الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رجاله خمسة
قد مرُّوا:
مرَّ عبيد بن إسماعيل في الثاني والعشرين من الحيض، ومرَّ أبو أُسامة في الحادي والعشرين من العلم، ومرَّ هشام وأبو عروة وعائشة في الثاني من بدء الوحي، أخرجه مسلم.
ثم قال: قال أبو معاوية: حدثنا هشام، خلفا، يعني بابًا.
قوله: "حدثنا هشام" يعني ابن عروة بسنده هذا والتفسير المذكور من قول هشام بينه أبو عوانة عن علي بن مسهر، عن هشام، قال: الخلف الباب، وأخرجه ابن خزيمة عن أبي أُسامة وأدرج التفسير والتعليق وصله مسلم والنسائي، ولم يقع في روايتهما التفسير المذكور، وأبو معاوية محمد بن خازم وقد مرَّ في تعليق بعد الثالث من الإيمان.
الحديث الحادي والسبعون
حَدَّثَنَا بَيَانُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهَا:"يَا عَائِشَةُ! لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ، فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ وَأَلْزَقْتُهُ بِالأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا، فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ". فَذَلِكَ الَّذِي حَمَلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ رضي الله عنهما عَلَى هَدْمِهِ. قَالَ يَزِيدُ: وَشَهِدْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ حِينَ هَدَمَهُ وَبَنَاهُ وَأَدْخَلَ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ حِجَارَةً كَأَسْنِمَةِ الإِبِلِ. قَالَ جَرِيرٌ: فَقُلْتُ لَهُ: أَيْنَ مَوْضِعُهُ؟ قَالَ: أُرِيكَهُ الآنَ. فَدَخَلْتُ مَعَهُ الْحِجْرَ فَأَشَارَ إِلَى مَكَانٍ فَقَالَ: هَاهُنَا. قَالَ جَرِيرٌ: فَحَزَرْتُ مِنَ الْحِجْرِ سِتَّةَ أَذْرُعٍ أَوْ نَحْوَهَا.
يزيد الأول في السند هو ابن هارون.
وقوله: "عن عروة" كذا رواه الحفاظ من أصحاب يزيد بن هارون عنه، فأخرجه أحمد بن حنبل، وأحمد بن سنان، وأحمد بن منيع في "مسانيدهم" عنه فكذا، والنسائي عن عبد الرحمن بن محمد بن سَلّام، والإسماعيلي عن هارون الحمال، والزعفراني، كلهم عن يزيد بن هارون، وخالفهم الحارث بن أبي أسامة، فرواه عن يزيد بن هارون، فقال: عن عبد الله بن الزبير بدل عروة بن الزبير، وهكذا أخرجه الإسماعيلي عن أبي الأزهر، عن وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه، قال الإسماعيلي: إن كان أبو الأزهر ضبطه، فكان يزيد بن رومان سمعه من الأخوين، وقد تابعه محمد بن مشكان، كما أخرجه الجوزقي، ويزيد قد حمله عن الأخوين، لكن رواية الجماعة أوضح فهي أصحُّ.
وقوله: "حديث عهد" كذا لجميع الروة بالإضافة من غير واو وقال المطرزي: لا يجوز حذف الواو في مثل هذا فالصواب حديثو عهدٍ.
وقوله: "فذلك الذي حمل ابن الزبير على هدمه" زاد وهب بن جرير: في روايته وبنائه.
وقوله: "قال يزيد: هو ابن رومان" بالإسناد المذكور.
وقوله: "وشهدت ابن الزبير حين هدمه وبناه" إلى قوله: "كأسنمة الإبل" هكذا ذكره يزيد بن رومان مختصرًا، وقد ذكره مسلم وغيره واضحًا فروى مسلم عن عطاء بن أبي رباح، قال: لما احترق البيت إلى آخر ما مرَّ مستوفى عند ذكر هذا الحديث في باب من ترك بعض الاختيار من كتاب العلم.
وقوله: "كأسنمة الإبل" تقدم ما فيه في الحديث المذكور وهو قواعد إبراهيم عليه السلام، وقد قال الطبري: اختلف في القواعد التي رفعها إبراهيم وإسماعيل أهما أحدثاها أم كانت قبلهما؟ ثم روي بسند صحيح عن ابن عباس، قال: كانت قواعد البيت قبل ذلك، ومن طريق عطاء، قال: قال آدم: أي رب! لا أسمع أصوات الملائكة، قال: ابنِ لي بيتا ثم أحفف به كما رأيت الملائكة تحف بيتي الذي في السماء فيزعم الناس أنه بناه من خمسة أجبل حتى بناه إبراهيم بعد. وقد مرَّ هذا وزيادة.
وقوله: "قال جرير: فحزرت من الحجر ستة أذرع أو نحوها".
وقوله: "فحزرت" بتقديم الزاي على الراء، أي: قدرت.
وقوله: "ستة أذرع" أو نحوها قد ورد ذلك مرفوعًا إلي النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم عند الطريق الثانية وهي أرجح الروايات، والجمع بين المختلف منها ممكن وهو أولى من دعوى الاضطراب والطعن في الروايات المقيدة لأجل الاضطراب، كما جنح إليه ابن الصلاح وتبعه النووي، لأن شرط الاضطراب أن تتساوى الوجوه بحيث يتعذر الترجيح أو الجمع، ولم يتعذر ذلك هنا، فيتعين حمل المطلق على المقيد كما هي قاعدة مذهبهما، ويؤيده أن الأحاديث المطلقة والمقيدة متواردة على سبب واحد وهو أن قريشًا قصروا عن بناء إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وأن ابن الزبير أعاده علي بناء إبراهيم، وأن الحجاج أعاده علي بناء قريش، ولم تأتِ رواية قط صريحة أن جميع الحجر من بناء إبراهيم في البيت.
قال المحب الطبري: الأصح أن القيد الذي في الحجر من البيت قدر سبعة أذرع، والرواية التي جاء فيها أن الحجر من البيت مطلقة، فيحمل المطلق على المقيد فإن إطلاق
اسم الكل على البعض سائغ مجازًا، وإنما قال النووي ذلك نصرة لما رجحه من أن جميع الحجر من البيت، وعمدته في ذلك أن الشافعي نص على ايجاب الطواف خارج الحجر، ونقل ابن عبد البر الاتفاق عليه، ونقل غيره إنه لا يعرف في الأحاديث المرفوعة، ولا عن أحد من الصحابة ومن بعدهم أنه طاف داخل الحجر، وكان عملًا مستمرًا، ومقتضاه أن يكون جميع الحجر من البيت، وهذا متعقب، فإنه لا يلزم من ايجاب الطواف من ورائه أن يكون كله من البيت، فقد نص الشافعي أيضًا كما ذكره البيهقي في "المعرفة" أن الذي في الحجر من البيت نحو من ستة أذرع، ونقله عن عدة من أهل العلم من قريش لقيهم كما تقدم فعلى هذا فلعله رأى ايجاب الطواف من وراء الحجر احتياطًا.
وأما العمل فلا حجة فيه على الإيجاب، فلعل النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده فعلوه استحبابًا للراحة من تسور الحجر، لاسيما والرجال يطوفون جميعًا فلا يؤمن من المرأة التكشف، فلعلهم أرادوا حسم هذه المادة، وأما ما نقله المهلب عن ابن أبي زيد أن حائط الحِجَر لم يكن مبنيًا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر حتى كان عمر فبناه ووسعه قطعًا للشك، وأن الطواف قبل ذلك كان حول البيت ففيه نظر، وقد أشار المهلب إلى أن عمدته في ذلك ما يأتي في باب بنيان الكعبة في أوائل السيرة النبوية بلفظ: لم يكن حول البيت حائط كانوا يصلون حول البيت حتى كان عمر، فبنى حوله حائطًا جدره قصيرة، فبناه ابن الزبير.
وهذا إنما هو في حائط المسجد لا في المسجد، فدخل الوهم على قائله من هنا، ولم يزل الحجر موجودًا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، كما صرح به كثير من الأحاديث الصحيحة، قلت: ما قاله ليس فيه دليل على أن الحائط كان قبل عمر، وما أول به الكلام من أنه في حائط المسجد غير ظاهر، ويرده قوله:"فبناه ابن الزبير" لأن ابن الزبير إنما بني البيت لا حائط المسجد، وكون الحجر موجودًا في زمنه عليه الصلاة والسلام لا يدل على وجود الحائط المحوط فيمكن أن يكون المراد بالموجود محله المعروف فتأمل.
ثم قال في "الفتح": نعم في الحكم بفساد طواف من دخل الحجر، وخلى بينه وبين البيت سبعة أذرع نظر، وقد قال بصحته جماعة من الشافعية كإمام الحرمين، ومن المالكية كأبي الحسن اللخمي، وذكر الأزرقي أن عرض ما بين الميزاب ومنتهى الحجر سبعة عشر ذراعًا وثلث ذراع منها عرض جدار الحجر ذراعان وثلث، وفي بطن الحجر خمسة عشر ذراعًا، فعلى هذا فنصف الحجر ليس من البيت، فلا يفسد طواف من طاف دونه، وأما قول المهلب إن الفضاء لا يسمى بيتًا، وإنما البيت البنيان لأن شخصًا لو حلف لا يدخل بيتًا فانهدم ذلك
البيت فلا يحنث بدخوله، فليس بواضح، فإن المشروع من الطواف ما شرع للخليل بالاتفاق، فعلينا أن نطوف حيث طاف، ولا يسقط ذلك بانهدام حرم البيت لأن العبادات لا يسقط المقدور عليه منها بفوات المعجوز عنه، فحرمة البقعة ثابتة ولو فقد الجدار، وأما اليمين فمتعلقة بالعرف، ويؤيد ما قلناه أنه لو انهدم مسجد، فنقلت حجارته إلى موضع آخر بقيت حرمة المسجد بالبقعة التي كان بها، ولا حرمة لتلك الحجارة المنقولة إلى غير مسجد، فدلَّ على أن البقعة أصل للجدار بخلاف العكس، أشار إلى ذلك ابن المنير.
وفي حديث بناء الكعبة من الفوائد غير ما تقدم ما ترجم عليه المصنف في العلم، وهو ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر عنه فهم بعض الناس، والمراد بالاختيار هو عبارته المستحب، وفيه اجتناب ولى الأمر ما يتسرع الناس إنكاره، وما يخشى منه تولد الضرر عليهم في دين أو دنيا، وتألف قلوبهم بما لا يترك فيه أمر واجب، وفيه تقديم الأهم فالأهم من دفع المفسدة وجلب المصلحة، وأنهما إذا تعارضا بدىء بدفع المفسدة، وأن المفسدة إذا أمن وقوعها عاهد استحباب عمل المصلحة وحديث الرجل مع أهله في الأمور العامة، وحرص الصحابة على امتثال أوامر النبي صلى الله عليه وسلم.
وحكى ابن عبد البر، وتبعه عياض وغيره عن الرشيد أو المهدي أو المنصور أنه أراد أن يعيد الكعبة على ما فعله ابن الزبير، فناشده مالك في ذلك وقال: أخشى أن يصير ملعبة للملوك، فتركه، وهذا بعينه هو خشية جدهم الأعلى عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه، فأشار على ابن الزبير لما أراد أن يهدم الكعبة، ويجدد بناءها بأن يرمم ما وهي منها ولا يتعرض لها بزيادة ولا نقص، وقال له: لا آمن أن يجيىء من بعدك أمير فيغير الذي صنعت، أخرجه الفاكهاني عن عطاء، عنه، وذكر الأزرقي أنَّ سليمان بن عبد الملك همّ بنقض ما فعله الحجاج، ثم ترك لما ظهر له أنه فعله بأمر أبيه عبد الملك، ولم يقف صاحب "الفتح" في شيء من التواريخ على أن أحدًا من الخلفاء، ولا من دونهم غير من الكعبة شيئا مما صنعه الحجاج إلى الآن إلا في الميزاب والباب وعتبته، وكذا وقع الترميم في جدارها مرة بعد مرة، وفي سقفها، وسلم سطحها، وجدد فيها الرخام، فذكر الأزرقي عن ابن جريج أنَّ أول من فرشها بالرخام الوليد بن عبد الملك، ووقع في جدارها الشامي ترميم في شهور سنة سبعين ومائتين، ثم في شهور سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، ثم في شهور سنة تسع عشرة وستمائة، ثم في سنة ثمانين وستمائة، ثم في سنة أربع عشرة وثمانمائة، وقد ترادفت الأخبار الآن في وقتنا هذا في سنة اثنين وعشرين أن جهة الميزاب فيها ما يحتاج إلى ترميم، فاهتم بذلك