المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الثاني: اختلاف تنوع: - قواعد الترجيح المتعلقة بالنص عند ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير

[عبير بنت عبد الله النعيم]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌مشكلة البحث:

- ‌حدود البحث:

- ‌أهمية البحث وأسباب اختياره:

- ‌الدراسات السابقة:

- ‌أهداف البحث:

- ‌أسئلة البحث:

- ‌المنهج في كتابة البحث:

- ‌إجراءات البحث:

- ‌ومنهجي في دراسة هذه القواعد كالآتي:

- ‌أما المنهج المتبع في دراسة تلك الأمثلة فهو الآتي:

- ‌خطة البحث

- ‌كلمة شكر وتقدير

- ‌التمهيد

- ‌المبحث الأولالتعريف بابن عاشور

- ‌المطلب الأولنشأته وبيئته العلمية

- ‌اسمه ونسبه:

- ‌مولده:

- ‌نشأته:

- ‌مسيرته العلمية والعملية:

- ‌شيوخه وعلماء عصره:

- ‌تلامذته:

- ‌المطلب الثاني‌‌مذهبه الفقهيوالعقدي ومؤلفاته

- ‌مذهبه الفقهي

- ‌منهجه في العقيدة:

- ‌كتاباته ومؤلفاته:

- ‌أولاً: آثاره في التفسير:

- ‌ثانياً: آثاره في الحديث النبوي الشريف:

- ‌ثالثاً: آثاره في الفقه وأصوله:

- ‌رابعاً: آثاره في الثقافة الإسلامية:

- ‌خامساً: آثاره في اللغة والأدب:

- ‌سادساً: آثاره في التاريخ والتراجم

- ‌وفاته:

- ‌المبحث الثانيالتعريف بتفسير (التحرير والتنوير)

- ‌المطلب الأولالتعريف بـ " التحرير والتنوير

- ‌منهجه في إيراد المعلومات:

- ‌المطلب الثانيموقف ابن عاشور من أنواع التفسير

- ‌أولاً: موقفه من التفسير بالمأثور:

- ‌ تفسير القرآن بالقرآن

- ‌ تفسير القرآن بالسنة:

- ‌أولاً: طريقته في إيراد الأحاديث:

- ‌ثانياً: طريقته في عزو الأحاديث:

- ‌ثالثاً: طريقته في الحكم على الأحاديث:

- ‌ تفسير القرآن بمرويات الصحابة والتابعين ومن بعدهم:

- ‌ موقفه من الإسرائيليات:

- ‌ثانياً: موقفه من التفسير بالرأي:

- ‌المطلب الثالثمنهج ابن عاشور في القراءات المتواترة والشاذة

- ‌المطلب الرابععنايته بالوجوه البلاغية واللغة

- ‌أولاً: الإيجاز:

- ‌ثانياً: المجاز:

- ‌ثالثاً: الإعجاز:

- ‌رابعاً: التفنن:

- ‌خامساً: الالتفات:

- ‌المطلب الخامسمصادر ابن عاشور في تفسيره

- ‌1 - التفسير وعلوم القرآن:

- ‌2 - في القراءات:

- ‌3 - الحديث النبوي:

- ‌4 - الفقه والأصول:

- ‌5 - العقيدة وعلم الكلام:

- ‌6 - اللغة والنحو:

- ‌الفصل الأولمقدمات في قواعد التفسير والترجيح

- ‌المبحث الأولمعنى القاعدة والتفسير والترجيح

- ‌تعريف القاعدة:

- ‌تعريف التفسير لغة:

- ‌تعريف التفسير اصطلاحاً:

- ‌تعريف الترجيح:

- ‌التعريف بالمركب الإضافي "قواعد الترجيح

- ‌المبحث الثانينشأة قواعد الترجيح

- ‌المبحث الثالثالفرق بين قواعد التفسير وقواعد الترجيح

- ‌أولاً: قواعد التفسير

- ‌تعريفه:

- ‌فائدته:

- ‌استمداد قواعد التفسير:

- ‌ثانياً: قواعد الترجيح:

- ‌موضوع قواعد الترجيح:

- ‌فائدته:

- ‌استمدادها:

- ‌المبحث الرابعأنواع قواعد الترجيح

- ‌أولا: قواعد الترجيح المتعلقة بالنص:

- ‌ثانياً: قواعد الترجيح المتعلقة بالسنة والأثر:

- ‌ثالثاً: قواعد الترجيح المتعلقة باللغة، ومنها:

- ‌المبحث الخامسالأسباب الموجبة للترجيح

- ‌الأول: اختلاف تضاد:

- ‌الثاني: اختلاف تنوع:

- ‌المبحث السادسقواعد التفسير عند ابن عاشور

- ‌أولاً: القواعد المتعلقة بأسباب النزول:

- ‌ثانياً: القواعد اللغوية

- ‌ثالثاً: القواعد المتعلقة بالقراءات

- ‌رابعاً: القواعد المتعلقة بالسنة والآثار

- ‌خامساً: القواعد المتعلقة بالنسخ

- ‌الفصل الثانيقواعد الترجيح المتعلقة بذات النص القرآني

- ‌المبحث الأولالقول الذي تؤيده الآيات القرآنية مقدم على غيره

- ‌صورة القاعدة:

- ‌أقوال العلماء في القاعدة:

- ‌الأمثلة التطبيقية على القاعدة:

- ‌المبحث الثانيالأصل إطلاق اللفظ على ظاهره ما لم يرد دليل يصرفه عن ظاهره

- ‌صورة القاعدة:

- ‌شرح مفردات القاعدة:

- ‌أقوال العلماء في هذه القاعدة:

- ‌الأمثلة التطبيقية على القاعدة:

- ‌المبحث الثالثالأولى إعمال اللفظ بكلا معنييه الحقيقي والمجازي متى أمكن

- ‌صورة القاعدة:

- ‌شرح مفردات القاعدة:

- ‌أمثلة تطبيقية على القاعدة:

- ‌المبحث الرابعيقدم المجاز على الحقيقة إذا وجدت القرينة

- ‌صورة القاعدة:

- ‌شرح مفردات القاعدة:

- ‌أقوال العلماء في هذه القاعدة:

- ‌أمثلة تطبيقية على القاعدة:

- ‌المبحث الخامسإذا خلت الأقوال في الآية من مستند شرعي وكانت متساوية فالقول الموافق لما جاء في التوراة مقدم على غيره

- ‌صورة القاعدة:

- ‌أقوال العلماء في القاعدة:

- ‌أمثلة تطبيقية على القاعدة:

- ‌الفصل الثالثقواعد الترجيح المتعلقة بالنسخ

- ‌المبحث الأولالأصل عدم النسخ ما لم يقم دليلصحيح صريح على خلاف ذلك

- ‌صورة القاعدة:

- ‌شرح مفردات القاعدة:

- ‌أقوال العلماء في هذه القاعدة:

- ‌أمثلة تطبيقية على القاعدة:

- ‌المبحث الثانيقاعدة النسخ لا يقع في الأخبار

- ‌صورة القاعدة:

- ‌أقوال العلماء في القاعدة:

- ‌أمثلة تطبيقية على القاعدة:

- ‌المبحث الثالثإن الزيادة على النص ليست بنسخ

- ‌صورة القاعدة:

- ‌أقوال العلماء في القاعدة:

- ‌أمثلة تطبيقية على القاعدة:

- ‌المبحث الرابعالإجماع يعد ناسخاً

- ‌صورة القاعدة:

- ‌شرح مفردات القاعدة:

- ‌أقوال العلماء في القاعدة:

- ‌الأمثلة التطبيقية على القاعدة:

- ‌المبحث الخامسالتخصيص بعد العمل بالعام والتقييد بعد العمل بالمطلق لايعدُّ نسخاً

- ‌صورة القاعدة:

- ‌شرح ألفاظ القاعدة:

- ‌أقوال العلماء في القاعدة:

- ‌أمثلة تطبيقية على القاعدة:

- ‌الفصل الرابعقواعد الترجيح المتعلقة بالقراءات ورسم المصحف

- ‌المبحث الأولالقراءات المتواترة حق كلها نصاً ومعنى لا يجوز ردها أو رد معناها

- ‌صورة القاعدة:

- ‌شرح مفردات القاعدة:

- ‌أقوال العلماء في هذه القاعدة:

- ‌الأمثلة التطبيقية على القاعدة:

- ‌المبحث الثانيالأصل توافق القراءات في المعنى

- ‌صورة القاعدة:

- ‌أقوال العلماء في القاعدة:

- ‌الأمثلة التطبيقية على القاعدة:

- ‌المبحث الثالثاختلاف القراءات في ألفاظ القرآن الكريم يكثر المعاني في الآية الواحدة

- ‌صورة القاعدة:

- ‌أقوال العلماء في القاعدة:

- ‌الأمثلة التطبيقية على القاعدة:

- ‌المبحث الرابعتأتي القراءة في معنى الترجيح لأحد المعاني القائمة من الآية

- ‌صورة القاعدة:

- ‌أقوال العلماء في القاعدة:

- ‌أمثلة تطبيقية على القاعدة:

- ‌المبحث الخامسالتفسير الموافق لرسم المصحف مقدم على غيره من التفاسير

- ‌صورة القاعدة:

- ‌بيان ألفاظ القاعدة:

- ‌أقوال العلماء في القاعدة:

- ‌الأمثلة التطبيقية على القاعدة:

- ‌الفصل الخامسقواعد الترجيح المتعلقة بالسياق القرآني

- ‌المبحث الأولالقول الذي يدل عليه السياق أولى من غيرهمالم توجد حجة يجب إعمالها

- ‌صورة القاعدة:

- ‌شرح مفردات القاعدة:

- ‌أقوال العلماء في القاعدة:

- ‌الأمثلة التطبيقية على القاعدة:

- ‌المبحث الثانيالقول المبني على مراعاة النظم وظاهر ترتيب الكلام أولى من غيره

- ‌صورة القاعدة:

- ‌شرح مفردات القاعدة:

- ‌أقوال العلماء في القاعدة:

- ‌الأمثلة التطبيقية على القاعدة:

- ‌المبحث الثالثلكل آية مقامها الذي يجري عليه استعمال كلماتهافلا تعارض بين الآيات

- ‌صورة القاعدة:

- ‌شرح مفردات القاعدة:

- ‌موقف العلماء من القاعدة:

- ‌الأمثلة التطبيقية على القاعدة:

- ‌الفصل السادسقواعد الترجيح المتعلقة بالمفردة القرآنية

- ‌المبحث الأولإعمال الأغلب في القرآن وتقديم المفهوم الجاري في استعماله أولى

- ‌صورة القاعدة:

- ‌أقوال العلماء في القاعدة:

- ‌الأمثلة التطبيقية على القاعدة:

- ‌المبحث الثانيزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى

- ‌صورة القاعدة:

- ‌شرح مفردات القاعدة:

- ‌أقوال العلماء في القاعدة:

- ‌الأمثلة التطبيقية على القاعدة:

- ‌المبحث الثالثإذا احتمل اللفظ معان عدة ولم يمتنع إرادة الجميع حمل عليها

- ‌صورة القاعدة:

- ‌أقوال العلماء في القاعدة:

- ‌الأمثلة التطبيقية على القاعدة:

- ‌الفصل السابعتقويم منهج ابن عاشور في الترجيح

- ‌المبحث الأولمعالم منهج ابن عاشور في الترجيح ومميزاته

- ‌المطلب الأولصيغ الترجيح عند ابن عاشور

- ‌المطلب الثانيمنهج ابن عاشور في استعمال وجوه الترجيح

- ‌المطلب الثالثمميزات الترجيح عند ابن عاشور

- ‌المبحث الثانيالمآخذ على منهج ابن عاشور في الترجيح

- ‌المبحث الثالثأثر عقيدة ابن عاشور في صياغة القواعد والترجيح بها

- ‌فهرس المصادر والمراجع

الفصل: ‌الثاني: اختلاف تنوع:

‌الثاني: اختلاف تنوع:

وفي هذا النوع يعمل بقواعد الترجيح لبيان القول الأولى إن احتاج الأمر إلى ذلك وإن كانت الآية تحتمل المرجوح (1).

ويمكن أن نرجع اختلاف السلف في التفسير إلى أنواع معدودة منها:

أولاً: أن يعبر كل واحد من المفسرين عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى

ومثال ذلك: "تفسير الصراط المستقيم " فقد قال بعضهم: هو القرآن، وقيل: الإسلام، وقيل: هو السنة والجماعة، وقيل العبودية، وقيل: طاعة الله ورسوله، فهذه الأقوال كلها تدل على ذات واحدة، لكن وصفها كل منهم بصفة من صفاتها (2).

ونحو ذلك وكل هذه الأنواع من اختلاف التنوع ، وليست من اختلاف التضاد، وهو اختلاف لا ضرر فيه ، قال الزركشي: " يكثر في معنى الآية أقوالهم واختلافهم ويحكيه المصنفون للتفسير بعبارات متباينة الألفاظ ، ويظن من لا فهم عنده أن في ذلك اختلافا فيحكيه أقوالا ، وليس كذلك ، بل يكون كل واحد منهم ذكر معنىً ظهر من الآية، وإنما اقتصر عليه لأنه أظهر عند ذلك القائل أو لكونه أليق بحال السائل، وقد يكون بعضهم يخبر عن الشئ بلازمه ونظيره، والآخر بمقصوده وثمرته ، والكل يؤول إلى معنىً واحد غالباً والمراد الجميع،

(1) فصول في أصول التفسير / مساعد بن سليمان الطيار، ص 98.

(2)

انظر مقدمة في أصول التفسير / ابن تيمية، ص 29.

ص: 129

فليتفطن لذلك، ولا يُفهم من اختلاف العبارات اختلاف المرادات كما قيل:

عباراتنا شتى وحسنك واحد

وكل إلى ذاك الجمال يشير (1).

ثانياً: أن يذكر كل مفسر من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل وتنبيه المستمع على النوع لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه (2).

ومثال ذلك ما نقل في قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ} (3).

فمن المفسرين من قال: السابق الذي يصلي في أول الوقت، والمقتصد الذي يصلي في أثنائه، والظالم لنفسه الذي يؤخر العصر إلى الاصفرار.

ومنهم من يقول: السابق المحسن بأداء المستحبات مع الواجبات، والظالم آكل الربا أو مانع الزكاة ،والمقتصد الذي يؤدي الزكاة المفروضة ولا يأكل الربا ، وأمثال هذه الأقاويل وقيل الظالم هو من يظلم نفسه بركوبه المأثم واجتراحه المعاصي، والمقتصد الغير مبالغ في طاعة ربه، والسابق هو المبرز الذي تقدم (4).

(1) البرهان في علوم القرآن / الزركشي، ج 1، ص 159 - 160.

(2)

مقدمة في أصول التفسير / ابن تيمية، ص 33.

(3)

سورة فاطر، الآية (32).

(4)

انظر جامع البيان / الطبري، ج 22، ص 158 - 159، والإتقان في علوم القرآن / السيوطي، ج 2، ص 389.

ص: 130

ثالثاً: ما يكون اللفظ فيه محتملاً للأمرين أي يكون اللفظ مشتركاً: فإذا اشتمل النص الشرعي على كلمة مشتركة كان غالباً من الاختلاف في تعيين المراد من هذه الكلمة (1).

مثال ذلك لفظة (قروء) في قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} (2).

فإن هذه اللفظة تحتمل في اللغة العربية أكثر من معنى واحد، فتحتمل أن يراد بها عند الإطلاق الحيض، ويحتمل أن يراد بها الطهر، كما تحتمل إرادة المعنيين معاً.

ولما كان هذا اللفظ الشرعي محتملاً، اختلف الفقهاء في المراد من القرء في هذا المقام على قولين:

القول الأول: إن المراد منه الحيض، وهذا قول أهل الكوفة، وقول عمر بن الخطاب وعلى ابن أبي طالب وابن مسعود وأبي موسى ومجاهد وقتادة والضحاك وعِكْرِمَة والسدي.

القول الآخر: هي الأطهار، وهو قول عائشة وابن عمر وزيد بن ثابت والزُّهري وأبان بن عثمان، والشافعي، وهو قول أهل الحجاز (3).

(1) مقدمة في أصول التفسير / ابن تيمية، ص 40.

(2)

سورة البقرة، الآية (228).

(3)

انظر المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 1، ص 304، والجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 3، ص 117.

ص: 131

ومثاله لفظ (قسورة) فإنه يراد بها الرامي، ويراد بها الأسد، ولفظ (عسعس) يراد به إقبال الليل، وإدباره (1).

رابعاً: الاختلاف في وجوه الإعراب (2):

لا شك أن للإعراب تأثيره في المعنى، ومثال الاختلاف في وجوه الإعراب:

اختلافهم في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} (3) حيث جاءت كلمة (الصابئون) في الآية مرفوعة وما قبلها منصوب، والتقدير: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئون كذلك.

قال ابن كثير: لما طال الفصل حسن العطف بالرفع.

وقيل: الصابئون معطوف على محل إن واسمها، ومحلها الرفع، والتقدير: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا، والصابئون كذلك (4).

خامساً: أن يكون في الآية أكثر من قراءة فيفسر كل منهم الآية على حسب قراءة مخصوصة (5):

(1) انظر الإتقان في علوم القرآن / السيوطي، ج 2، ص 390.

(2)

انظر بحوث في أصول التفسير ومناهجه / فهد الرومي، ص 46.

(3)

سورة المائدة، الآية (69).

(4)

انظر البحر المحيط / أبو حيان، ج 3، ص 541، ومدارك التنزيل / النسفي، ج 1، ص 293 - 294، وتفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 2، ص 80، .

(5)

بحوث في أصول التفسير ومناهجه / فهد الرومي، ص 44.

ص: 132

مثال ذلك: ما أخرجه ابن جرير الطبري عن مجاهد في تفسير قوله تعالى: {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ} (1) أن معنى سكرت: سدت ، ثم أخرج عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: سكرت بمعنى أخذت وسحرت ثم أورد قول قتادة من قرأ " سكّرت" مشددة يعني سدت ، ومن قرأ سكرت فإنه يعني سحرت (2).

سادساً: الاختلاف في العموم والخصوص (3):

والعموم والخصوص من أسباب الاختلاف بين المفسرين، فقد يختلفون في عموم لفظ أو خصوصه.

مثال ذلك اختلافهم في تفسير قوله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} (4).

قال الطبري: " اختلف أهل التأويل في هذه الآية: هل نزلت مراد بها كل مشركة، أو مراد بحكمها بعض المشركات دون بعض؟ وهل نسخ منها بعد وجوب الحكم بها شيء أو لا؟

(1) سورة الحجر، الآية (14 - 15).

(2)

انظر جامع البيان / الطبري، ج 14، ص 17.

(3)

بحوث في أصول التفسير ومناهجه / فهد الرومي، ص 49.

(4)

سورة البقرة، الآية (221).

ص: 133

فقال بعضهم: نزلت مرادًا بها تحريم نكاح كل مشركة على كلّ مسلم من أيّ أجناس الشِّرك كانت، عابدةَ وثن كانت، أو كانت يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو من غيرهم من أصناف الشرك، ثم نسخ تحريم نكاح أهل الكتاب بقوله:{يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} (1) إلى {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} (2).

وروى الطبري بسنده عن عكرمة والحسن البصري قالا: " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنَّ ، فنُسخ من ذلك نساء أهل الكتاب، أحلّهُن للمسلمين. وكذلك عن الربيع قوله: " ولا تنكحوا المشركات" إلى قوله: " لعلهم يتذكرون"، قال: حرم الله المشركات في هذه الآية، ثم أنزل في"سورة المائدة"، فاستثنى نساء أهل الكتاب فقال:{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ} .

وقال آخرون: بل أنزلت هذه الآية مرادًا بحكمها مشركات العرب، لم

(1) سورة المائدة، الآية (4).

(2)

سورة المائدة، الآية (5).

ص: 134

ينسخ منها شيء ولم يُستثن، وإنما هي آية عامٌّ ظاهرُها، خاصٌّ تأويلها " (1).

والأصل بقاء العام على عمومه مالم يرد مخصص.

سابعاً: الاختلاف في حمل اللفظ على الحقيقة والمجاز (2):

من ذلك اختلافهم في تفسير: {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} (3) قيل كانت تحمل الأشواك وتنثرها أمام بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إيذاء له ،فكان جزاؤها في الآخرة من جنس عملها في الدنيا، حيث تحمل الحطب على ظهرها في نار جهنم لتزداد النار حرارة والتهاباً وسعيراً عليها وعلى زوجها.

وقيل: كانت تمشي بين الناس بالنميمة فتنمي العداوة بينهم كما تزداد النار اشتعالاً وحرارة حين يلقى الحطب فيها (4).

ثامناً: الاختلاف في الإطلاق والتقييد (5):

من أسباب الاختلاف أيضاً: الاختلاف في الإطلاق والتقييد، فقد يرى بعض المفسرين بقاء المطلق على إطلاقه، وقد يقول بعضهم بتقييد هذا المطلق بقيد ما: من ذلك عتق الرقبة في كفارة اليمين وكفارة الظهار فقد وردت مطلقة

(1) جامع البيان / الطبري، ج 2، ص 451.

(2)

بحوث في أصول التفسير ومناهجه / فهد الرومي، ص 50.

(3)

سورة المسد، الآية (4).

(4)

انظر الجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 20، ص 237.

(5)

بحوث في أصول التفسير ومناهجه / فهد الرومي، ص 49.

ص: 135

كما في قوله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (1).

وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (2).

ووردت مقيدة كما في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ

(1) سورة المائدة، الآية (89).

(2)

سورة المجادلة، الآية (3).

ص: 136

مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} (1).

فحمل بعض المفسرين المطلق على المقيد وقالوا لا تجزئ الرقبة الكافرة، وأبقى بعضهم المطلق على إطلاقه (2).

والأولى بقاء المطلق على إطلاقه مالم يرد ما يقيده، وإذا دار اللفظ بين الإطلاق والتقييد فإنه يحمل على الإطلاق؛ لأن الأصل بقاء الشيء على ما كان عليه.

تاسعاً: ومن أسباب اختلاف المفسرين اختلافهم في النسخ والإحكام (3)

فقد يقول بعض المفسرين بالنسخ لمجرد التعارض، ولو أمعنوا النظر وأعملوا الفكر لما وجدوا تعارضاً بين النصوص يدعو إلى القول بالنسخ، فإعمال النص خير من إهماله، ولقد توسع المتقدمون في النسخ حتى أدخلوا فيه ما ليس منه، فاعتبروا التخصيص والبيان والتقييد من قبيل النسخ ، مثال ذلك اختلافهم في قوله تعالى:{وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} (4) فعن السدي في قوله: {قُلِ الْعَفْوَ} قال هذا نسخته الزكاة، وعن طاوس قال: العفو اليسير من كل شيء، وكان مجاهد

(1) سورة النساء، الآية (92).

(2)

انظر الجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 5، ص 316، ، وتفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 4، ص 193.

(3)

بحوث في أصول التفسير ومناهجه / فهد الرومي، ص 49.

(4)

سورة البقرة، الآية (219).

ص: 137

يقول (العفو) الصدقة المفروضة، وقال الكلبي: كان الرجل بعد نزول هذه الآية إذا كان له مال من ذهب أو فضة أو زرع أو ضرع نظر إلى ما يكفيه وعياله لنفقة سنة أمسكه وتصدق بسائره، وإن كان مما يعمل بيده أمسك ما يكفيه وعياله يوما وتصدق بالباقي، حتى نزلت آية الزكاة المفروضة فنسخت هذه الآية وكل صدقة أمروا بها، وقال قوم: هي محكمة، وفي المال حق سوى الزكاة (1).

والراجح أنها محكمة فلا تعارض بينها وبين ماورد في شأن الزكاة المفروضة، لأن العفو هنا هو اليسير الزائد عن الحاجة، ولا شك أن الزكاة لا تفرض إلا على الأغنياء ونصابها يسير وهو زائد عن حاجة الغني فلا تعارض في ذلك بين هذه الآية والآيات الأخرى.

تلكم أهم أسباب اختلاف المفسرين في التفسير.

وينبغي على المفسر في تعامله مع هذا النوع من الاختلاف أن يعتمد على قواعد الترجيح والتي منها:

مراعاة النظر الكلية الشاملة للآيات، ومراعاة السياق، وأن الأصل عودة الضمير على أقرب مذكور سابق، وأن الأصل هو الأخذ بظاهر النص فالأصل هو إجراء الكلام على معناه الظاهر، فلا نلجأ إلى القول بالمجاز إلا بقرينة تمنع من استعمال المعنى الحقيقي، وأن الأصل بقاء العام على عمومه ما لم يرد ما يخصصه، وبقاء المطلق على إطلاقه ما لم يرد ما يقيده، وأن إعمال النص خير من إهماله وعليه فلا نلجأ للنسخ إلا عند التعارض الشديد، وأن الأصل بقاء

(1) انظر الجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 3، ص 42.

ص: 138

النظم القرآني على نسقه وترتيبه، والاستفادة من تنوع القراءات المتواترة في إثراء المعنى فلا نرجح قراءة متواترة على قراءة أخرى متواترة، ولا يجوز رد القراءة المتواترة ولا تضعيفها، وينبغي أن يجتهد المفسر في التوفيق بين الأقوال حيث لا تعارض بينها، وأن يراعي في تفسيره مقتضيات العصر ومستجداته ومعطياته العلمية.

أما ما ورد من أقوال مختلفة في التفسير لا يمكن الجمع بينها بوجه من الوجوه: فسبيلنا فيها النظر في صحة تلك الآراء المتناقضة فنقدم الصحيح على الضعيف، ويقدم تفسير الصحابة على تفسير التابعين، فإن كان الخلاف في تفسير الصحابة ينظر في الأمر: فإن كان للصحابي الواحد قولان متناقضان ينظر في المتأخر منهما فيعتمد لأنه يدل على تراجعه عن رأيه القديم، فقد يرى رأياً ثم يثبت له بعد ذلك ضعفه، وإن خالف الصحابي الواحد سائر الصحابة يقدم رأي جمهور الصحابة على رأي الواحد منهم، وإن خالف رأي صحابي رأي صحابي آخر يقدم رأي أرسخهما قدماً في التفسير كابن عباس رضي الله عنهما وهذا ما ذهب إليه الزركشي، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا لابن عباس فقال:" اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل "

أما إذا تعارض التفسير بالرأي مع التفسير النبوي ولم يمكن التوفيق بينهما: فيقدم التفسير النبوي لأنه لا اجتهاد مع نص، وكذا إذا تعارض التفسير بالرأي مع ما ثبت من أقوال الصحابة؛ لأن ما يصح نسبته إلى الصحابة في التفسير النفس إليه أميل؛ لاحتمال سماعه من الرسول صلى الله عليه وسلم، ولما امتازوا به من الفهم الصحيح والعمل الصالح ،ولما اختصوا به من معاينة أسباب التنزيل.

ص: 139

لكن إذا تعارض التفسير بالرأي مع تفسير التابعي ينظر في المسألة فإن كان التابعي مما لم يعرف بالأخذ عن أهل الكتاب أو كان التفسير في ما فيه مجال للرأي، فحينئذ نلجأ للترجيح بين التفسير بالرأي وقول التابعي إلا إذا كان إجماعا للتابعين فإنه يقدم على التفسير بالرأي ، وذلك كله بشرط وجود التعارض الحقيقي أما إذا تيسر الجمع بين المعقول والمنقول فلا نلجأ إلى الترجيح (1).

(1) مناهل العرفان / الزرقاني ، ج 2 ، ص 48.

ص: 140