الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب هدم الكعبة
أي: في آخر الزمان
ثم قال: قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ، فَيُخْسَفُ بِهِمْ".
في رواية غير أبي ذر، قالت، بحذف الواو، وهذا طرف من حديث وصله المصنف في البيوع عن نافع بن جبير، عنها بلفظ:"يغزو جيش الكعبة حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم"، قالت: قلت: يا رسول الله! كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ قال: "يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم"، ومناسبته لهذه الترجمة من جهة أن فيه إشارة إلى أن غزو الكعبة سيقع فمرة يهلكهم الله قبل الوصول إليها، وأخرى يمكنهم، والظاهر أن غزو الذين يخربونه متأخر عن الأولين، وها أنا أتكلم على الحديث بتمامه فأقول:
قوله في الحديث: "حدثتني عائشة"، هكذا قال إسماعيل بن زكريا، عن محمد بن سوقة، وخالفه سفيان بن عيينة، عن محمد بن سوقة، فقال: "عن أم سلمة، أخرجه الترمذي، ويحتمل أن يكون نافع بن جبير سمعه من كل منهما؛ فإن روايته عن عائشة أتم من روايته عن أم سلمة، وقد أخرجه مسلم من وجه آخر عن عائشة، وروى من حديث حفصة شيئًا منه، وروى الترمذي عن صفية نحوه.
وقوله: "يغزو جيش الكعبة"، في رواية مسلم: عبث النبي صلى الله عليه وسلم في منامه، فقلنا له: صنعت شيئاً لم تكن تفعله! قال: "العجب أن ناسًا من أمتي يؤمون هذا البيت لرجل من قريش"، وزاد في رواية أخرى: أن أم سلمة، قالت ذلك زمن ابن الزبير، وفي رواية أخرى: أن عبد الله بن صفوان أحد رواة الحديث عن أم سلمة، قال: والله ما هو هذا الجيش.
وقوله: "ببيداء من الأرض"، في رواية مسلم:"بالبيداء"، وفي حديث صفية على الشك، وفي رواية لمسلم عن أبي جعفر الباقر، قال:"هى بيداء المدينة"، والبيداء: مكان
معروف تقدم بيانه في باب الإهلال عند مسجد ذي الحليفة.
وقوله: "بأولهم وآخرهم"، زاد الترمذي في حديث صفية:"ولم ينج أوسطهم"، وزاد مسلم في حديث حفصة:"فلا يبقى إلا الشريد الذي يخبر عنهم"، واستغنى بهذا عن تكلم الجواب عن حكم الأوسط، وأن العرف يقضي بدخوله فيمن هلك، أو لكونه آخرًا بالنسبة للأول، وأولًا بالنسبة للآخر، فيدخل.
وقوله: "وفيهم أسواقهم" كذا عند البخاري بالمهملة، والقاف جمع سوق، وعليه ترجم في البيوع، والمعنى: أهل أسواقهم، أو السوقة منهم.
وقوله: "ومن ليس منهم"، أي: من رافقهم ولم يقصد موافقتهم، ولأبي نعيم عن إسماعيل بن زكرياء:"وفيهم أشرافهم" بالمعجمة، والراء والفاء، وعند الإسماعيلي:"وفيهم سواهم"، وقال: وقع في رواية البخاري: "أسواقهم"، وأظنه تصحيفًا فإن الكلام في الخسف بالناس لا بالأسواق، والظاهر أن لفظ: سواهم هو التصحف، فإنه بمعنى قوله:"ومن ليس منهم" فيلزم منه التكرار بخلاف رواية البخاري.
نعم، أقرب الروايات إلى الصواب رواية أبي نعيم، وليس في لفظ:"أسواقهم" ما يمنع أن يكون الخسف بالناس فالمراد بالأسواق أهلها، فيخسف بالمقاتلة منهم، ومن ليس من أهل القتال كالباعة. وفي رواية مسلم: فقلنا: إن الطريق يجمع الناس. قال: نعم فيهم المستبصر، أي: المستبين لذلك للمقاتلة -والمجبور- بالجيم والموحدة، أي: المكره، -وابن السبيل-، أي: سألك الطريق معهم، وليس منهم، والغرض كله أنها استشكلت وقوع العذاب على من لا إرادة له في القتال الذي هو سبب العقوبة، فوقع الجواب بأن العذاب يقع عامًا لحضور آجالهم، ويبعثون بعد ذلك على نياتهم، وفي رواية مسلم:"يهلكون مهلكًا واحدًا، ويصدرون مصادر شتًى"، وفي حديث أم سلمة عند مسلم: فقلت: يا رسول الله! فكيف بمن كان كارهًا؟ قال: "يخسف به ولكن يبعث يوم القيامة على نيته"، أي: يخسف بالجميع لشؤم الأشرار، ثم يعامل كل أحد عند الحساب بحسب قصده، قال المهلب في هذا الحديث: أن من كثّر سواد قوم في المعصية مختارًا أن العقوبة تلزمه معهم، قال: واستنبط منه مالك عقوبة من يجالس شربة الخمر، وان لم يشرب، وتعقبه ابن المنير بأن العقوبة في الحديث الهجمة السماوية، فلا يقاس عليها العقوبات الشرعية، وبؤيده آخر الحديث حيث قال:"ويبعثون على نياتهم"، قلت: الاستنباط ظاهر، والتعقب باطل؛ لأن