الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثالث
مميزات الترجيح عند ابن عاشور
ظهرت عناية ابن عاشور بقواعد الترجيح المتعلقة بالنص القرآني من خلال الدلالة على أصح الأقوال، وإليك أبرز مميزاته في الترجيح:
1 -
ميّز ابن عاشور بين النسخ وغيره من الأمور المتشابهة، وفرّق بين تخصيص العام والنسخ، كما فرّق بين تقييد المطلق والنسخ، وكذلك بينه وبين البيان والاستثناء، وكان من نتائج تحريه ودقته في مسائل النسخ أن انعكس ذلك على ترجيحاته فمثلاً عند قوله تعالى:{كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} (1). ذكر بعض العلماء: "إن حكم هذه الآية منسوخ بآية الزكاة، وكان هذا قبل أن تفرض الزكاة ، فلما فرضت الزكاة نسخ الله بها كل صدقة في القرآن (2).
في حين قرر ابن عاشور أن هذه الآية محكمة حيث قال: " وعلى القول المختار فهذه الآية غير منسوخة، ولكنّها مخصّصة ومبيَّنة بآيات أخرى وبما يبيّنه النَّبي صلى الله عليه وسلم فلا يُتعلّق بإطلاقها، وعن السدّي أنَّها نسخت بآية الزّكاة يعني:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} (3)، وقد كان المتقدّمون يسمّون التّخصيص
(1) سورة الأنعام، الآية (141).
(2)
وهو مذهب إبراهيم النخعي، والحسن البصري، والسدي. وروي عن ابن عباس، وابن الحنفية، وسعيد بن جبير. انظر جامع البيان / الطبري، ج 8، ص 70.
(3)
سورة التوبة، الآية (103).
نسخاً " (1). .وكذلك قال عند قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} (2) ذهب بعض المفسرين إلى أنها منسوخة بقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} (3) (4) أما ابن عاشور فقد ذكر أن الآية محكمة ومن قوله: "والحق أن هذا بيان لا نسخ، كما حققه المحققون، ولكن شاع عند المتقدمين من إطلاق النسخ على ما يشمل البيان (5).
2 -
إنه يرد على الروافض ويبين أصولهم ويُفنّدُها، فظهرت ترجيحاته حازمة عليهم، فعلى سبيل المثال عند قوله تعالى:{إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} (6) رجَّح ابن عاشور أن أهل البيت هم: أزواج النبي صلى الله عليه وسلم.
فقال: "والخطاب موجه إليهن وكذلك ما قبله وما بعده، لا يخالط أحداً شك في ذلك، ولم يفهم منها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعون إلا أن أزواج النبي عليه الصلاة والسلام هن المراد بذلك ، وأن النزول في شأنهنّ ، وأما ما رواه الترمذي عن عطاء بن أبي رباح عن عُمر بن أبي سلمة قال: "لما نزلت على النبي
(1) التحرير والتنوير، ج 5، ص 122.
(2)
سورة آل عمران، الآية (102)
(3)
سورة التغابن، الآية (16).
(4)
انظر نواسخ القرآن / ابن الجوزي، ج 1، ص 107.
(5)
التحرير والتنوير، ج 3، ص 30.
(6)
سورة الأحزاب، الآية (33).
- صلى الله عليه وسلم: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} في بيت أم سلمة دعا فاطمةَ وحسناً وحسيناً فجَلَّلهم بكساء وعليٌّ خلْف ظهره ثم قال: " اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهِب عنهم الرجس وطهِّرهم تطهيراً ". وقال: هو حديث غريب من حديث عطاء عن عمر بن أبي سلمة ولم يَسِمْه الترمذي بصحة ولا حُسن، ووسمه بالغرابَة. وفي «صحيح مسلم» عن عائشة: خرج رسول الله غداةً وعليه مرط مرحَّل فجاء الحسن فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال:{إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} وهذا أصرح من حديث الترمذي. فمَحمله أن النبي صلى الله عليه وسلم ألحق أهل الكساء بحكم هذه الآية وجعلهم أهلَ بيته، وبهذا يتضح أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم هن آل بيته بصريح الآية، وأن فاطمة وابنيْها وزوجها مجعولون أهل بيته بدعائه أو بتأويل الآية على محاملها. ولذلك هُمْ أهل بيته بدليل السنة، وكل أولئك قد أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، بعضه بالجعل الإلهي، وبعضه بالجعل النبوي. وقد تلقّف الشيعة حديث الكساء فغصبوا وصف أهل البيت، وقصروه على فاطمة وزوجها وابنيهما عليهم الرضوان، وزعموا أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لسن من أهل البيت.
وهذه مصادمة للقرآن بجعل هذه الآية حشواً بين ما خوطب به أزواج النبي. وليس في لفظ حديث الكساء ما يقتضي قصر هذا الوصف على أهل الكساء إذ ليس في قوله: «هؤلاء أهل بيتي» صيغة
قصر ، وهو كقوله تعالى:{إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي} (1) ليس معناه ليس لي ضيف غيرهم، وهو يقتضي أن تكون هذه الآية مبتورة عما قبلها وما بعدها ، ويظهر أن هذا التوهم من زمن عصر التابعين، وأن منشأه قراءة هذه الآية على الألسن دون اتصال بينها وبين ما قبلها وما بعدها.
ويدل لذلك ما رواه المفسرون عن عكرمة أنه قال: من شاء باهلته أنها نزلت في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه قال أيضاً: ليس بالذي تذهبون إليه، إنما هو نساء النبي صلى الله عليه وسلم وأنه كان يصرخ بذلك في السوق ، وحديث عمر بن أبي سلمة صريح في أن الآية نزلت قبل أن يدعو النبي الدعوة لأهل الكساء وأنها نزلت في بيت أم سلمة. وأما ما وقع من قول عُمر بن أبي سلمة: أن أم سلمة قالت: وأنا معهم يا رسول الله؟ فقال: " أنت على مكانك وأنتِ على خير ". فقد وهم فيه الشيعة فظنوا أنه منعها من أن تكون من أهل بيته، وهذه جهالة لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد أن ما سألته من الحاصل، لأن الآية نزلت فيها وفي ضرائرها، فليست هي بحاجة إلى إلحاقها بهم، فالدعاء لها بأن يذهب الله عنها الرجس ويطهرها دعاء بتحصيل أمر حصل وهو مناف بآداب الدعاء كما حرره شهاب الدين القرافي في الفرق بين الدعاء المأذون فيه والدعاء الممنوع منه، فكان جواب النبي صلى الله عليه وسلم تعليماً لها. وقد وقع في بعض الروايات أنه قال لأم سلمة:" إنكِ من أزواج النبي "، وهذا أوضح في المراد بقوله:«إنك على خير» " (2).
(1) سورة الحجر، الآية (68).
(2)
التحرير والتنوير، ج 11، ص 15 - 16.
3 -
إنه يرد عل الروايات الواهية والأسانيد المغلوطة ويقوّمُها ، فمثلاً عند قوله تعالى:{وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} (1) ذكر الطبري وغيره من المفسرين تلك الروايات الواهية ولم يعلق عليها، في حين نجد ابن عاشور ذكر الرواية وبيَّن خطأها، وفي ذلك يقول: " وقد رويت في هذه القصة أخبار مخلوطة، فإياك أن تتسرب إلى نفسك منها أغلوطة، فلا تصْغ ذهنك إلى ما ألصقه أهل القصص بهذه الآية من تبسيط في حال النبي صلى الله عليه وسلم حين أمر زيداً بإمساك زوجه، فإن ذلك من مختلقات القصاصين؛ فإما أن يكون ذلك اختلاقاً من القصاص لتزيين القصة، وإما أن يكون كله أو بعضه من أراجيف المنافقين وبهتانهم ، فتلقفه القصاص وهو الذي نجزم به.
ومما يدل لذلك أنك لا تجد فيما يؤثر من أقوال السلف في تفسير هذه الآية أثراً مسنداً إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى زيد أو إلى زينب أو إلى أحد من الصحابة رجالهم ونسائهم، ولكنها كلها قصص وأخبار وقيل وقال. ولسوء فهم الآية كبر أمرها على بعض المسلمين واستفزّت كثيراً من الملاحدة وأعداء الإسلام من
(1) سورة الأحزاب، الآية (37).
أهل الكتاب. وقد تصدى أبو بكر بن العربي في «الأحكام» لوهن أسانيدها وكذلك عياض في «الشفاء» والآن نريد أن ننقل مجرى الكلام إلى التسليم بوقوع ما روي من الأخبار الواهية السند لكي لا نترك في هذه الآية مهواة لأحد. ومجموع القصة من ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء بيت زيد يسأل عنه فرأى زينب متفضلة، وقيل رفعتْ الريحُ ستار البيت فرأى النبي عليه الصلاة والسلام زينب فجأة على غير قصد فأعجبه حسنها وسبَّح اللَّه، وأن زينب علمت أنه وقعت منه موقع الاستحسان وأن زيداً علم ذلك وأنه أحب أن يطلقها ليؤثر بها مولاه النبي صلى الله عليه وسلم وأنه لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك قال له:{أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ} (وهو يودّ طلاقها في قلبه ويعلم أنها صائرة زوجاً له).وعلى تفاوت أسانيده في الوهن أُلقي إلى الناس في القصة فانتُقل غَثه وسمينه، وتُحُمِّل خِفه ورزينه، فأخذ منه كلٌّ ما وسعه فهمُه ودينه " (1).
ومن ذلك أيضاً ردّه لتلك الروايات التي وردت في شأن يوسف عليه السلام عند قوله تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} (2)
…
، حيث فصّل في تفسير الآية ، وذكر أن الله صرف يوسف عن الهم بها ، وأن الله عصمه، وذكر وجه جميل في تفسير الهم من تفسير أبي عبيدة وهو أن هذا على التقديم والتأخير؛ أي تقديم الجواب وتأخير الشرط، كأنه قال: " ولقد همّت به
(1) التحرير والتنوير، ج 11، ص 35 - 36.
(2)
سورة يوسف، الآية 24.
ولولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها " وعاب ابن عاشور على الطبري طعنه في هذا التأويل بأن جواب لولا لا يتقدم عليها وذكر قول أبي عبيدة ومن قوله: " ويدفع هذا الطعن أن أبا عبيدة لما قال ذلك علمنا أنه لا يرى منع تقديم جواب (لولا)، على أنه قد يجعل المذكور قبل (لولا) دليلاً للجواب والجواب محذوفاً لدلالة ما قبل (لولا) عليه. ولا مفرّ من ذلك على كل تقدير فإن (لولا) وشرطها تقييد لقوله:(وهمّ بها) على جميع التأويلات، فما يقدّر من الجواب يقدّر على جميع التأويلات " (1). .
4 -
حرص ابن عاشور على الترجيح بين أقوال المفسرين، كما أنه لا يكتفي بالترجيح فقط، وإنما يذكر سبب الترجيح، فعلى سبيل المثال عند تفسيره لقوله تعالى:{ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} (2). ذكر خلاف المفسرين وترددهم في المراد من التفث من قوله {تَفَثَهُمْ} وبعد أن ساق أقوال المفسرين رجّح ما يراه راجحاً ، وذكر أن ذلك يؤيده ما جاء في السنة.
وهذا قوله: " وعندي: أن فعل (ليقضوا) ينادي على أن التفث عمل من أعمال الحج ، وليس وسَخاً ولا ظفراً ولا شعراً. ويؤيده ما روي عن ابن عمر وابن عباس آنفاً. وأن موقع (ثمّ) في عطف جملة الأمر على ما قبلها ينادي على معنى التراخي الرتبي فيقتضي أنّ المعطوف بـ (ثمّ) أهم مما ذكر قبلها فإن أعمال
(1) التحرير والتنوير، ج 6، ص 253.
(2)
سورة الحج، الآية (29).
الحج هي المهم في الإتيان إلى مكة، فلا جرم أن التفث هو من مناسك الحجّ وهذا الذي درج عليه الحريري في قوله في المقامة المكية:«فلمّا قضيت بعون الله التفث، واستبحت الطيبَ والرفث، صادف موسم الخَيف، معمعان الصيف» (1). .
5 -
من مميزاته أيضاً أنه لا يكتفي فقط بالترجيح بالقاعدة، وإنما يناقش ويوجّه، ويلوم بعض المفسرين لأنهم لم يلتزموا بالترجيح ضمن القاعدة.
على سبيل المثال عند قوله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} (2) من سورة البلد رجّح ابن عاشور أن المراد بالكبد التعب الذي يلازم أصحاب الشرك وذلك لتناسب هذا المعنى مع السياق، وعاب على المفسرين إبعادهم في تفسير الكبد وعدم اعتبارهم للسياق حيث يقول: " وقد تعددت أقوال المفسرين في تقرير المراد بالكَبَد، ولم يعرج واحد منهم على ربط المناسبة بين ما يفسِّر به الكَبَد وبين السياق المسوق له الكلام وافتتاحِه بالقسم المشعر بالتأكيد وتوقع الإنكار، حتى كأنَّهم بصدد تفسير كلمة مفردة ليست واقعة في كلام يجب التِئامُه، ويَحِق وئامه. وقد غضُّوا النظر عن موقع فِعل (خلقنا) على تفسيرهم الكبد إذ يكون فعل (خلقنا) كمعذرة للإِنسان الكافر في ملازمة الكَبد له إذ هو مخلوق فيه. وذلك يحط من شدة التوبيخ والذم، فالذي يلتئم مع السياق ويناسب القسم أن الكبد التعب الذي يلازم أصحاب الشرك من اعتقادهم تعدد
(1) التحرير والتنوير، ج 8، ص 249.
(2)
سورة البلد، الآية (4).
الآلهة " (1).
وكذلك عند قوله تعالى: {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} (2) أبطل عمل بعض المفسرين كالزمخشري في مقارنته بين جبريل والرسول صلى الله عليه وسلم، وعاب عليه عدم النظر إلى سياق الآيات بغية التأصيل للمذهب الاعتزالي ومن قوله:" والمعنى: أن الذي تخاصمونه وتكذبونه وتصفونه بالجنون ليس بمجنون وأنكم مخالطوه وملازموه وتعلمون حقيقته فما قولكم عليه: «إنه مجنون» إلا لقصد البهتان وإساءة السمعة. فهذا موقع هذه الجملة مع ما قبلها وما بعدها، والقصد من ذلك إثبات صدق محمد صلى الله عليه وسلم ولا يخطر بالبال أنها مسوقة في معرض الموازنة والمفاضلة بين جبريل ومحمد عليهما السلام والشهادة لهما بمزاياهما حتى يشم من وفرة الصفات المجراة على جبريل أنه أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم ولا أن المبالغة في أوصاف جبريل مع الاقتصاد في أوصاف محمد صلى الله عليه وسلم تؤذن بتفضيل أولهما على الثاني .. ومن أسمج الكلام وأضعف الاستدلال قول صاحب «الكشاف»: " وناهيك بهذا دليلاً على جلالة مكانة جبريل عليه السلام ومباينة منزلته لمنزلة أفضل الإنس محمد صلى الله عليه وسلم إذا وازنت بين الذِّكْرين وقايست بين قوله: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ} (3)، وبين قوله: {وَمَا صَاحِبُكُمْ
(1) التحرير والتنوير، ج 15، ص 351.
(2)
سورة التكوير، الآية (22).
(3)
سورة التكوير، الآية (19 - 20).
بِمَجْنُونٍ} (1) اهـ.
وكيف انصرف نظرُه عن سياق الآية في الرد على أقوال المشركين في النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقولوا في جبريل شيئاً لأن الزمخشري رام أن ينتزع من الآية دليلاً لمذهب أصحاب الاعتزال من تفضيل الملائكة على الأنبياء، وهي مسألة لها مجال آخر، على أنك قد علمتَ أن الصفات التي أجريت على (رسول) في قوله تعالى:{إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} إلى قوله: (أَمِينٍ)، غيرُ متعين انصرافُها إلى جبريل فإنها محتملة الانصراف إلى محمد صلى الله عليه وسلم وقد يطغى عليه حب الاستدلال لعقائد أهل الاعتزال طغياناً يرمي بفهمه في مهاوي الضَّآلة، وهل يسمح بال ذي مسكة من علم بمجاري كلام العقلاء أن يتصدى متصد لبيان فضل أحد بأن ينفي عنه أنه مجنون، وهذا كله مبني على تفسير:{رَسُولٍ كَرِيمٍ} بجبريل فأما إن أريد به محمد صلى الله عليه وسلم أوْ هو وجبريل عليهما السلام فهذا مقتلَع من جذره. ولا يخفى أن العدول عن اسم النبي العَلَم إلى (صَاحِبُكُمْ) لما يؤذن به (صَاحِبُكُمْ) من كونهم على علم بأحواله، وأما العدول عن ضميره إن كان المراد بـ (رسول) خصوص النبي صلى الله عليه وسلم فمن الإظهار في مقام الإِضمار للوجه المذكور وإذا أريد بـ (رسول) كلاهما فذكر (صَاحِبُكُمْ) لتخصيص الكلام به " (2).
(1) الكشاف / الزمخشري، ج 6، ص 326.
(2)
التحرير والتنوير، ج 15، ص 158.
وهذا من أهم مميزاته فيما يتعلق بالترجيح، وأما مميزاته في التفسير بشكل عام فأذكر منها:
1 -
إنه يردّ على أهل العقائد الضالة ويبين بطلان دعواهم في التفسير ومن ذلك ما ذكره عند قوله تعالى: " {وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (35) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (1). قال ابن عاشور: " قفُّوا على صريح كفرهم بالقرآن وغيره من الشرائع بكلام كَنَّوْا به عن إبطال حقية الإِسلام بدليل سفسطائي ، فجعلوا كثرة أموالهم وأولادهم حجة على أنهم أهل حظ عند الله تعالى، فضمير (وَقَالُوا) عائد إلى (الذين كفروا) من قوله:{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ} (2) وهذا من تمويه الحقائق بما يحفّ بها من العوارض فجعلوا ما حف بحالهم في كفرهم من وفرة المال والولد حجةً على أنهم مظنة العناية عند الله وأن ما هم عليه هو الحق. وهذا تعريض منهم بعكس حال المسلمين بأن حال ضعف المسلمين، وقلة عددهم، وشظِف عيشهم حجة على أنهم غير محظوظين عند الله، ولم يتفطنوا إلى أن أحوال الدنيا مسببة على أسباب دنيوية لا علاقة لها بأحوال الأولاد. وهذا المبدأ الوهمي السفسطائي خطير في العقائد الضالة التي كانت لأهل الجاهلية والمنتشرة عند غير
(1) سورة سبأ 35 - 36.
(2)
سورة سبأ، الآية (31).
المسلمين، ولا يخلو المسلمون من قريب منها في تصرفاتهم في الدين ومرجعها إلى قياس الغائب على الشاهد وهو قياس يصادف الصواب تارة ويخطئه تارات. ومن أكبر أخطاء المسلمين في هذا الباب خطأ اللجَأ إلى القضاء والقدر في أعذارهم، وخطأ التخلق بالتوكل في تقصيرهم وتكاسلهم.
فجملة {وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا} عطف على جملة {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ} الخ، وقولهم:{وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} كالنتيجة لقولهم: {نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا} ، وإنما جيء فيه بحرف العطف لترجيح جانب الفائدة المستقلة على جانب الاستنتاج الذي يومئ إليه ما تقدمه وهو قولهم:{نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا} فحصل من هذا النظم استدلال لصحة دينهم ولإِبطال ما جاء به الإِسلام ثم الافتخار بذلك على المسلمين والضعة لِجانب المسلمين بإِشارة إلى قياس استثنائي بناء على ملازمة موهومة، وكأنهم استدلوا بانتفاء التعذيب على أنهم مقرّبون عند الله بناء على قياس مساواة مطوي فكأنهم حصروا وسائل القرب عند الله في وفرة الأموال والأولاد. ولولا هذا التأويل لخلت كلتا الجملتين عن أهم معنييهما وبه يكون موقع الجواب بـ {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} أشدّ اتصالاً بالمعنى، أي قل لهم: إن بسط الرزق وتقتيره شأن آخر من تصرفات الله المنوطة بما قدره في نظام هذا العالم، أي فلا ملازمة بينه وبين الرشد والغي، والهدى والضلال، ولو تأملتم أسباب الرزق لرأيتموها لا تلاقي أسباب الغي
والاهتداء، فربما وسع الله الرزق على العاصي وضيّقه على المطيع وربما عكس فلا يغرنهم هذا وذاك فإنكم لا تعلمون. وهذا ما جعل قوله:{وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} مصيباً المحزّ. فأكثر الناس تلتبس عليهم الأمور فيخلطون بينها ولا يضعون في مواضعها زيْنها وشَيْنها (1).
2 -
يطرح بعض الأمور المشكلة ويجيب عليها كما في قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا} (2) حيث يقول: " فإن قلت هل تكون هذه الآية حجة للذين قالوا من علمائنا: إن إعجاز القرآن بالصرفة، أي أعجز الله المشركين عن معارضته أي صرفهم عن محاولة المعارضة لتقوم الحجة عليهم، فتكون الصرفة من جملة الأكنة التي جعل الله على قلوبهم.
قلت: لم يحتجّ بهذه الآية أصحاب تلك المقالة لأنك قد علمت أن الأكنة تخييل ،
وأن الوقر استعارة وأن قول النظر (ما أدري ما أقول) بهتان ومكابرة، ولذلك
قال الله تعالى: {وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا} " (3)
…
.
3 -
لم يغرق ابن عاشور في ذكر الإسرائيليات، ولم يذكر الروايات
(1) التحرير والتنوير، ج 11، ص 213.
(2)
سورة الأنعام، الآية (25).
(3)
التحرير والتنوير، ج 4، ص 180.
والأخبار غير الصحيحة، التي تتعلق بقصص الأنبياء، كما فعل كثير من المفسرين بالمأثور، وهذه مزية تسجل له ، وليس معنى هذا أن تفسيره قد سلم من الإسرائيليات تماماً، فقد ورد فيه بعضها، ولكن تلك الإسرائيليات قليلة جداً فيه إذا ما قورن بالتفاسير الأخرى.
4 -
من مميزاته أيضاً في التفسير أنه إذا رأى تفسيراً مخالفاً لما عليه جمهور المفسرين نبّه إلى ذلك، وبيّن أنه لم يسبقه إليه أحد ، كما جاء عنه في تفسير قوله تعالى:{وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ} (1) ذكر ابن عاشور أن الأمر بالاستماع حقيقته الإنصات والإصغاء، وأن جمهور المفسرين حملوا الاستماع على حقيقته، ثم ذكر أن ابن عطية نحا إلى حمل (استمع) على المجاز، أي انتظر. قال:«لأن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يؤمر بأن يستمع في يوم النداء؛ لأن كل مَن فيه يستمع وإنما الآية في معنى الوعيد للكفار فقيل لمحمد صلى الله عليه وسلم تحسس هذا اليوم وارتقبه فإن فيه تبّين صحة ما قلته» اهـ. ثم ذكر ابن عاشور أنه لم يسبقه إلى هذا المعنى أحد (2).
5 -
تمكنه من اللغة، الأمر الذي جعله يرد على من لا يحسن اختيار الألفاظ في القرآن الكريم، ويصحح العبارات الخاطئة، فعلى سبيل المثال عند تفسيره لقوله تعالى: {أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ
(1) سورة ق، الآية (41).
(2)
انظر التحرير والتنوير، ج 21، ص 329.
كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (9) وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ} (1) قال: " وسمَّى الطيبي هذا الانتقال إلى ذكر داود وسليمان تخلصاً، والوجه أن يسميه استطراداً أو اعتراضاً وإن كان طويلاً، فإن الرجوع إلى ذكر أحوال المشركين بعدما ذكر من قصة داود وسليمان وسبأ يرشد إلى أن إبطال أحوال أهل الشرك هي المقصود من هذه السورة (2).
6 -
يتكلم عن ضلالات بعض الفرق ويبيّن عقائدهم، كما حصل ذلك عند حديثه عن البابية والبهائية في معرض تفسيره لقوله تعالى:{مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} (3) حيث يقول: " وقد أجمع الصحابة على أن محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل والأنبياء، وعُرف ذلك وتواتر بينهم وفي الأجيال من بعدهم، ولذلك لم يترددوا في تكفير مسيلمة والأسود العَنْسِي ، فصار معلوماً من الدين بالضرورة ، فمن أنكره فهو كافر خارج عن الإِسلام ولو كان معترفاً بأن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله للناس كلّهم
…
إلى أن يقول: " ولذلك لا يتردد مسلم في تكفير من يُثبت نبوةً لأحد بعد محمد صلى الله عليه وسلم وفي إخراجه من حظيرة الإِسلام، ولا تعرف
(1) سورة سبأ، الآية (6 - 10).
(2)
التحرير والتنوير، ج 11، ص 155.
(3)
سورة الأحزاب، الآية (40).
طائفة من المسلمين أقدمت على ذلك إلا البابِيَّة والبَهائية وهما نحْلتان مشتقة ثانيتهما من الأولى. وكان ظهور الفرقة الأولى في بلاد فارس في حدود سنة مائتين وألف وتسربت إلى العراق وكان القائم بها رجلاً من أهل شيراز يدعوه أتباعه السيد علي محمد، كذا اشتهر اسمه، كان في أول أمره من غلاة الشيعة الإِمامية. أخذ عن رجل من المتصوفين اسمه الشيخ أحمد زين الدين الأَحسائي الذي كان ينتحل التصوف بالطريقة الباطنية ، وهي الطريقة المتلقاة عن الحلاج. وكانت طريقته تعرف بالشيخية، ولما أظهر نحلته علي محمد هذا لقبَ نفسه بَاب العلم فغلب عليه اسم الباب. وعرفت نحلته بالبَابِيّة وادعى لنفسه النبوءة وزعم أنه أوحي إليه بكتاب اسمه «البيان» وأن القرآن أشار إليه بقوله تعالى:{خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} (1)،
وكتاب «البيان» مؤلف بالعربية الضعيفة ومخلوط بالفارسية. وقد حكم عليه بالقتل فقتل سنة (1266 هـ) في تبريز.
…
وأما البهائية فهي شعبة من البابِيّة تنسب إلى مؤسسها الملقّب ببهاء الله واسمه ميرزا حُسين عَلي من أهل طهران تتلمذ للباب بالمكاتبة وأخرجته حكومة شاه العجم إلى بغداد بعد قتل الباب. ثم نقلته الدولة العثمانية من بغداد إلى أدرنة ، ثم إلى عكا، وفيها ظهرت نحلته وهم يعتقدون نبوة الباب وقد التفّ حوله أصحاب نحلة البابيّة وجعلوه خليفة البَاب فقام اسم البهائية مقام اسم البَابية فالبهائية هم البابية. وقد كان البهاء بَنى بناء في جبل الكرمل ليجعله مدفناً
(1) سورة الرحمن، الآية (3 - 4) ..
لرفات (الباب) وآل أمره إلى أن سجنته السلطنة العثمانية في سجن عَكا فلبث في السجن سبعَ سنوات ولم يطلق من السجن إلا عند ما أُعلن الدستور التركي فكان في عداد المساجين السياسيين الذين أُطلقوا يومئذٍ فرحل منتقلاً في أوروبا وأميركا مدة عامين ثم عاد إلى حيفا فاستقرّ بها إلى أن توفي سنة (1340 هـ) وبعد موته نشأ شقاق بين أبنائه وإِخوته فتفرقوا في الزعامة وتضاءلت نحلتهم. فمن كان من المسلمين متّبعاً للبَهائية أو البابية فهو خارج عن الإِسلام مرتدّ عن دينه تجري عليه أحكام المرتدّ. ولا يرث مسلماً ويرثه جماعة المسلمين ولا ينفعهم قولهم: إنا مسلمون ولا نطقهم بكلمة الشهادة لأنهم يثبتون الرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم ولكنهم قالوا بمجيء رسول من بعده. ونحن كفَّرنا الغُرابية من الشيعة لقولهم: بأن جبريل أرسل إلى علي ولكنه شُبّه له محمد بعليّ إذ كان أحدهما أشبه بالآخر من الغراب بالغراب (وكذبوا) فبلغ الرسالة إلى محمد صلى الله عليه وسلم فهم أثبتوا الرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم ولكنهم زعموه غير المعيّن من عند الله.
وتشبه طقوس البهائية طقوس الماسونية إلا أن البهائية تنتسب إلى التلقي من الوحي الإِلهي، فبذلك فارقت الماسونية وعُدّت في الأديان والملل ولم تعد في الأحزاب (1).
(1) التحرير والتنوير، ج 11، ص 46 - 47.