الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث السابع والأربعون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْحَجِّ، فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ أَوْ جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ.
وقوله: "ومنَّا من أهلَّ بعمرة، ومنا من أهلَّ بحجة وعمرة" أي: جمع بينهما، ولأبي ذر بحج وعمرة.
وقوله: "ومنا من أهل بالحج" أي: فقط، وكانوا أولًا لا يعرفون إلا الحج، فبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم وجوه الإِحرام، وجوَّز لهم الاعتمار في أشهر الحج.
والحاصل من مجموع الأحاديث أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا ثلاثة أقسام: قسم أحرموا بحج وعمرة أو بحج ومعهم الهدي، وقسم بعمرة ففرغوا منها ثم أحرموا بالحج، وقسم بحج ولا هدي معهم، فأمرهم النبي-صلى الله عليه وسلم أن يقبلوه عمرة وهو معنى فسخ الحج إلى العمرة، وأما عائشة رضي الله تعالى عنها، فكانت أهلَّت بعمرة، ولم تسق هديًا، ثم أدخلت عليها الحج.
وقوله: "أهلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج" أي: مفردًا، ثم أدخل عليه العمرة، وقوله:"لم يحلوا حتى كان يوم النحر" كذا فيه، وسيأتي في حجة الوداع بلفظ: فلم يحلوا بزيادة فاء، وهو الوجه، وفي هذا الحديث جميع أنواع الحج من تمتع وقران وإفراد. وقد قال النووي: أجمع العلماء على جواز الأنواع الثلاثة: الإِفراد والتمتع والقِران، واختلفوا في أيها أفضل بحسب اختلافهم فيما فعله عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع.
ومذهب المالكية والشافعية أن الإِفراد أفضل لأنه صلى الله عليه وسلم اختاره أولًا، ولأن رواته أخص به صلى الله عليه وسلم في هذه الحجة، فإن منهم جابرًا وهو أحسنهم سياقًا لحجه عليه الصلاة والسلام، ومنهم ابن عمر، وقد قال: كنت تحت ناقته عليه الصلاة والسلام، يمسني لعابها، أسمعه يلبي بالحج، وعائشة وقربها منه عليه الصلاة والسلام، واطلاعها على باطن أمره وعلانيته، كله معروف مع فقهها، وابن عباس وهو بالمحل المعروف من الفقه والفهم الثاقب، ولأن الخلفاء
الراشدين بعد النبي صلى الله عليه وسلم أفردوا بالحج وواظبوا عليه، وما وقع من الاختلاف عن علي وغيره، فإنما فعلوه لبيان الجواز، وإنما أدخل النبي-صلى الله عليه وسلم العمرة على الحج لبيان جواز الاعتمار في أشهر الحج، ثم إن الأفضل بعد الإِفراد التمتع ثم القران، هذا عند الشافعية.
وعند المالكية: الذي يلي الإِفراد في الفضل القران لأن القارن في عمله كالمفرد، والمشابه للأفضل يعقبه في الفضل، وعند الشافعية: القران أفضل من الإِفراد للذي لا يعتمر في سنته، قال النووي: لا شك في ذلك، ولم ينقل أحد أن الحج وحده أفضل من القرآن، وتعقبه في الفتح بأن الخلاف ثابت في ذلك قديمًا وحديثًا، أما قديمًا فالثابت عن عمر أنه قال: إنه أتم لحجكم وعمرتكم أن تنشئووا لكل منهما سفرًا، وعن ابن مسعود نحوه أخرجه ابن أبي شيبة وغيره.
وأما حديثًا، فقد صرح القاضي حسين والمتولي بترجيح الإِفراد، ولو لم يعتمر في تلك السنة، وقد قال عياض: إن إحرامه عليه الصلاة والسلام تظافرت الروايات الصحيحة بأنه كان مفردًا، وأما رواية من روى أنه كان متمتعًا معناه أمره به لأنه صرح بقوله: ولولا أن معي الهدي لأحللت، فصحَّ أنه لم يتحلل، وأما رواية من روى القِران فهو إخبار عن آخر أحواله لأنه أدخل العمرة على الحج لما جاء إلى الوادي، وقيل له: قل عمرة في حجة، وهذا الجمع هو المعتمد، وقد سبق إليه ابن المنذر وابن حزم، وملخصه أن كل من روى عنه الإِفراد حمل على ما أهل به في أول الحال، وكل من روى عنه التمتع أراد ما أمر به أصحابه، وكل من روى عنه القرآن أراد ما استقر عليه أمره.
وذهب جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى أن التمتع أفضل، وهو قول أحمد في المشهور عنه، واحتجوا بأنه عليه الصلاة والسلام تمناه، فقال: لولا أني سقت الهدي لأحللت، ولا يتمنى إلا الأفضل، وأجيب بأنه إنما تمناه تطييبًا لقلوب أصحابه لحزنهم على فوات موافقته، وإلا فالأفضل ما اختاره الله له، واستمر عليه، وقال القاضي حسين: إن ظاهر هذا الحديث غير مراد بالإجماع لأن ظاهره أن سوق الهدي يمنع انعقاد العمرة، وقد انعقد الإجماع على خلافه، وقال ابن قدامة: يترجح التمتع بأن الذي يفرد إن اعتمر بعدها فهي عمرة مختلف في إجزائها عن حجة الإِسلام بخلاف عمرة التمتع فهي مجزئة بلا خلاف، فيترجح التمتع على الإِفراد، ويليه القرآن.
وقال أبو حنيفة والثوري وإسحاق بن راهويه أن القِران أفضل من التمتع والإفراد، ثم التمتع، ثم الإفراد. واختاره من الشافعية المزني وابن المنذر وأبو إسحاق المروزي، ومن
المتأخرين تقي الدين السبكي، وبحث مع النووي في اختياره أنه صلى الله عليه وسلم كان قارنًا، وأن الإِفراد مع ذلك أفضل مستندًا إلى أنه عليه الصلاة والسلام اختار الإِفراد أولًا، ثم أدخل عليه العمرة لبيان جواز الاعتمار في أشهر الحج لكونهم كانوا يعتقدونه من أفجر الفجور كما في ثالث أحاديث الباب، وملخص ما تعقب به كلامه أن البيان قد سبق منه صلى الله عليه وسلم في عُمَرِه الثلاث فإنه أحرم في كل منها في ذي القعدة: عمرة الحديبية التي صُدّ عن البيت فيها، وعمرة القضية التي بعدها، وعمرة الجعرانة، ولو كان أراد باعتماره مع حجته بيان الجواز فقط مع أن الأفضل خلافه لاكتفى في ذلك بأمره أصحابه أن يفسخوا حجهم إلى العمرة.
واحتج القائلون بأفضلية القرآن بقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} ، وبما رواه البخاري عن عمر مرفوعًا:"وقيل عمرة في حجة" وبحديث أنس: "ثم أهلّ بحج وعمرة"، وبحديث عمران بن حصين عند مسلم:"جمع بين حج وعمرة"، ولأبي داود والنسائي عن البراء مرفوعًا:"إني سقت الهدي وقرنت"، وللنسائي من حديث علي مثله، ولأحمد عن سراقة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرن في حجة الوداع، وله عن أبي طلحة: جمع بين الحج والعمرة، وللدارقطني عن أبي سعيد وأبي قتادة والبزار عن ابن أبي أوفى ثلاثتهم مرفوعًا مثله.
وأجاب القائلون بالإِفراد عن الآية بأنها ليس فيها إلا الأمر بإتمامها، ولا يلزم منه قرنهما في الفعل، فهو كقوله تعالى:{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} ، وأجاب البيهقي عن هذه الأحاديث وغيرها نصرة أنه صلى الله عليه وسلم كان منفردًا، فنقل عن سليمان بن حرب أن رواية أبي قلابة عن أنس أنه سمعهم يصرخون بهما جميعًا أثبت من رواية من روى عنه أنه صلى الله عليه وسلم جمع بين الحج والعمرة، ثم تعقبه بأن قتادة وغيره من الحفاظ رووه عن أنس كذلك، فالاختلاف فيه على أنس نفسه، قال: فلعله سمع النبي صلى الله عليه وسلم يعلم غيره كيف يهل بالقران، فظن أنه أهلَّ عن نفسه.
وأجاب عن حديث حفصة الآتي قريبًا بما نقل عن الشافعي أن معنى قولها: ولم تحل أنت من عمرتك، أي: من إحرامك، وعن حديث عمر بأن جماعة رووه بلفظ: صلى في هذا الوادي، وقال: عمرة في حجة، وهؤلاء أكثر عددًا ممن رواه وقل: عمرة في حجة فيكون إذنًا في القران لا أمرًا للنبي صلى الله عليه وسلم في حال نفسه، وعن حديث عمران بأن المراد بذلك إذنه لأصحابه في القران بدليل روايته الأخرى أنه صلى الله عليه وسلم أعمر بعض أهله في العشر، وروايته الأخرى أنه عليه الصلاة والسلام تمتع، فإن مراده بكل ذلك إذنه في ذلك، وعن حديث البراء بأنه ساقه في قصة علي الآتية في هذا الباب، وقد رواها أنس في هذا الباب وجابر فيما أخرجه
مسلم، وليس فيه لفظ: وقرنت، وأخرج حديث مجاهد عن عائشة، قالت: لقد علم ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قد اعتمر ثلاثًا سوى التي قرنها في حجته، أخرجه أبو داود، وقال البيهقي: تفرد أبو إسحاق عن مجاهد بهذا، وقد رواه منصور عن مجاهد بلفظ: فقالت: ما اعتمر في رجب قط، وقال: هذا هو المحفوظ كما يأتي في أبواب العمرة، وأشار إلى أنه اختلف فيه على أبي إسحاق، فرواه زهير بن معاوية عنه هكذا، ثم روى حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم حج حجتين قبل أن يهاجر، وحجة قرن معها عمرة بعد أن هاجر، وحكي عن البخاري أنه أعلَّه لأن من رواته زيد بن الحباب عن الثوري، عن جعفر، عن أبيه، وزيد ربما يهم في الشيء، والمحفوظ عن الثوري مرسل، والمعروف عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل بالحج خالصًا، ثم روى حديث مجاهد عن عائشة، وأعلَّه بداود العطار، وقال إنه تفرَّد بِوَصْله عن عمرو بن دينار عن ابن عباس، ورواه ابن عيينة عن عمرو بن دينار، فأرسله لم يذكر ابن عباس، ثم روى حديث الصبي بن معبد أنه أهل بالحج والعمرة معًا، فأنكر عليه، فقال له عمر: هديت لسنة نبيك، الحديث، وهو في السنن، وفيه قصة.
وأجاب عنه بأنه يدل على جواز القران لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارنًا، ولا يخفى ما في الأجوبة من التعسف، واستدل القائلون بالإِفراد بأنه لا يجب فيه دم بالإِجماع بخلاف التمتع والقران، وهذا ينبني على أن دم القران دم جبران، وقد منعه من رجح القران، وقال إنه دم فضل وثواب كالأضحية، ولو كان دم نقص لما قام الصيام مقامه، ولأنه يؤكل منه، ودم النقص لا يؤكل منه كدم الجزاء، قال في "الفتح": ويترجح رواية من روى القران بأمور منها أن معه زيادة علم على من روى الإفراد وغيره، وبأن من روى الإِفراد والتمتع اختلف عليه في ذلك، فأشهر من روى عنه الإِفراد عائشة، وقد ثبت عنها أنه اعتمر مع حجته، وابن عمر.
وقد ثبت عنه أنه صلى الله عليه وسلم بدأ بالعمرة، ثم أهلَّ بالحج كما سيأتي في أبواب الهدى، وثبت أنه جمع بين حج وعمرة، ثم حدث أن النبي-صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، وسيأتي أيضًا، وجابر، وقد قال إنه اعتمر مع حجته أيضًا، وروى القران عنه جماعة من الصحابة لم يختلف عليهم فيه، وبأنه لم يقع في شيء من الروايات النقل عنه من لفظه أنه قال: أفردت ولا تمتعت، بل صح عنه أنه قال: قرنت، وصح عنه أنه قال: لولا أن معي الهدي لأحللت، وأيضًا فإن من روى عنه القران لا يحتمل حديثه التأويل إلا بتعسف بخلاف من روى الإِفراد فإنه محمول على أول الحال، وينتفي التعارض، ويؤيده أن من جاء عنه الإِفراد جاء عنه صورة القِران، ومن روى عنه التمتع، فإنه محمول على الاقتصار على سفر واحد للنسكين، ويؤيده أن من جاء عنه
التمتع لما وصفه، ووصفه بصورة القران لأنهم اتفقوا على أنه لم يحل من عمرته حتى أتم عمل جميع الحج، وهذه إحدى صور القرآن.
وأيضًا فإن رواية القران جاءت عن بضعة عشر صحابيًا بأسانيد جياد بخلاف روايتي الإفراد والتمتع، وهذا يقتضي رفع الشك عن ذلك، والمصير إلى أنه كان قارنًا، ومقتضى ذلك أن يكون القِران أفضل من الإِفراد والتمتع، وقد مرَّ من قال بذلك قريبًا، وقال: من رجح القران أيضًا: هو أشق من التمتع، وعمرته مجزئة بلا خلاف، فيكون أفضل منهما، وحكى عياض عن بعض العلماء أن الصور الثلاثة سواء في الفضل، وهو مقتضى تصرف ابن خزيمة في صحيحه. وعن أبي يوسف: القران والتمتع في الفضل سواء، وهما أفضل من الإِفراد، وعن أحمد: من ساق الهدي فالقِران أفضل له ليوافق فعل النبي-صلى الله عليه وسلم، ومن لم يسق الهدي فالتمتع أفضل له ليوافق ما تمناه، وأمر به أصحابه، زاد بعض أتباعه: ومن أراد أن ينشىء لعمرته من بلده سفرًا، فالإِفراد أفضل له، قال: وهذا أعدل المذاهب وأشبهها بموافقة الأحاديث الصحيحة، فمن قال: الإِفراد أفضل فعلى هذا يتنزل لأن إعمال مفردين للنسك أكثر مشقة، فيكون أعظم أجرًا، ولتجزىء عنه عمرته من غير نقص ولا اختلاف.
ومن العلماء من جمع بين الأحاديث على نمط آخر مع موافقته على أنه عليه الصلاة والسلام كان قارنًا كالطحاوي وابن حبان وغيرهما، فقيل: أهلّ أولًا بعمرة، ثم لم يتحلل منها إلى أن أدخل عليها الحج يوم التروية، ومستند هذا القائل حديث ابن عمر الآتي في أبواب الهدي بلفظ: فبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة، ثم أهلَّ بالحج، وهذا لا ينافي إنكار ابن عمر على أنس كونه نقل أنه صلى الله عليه وسلم أهلَّ بالحج والعمرة كما سيأتي في حجة الوداع من المغازي لاحتمال أن يكون محل إنكاره كونه نقل أنه أهلَّ بهما معًا، والمعروف عنه أنه أدخل أحد النسكين على الآخر، لكن جزمه بأنه عليه الصلاة والسلام بدأ بالعمرة مخالف لما عليه أكثر الأحاديث فهو مرجوح، وقيل: أهل أولًا بالحج مفردًا، ثم استمر على ذلك إلى أن أمر أصحابه أن يفسخوا حجهم فيجعلوه عمرة، وفسخ معهم، ومنعه من التحلل من عمرته المذكورة ما ذكره من سوق الهدي، فاستمر معتمرًا إلي أن أدخل عليها الحج حتى تحلل منها جميعًا، وهذا يستلزم أنه أحرم بالحج أولًا وآخرًا، وهو محتمل، لكن الجمع الأول أولى، وقيل إنه-صلى الله عليه وسلم أهلَّ بالحج مفردًا، واستمر عليه إلى أن تحلل منه بمنى، ولم يعتمر في تلك السنة، وهو مقتضى من رجح أنه كان مفردًا، والذي يظهر أن من أنكر القران من الصحابة نفى أن يكون أهلَّ بهما جميعًا في أول الحال، ولا ينفي أن يكون أهلَّ بالحج مفردًا، ثم