال =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= سماعه فصار كالغائب ولكن الأغلب في هذا الإشارةُ بلفظ الحضور فتقول وهذا قسم عظيم" اهـ (التحرير والتنوير، ج 1، ص 219).
2 -
ما جاء في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (آل عمران: 102)، وفيها ذكر ابن عاشور قوله تعالى:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} (التغابن: 16) وبيّن أنه لا تعارض بين الآيتين، ومن قوله: " الاستطاعة هي القدرة، والتَّقوى مقدورة للنَّاس. وبذلك لم يكن تعارض بين الآيتين، ولا نسخ (التحرير والتنوير، ج 3، ص 30).
3 -
ما جاء في قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ} (الأنعام: 35)، وفيها قال ابن عاشور: فلا تعارض بين هذه الآية وبين قوله تعالى في آخر هذه السورة {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ} الأنعام: 148، فهذا من المشيئة المتعلّقة بالخلق والتكوين لا من المشيئة المتعلّقة بالأمر والتشريع. وبينهما بَوْن، سقط في مهواته من لم يقدّر له صون. (التحرير والتنوير، ج 4، ص 206).
4 -
ما جاء في قوله تعالى: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا} (سورة الإسراء: 83)، وفيها قوله: ولا تعارض بين هذه الآية وبين قوله {وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ}
…
(سورة فصلت: 51)(التحرير والتنوير، ج 7، ص 193).
5 -
ما جاء في قوله تعالى: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (32) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (33) وَكَأْسًا دِهَاقًا (34) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (35) =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (36)} (سورة النبأ: 31 - 35)، وفيها قول ابن عاشور:" وليس هذا الحساب للاحتراز عن تجاوز الحد المعيَّن، فذلك استعمال آخر كما في قوله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (سورة الزمر: 10) ولكل آية مقامها الذي يجري عليه استعمال كلماتها فَلا تعارض بين الآيتين "(التحرير والتنوير، ج 15، 48).