الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عند الجمهور، وقيل: ثبت وجوبه بقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} ، وقد مرَّ ما في ذلك.
وقوله: "حجّ البيت" مرفوع على الابتداء، خبره مقدم.
"ولله على الناس"، أي: ولله فرضٌ واجبٌ على الناس؛ لأن اللام لام الإِيجاب.
وقوله: "من استطاع" بدل الناس في محل الجر، والتقدير: وللهِ على من استطاع من الناس حج البيت، والاستطاعة: هي الزاد والراحلة وتخلية الطريق، فقد روى الحاكم -وقال: صحيح على شرط مسلم- وعن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"السبيل الزاد والراحلة"، وروى الترمذي عن ابن عمر، قال: قام رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: من الحاج يا رسول الله؟ قال: "الشعث التفل"، فقام آخر، فقال: أيُّ الحج أفضل يا رسول الله؟ فقال: "العج الثج"، فقام آخر فقال: ما السبيل يا رسول الله؟ قال: "الزاد والراحلة". وقال ابن أبي حاتم: قد روي عن ابن عباس، وأنس، والحسن، ومجاهد، وعطاء، وسعيد بن جبير، وقتادة نحو ذلك.
وروى ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} ، قال: من ملك ثلاثمائة درهم فقد استطاع إليه سبيلًا، وعن عكرمة مولاه، قال: من استطاع إليه سبيلًا، السبيل: الصحة، وقوله:{وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} ، قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد، أي: ومن جحد فرضية الحج فقد كفر، والله غني عنه، وقيل: من لم يرج ثوابه ولم يخف عقابه، فقد تركه، وقيل: إذا أمكنه الحج ولم يحج حتى مات.
وروى ابن مردويه عن علي رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ملك زادًا وراحلة ولم يحج بيت الله، فلا يضره مات يهوديًا أو نصرانيًا"، وذلك بأن الله تعالى قال:{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} إلى آخره، ورواه الترمذي أيضًا، وقال: هذا حديث غريب، وفي إسناده مقال. وروى الأسماعيلي عن عبد الرحمن بن غنم سمع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، يقول: من أطاق الحج فلم يحج، فسواءٌ عليه يهوديًا مات أو نصرانيًا. وهذا إسناد صحيح إلى عمر، قاله ابن كثير في تفسيره. أ. هـ.
الحديث الأول
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ الْفَضْلُ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم-
يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ، فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ؟ عَنْهُ قَالَ:"نَعَمْ". وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
لم يورد المصنف في الباب غير حديث الخثعمية هذا، وشاهد الترجمة منه خفيٌّ، وكأنَّه أراد إثبات فضله من جهة تأكيد الأَمر به، بحيث إن العاجز عن الحركة إليه يلزمه أن يستنيب غيره، ولا يُعذَر بترك ذلك، والمراد منه هنا تفسير الاستطاعة المذكورة في الآية، وأنها لا تختص بالزاد والراحلة، بل تتعلق بالمال والبدن؛ لأنها لو اختصت للزم المعضوب، أي: الزمن الذي لا حراك به أن يشد على الراحلة، ولو شق عليه.
قال ابن المنذر: لا يثبت، الحديث الذي فيه ذكر الزاد والراحلة، والآية الكريمة عامة ليست بمجملة، فلا تفتقر إلى بيان، وكأنه كلَّف كل مستطيع قدر بمال أو بدن.
والناس قسمان: من يجب عليه الحج، ومن لا يجب، الثاني: العبد وغير المكلف وغير المستطيع. ومن لا يجب عليه إما أن يجزئه المأْتي به أو لا، الثاني: العبد، وغير المكلف، والمستطيع إما أن تصح مباشرته منه أو لا، الثاني: غير المميز، ومن لا تصح مباشرته إما أن يباشر عنه غيره أو لا، الثاني: الكافر. فتبين أنه لا يشترط لصحة الحج إلا الإِسلام.
وقوله: عن ابن عباس، قال: كان الفضل
…
الخ، هكذا رواه مالك، وأكثر الرواة عن الزهري فلم يقولوا فيه عن الفضل.
وروى ابن ماجه عن ابن عباس: أخبرني حصين بن عوف الخثعمي، قلت: يا رسول الله، إن أبي أدركه الحج ولا يستطيع أن يحج -الحديث. وخالف ابن جريج مالكًا، وتابعه معمر، فروياه عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس، قال الترمذي: سالت محمدًا -يعني البخاري- عن هذا، فقال: أصح شيء فيه ما روى ابن عباس عن الفضل، قال: فيحتمل أن يكون ابنُ عباس سمعه من الفضل وغيره، ثم رواه بغير واسطة، وإنما رجَّح البخاري الرواية عن الفضل لأنه كان ردفَ النبي صلى الله عليه وسلم حينئذٍ، وكان ابن عباس قد تقدم مع الضعفة من مزدلفة إلى مني.
وفي باب التلبية والتكبير عن عطاء، عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم أردف الفضل، فأخبر الفضل أنه لم يزل يُلبي حتى رمى الجمرة، فكأَنَّ الفضل حدَّث أخاه بما شاهده
في تلك الحالة، ويحتمل أن يكون سؤال الخثعمية وقع بعد رمي جمرة العقبة، فحضره ابن عباس فنقله ابن عباس تارةً عن أخيه لكونه صاحب القصة، وتارة عمَّا شاهده، ويؤيد ذلك ما رواه الترمذي وأحمد وابنه عبد الله والطبري من حديث علي مما يدلّ على أن السؤال المذكور وقع عند المنحر بعد الفراغ من الرمي، وأن العباس كان حاضرًا، ولفظ أحمد عندهم عن علي، قال: وقف النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة، فقال:"هذه عرفة وهو الموقف"، فذكر الحديث، وفيه: فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى المنحر، فقال:"هذا المنحر، وكلّ منىً منحر"، واستفتته -وفي رواية عبد الله: ثم جاءته- جارية شابة من خثعم، فقالت: إن أبي شيخ كبير قد أدركته فريضة الله في الحج، أفيجزىء أن أحج عنه؟ قال:"حجي عن أبيك"، قال: ولوى عنق الفضل، فقال العباس: يا رسول الله لويت عنق ابن عمك، قال:"رأيت شابًا وشابّةً فلم آمن عليهما الشيطان".
وظاهر هذا أن العباس كان حاضرًا لذلك فلا مانع أن يكون ابنه عبد الله كان معه.
وقوله: فجاءته امرأة من خثعم، وخثعم قبيلة مشهورة باليمن ابن أنمار بن أراش بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان.
وقوله: "فجعل الفضل ينظر إليها" في رواية شعيب، وكان الفضل رجلًا وضيئًا، أي: جميلًا، وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة، فطفق الفضل ينظر إليها، وأعجبه حسنها.
وقوله: "يصرف وجه الفضل" في رواية شعيب، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم والفضل ينظر إليها، فأخلف بيده، فأخذ بذقن الفضل فدفع وجهه عن النظر إليها، وهذا هو المراد في حديث علي، فلوى عنق الفضل، وفي رواية الطبري من حديث علي: وكان الفضل غلامًا جميلًا، فإذا جاءت الجارية من هذا الشق، صرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه الفضل إلى الشق الآخر، فإذا جاءت إلى الشق الآخر صرف وجهه عنه، وقال في آخره: رأيت غلامًا حديثًا وجارية حدثة، فخشيت أن يدخل بينهما الشيطان.
وقوله: "إن فريضة الله أدركت أبي شيخًا كبيرًا" في رواية عبد العزيز وشعيب أنَّ فريضة الله على عباده في الحج، وفي رواية النسائي عن يحيى بن أبي إسحاق عن سليمان بن يسار: إنَّ أبي أدركه الحج، واتَّفقت الروايات كلها عن ابن شهاب أن السائلة كانت امرأة، وأنها سألت عن أبيها، وخالفه يحيى بن أبي إسحاق، عن سليمان، فاتفقت الرواة عنه على أن السائل رجل، ثم اختلفوا عليه في إسناده ومتنه.
أما إسناده: فهشيم، عنه، عن سليمان، عن عبد الله بن العباس. وقال محمد بن سيرين: عنه، عن سليمان، عن الفضل، أخرجهما النسائي. وقال ابن علية: عنه، عن سليمان، حدثني أحد ابني العباس، إمَّا الفضل، وإما عبد الله، أخرجه أحمد.
وأما المتن: فقال هشيم: أن رجلًا سأل، فقال: إن أبي مات. وقال ابن سيرين: جاء رجل فقال: إن أُمي عجوزٌ كبيرة. وقال ابن علية: جاء رجل، فقال: إن أبي أو أمي. وخالف الجميع معمر، عن يحيى بن أبي إسحاق، فقال: أن امرأة سألت عن أمها، وهذا الاختلاف كله عن سليمان بن يسار، وسياق غيره قد رواه كريب عن ابن عباس، عن حصين بن عوف الخثعمي، قال: قلت يا رسول الله إن أبي أدركه الحج، ورواه عطاء الخراساني عن أبي الغوث بن حصين الخثعمي، أنه استفتى النبي صلى الله عليه وسلم عن حجة كانت على أبيه .. أخرجهما ابن ماجه، والرواية الأولى أقوى إسنادًا، وهذا يوافق رواية هشيم في أنَّ السائل عن ذلك رجل سأل عن أبيه، ويوافقه ما روى الطبراني عن عبد الله بن شداد، عن الفضل بن عباس "أن رجلًا، قال: يا رسول الله إنَّ أبي شيخٌ كبير"، ويوافقهما مرسل الحسن عند ابن خزيمة، فإنه أخرجه عن عوف، عن الحسن، قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه رجلٌ، فقال: أبي شيخ كبير، أدرك الإِسلام لم يحج، الحديث، ثم ساقه عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال مثله، إلا أنه قال: إن السائل سأل عن أمه.
والذي يظهر من مجموع هذه الطرق أن السائل رجل، وكانت ابنته معه، فسألت أيضًا، والمسؤول عنه أبو الرجل وأمه جميعًا، ويقرب ذلك ما رواه أبو يعلى بإسناد قوي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن الفضل بن العباس، قال: كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم وأعرابي معه بنتٌ له حسناء، فجعل الأعرابي يَعرضها لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجاء أن يتزوجها، وجعلتُ ألتفت إليها، ويأخذ النبي صلى الله عليه وسلم برأسي فيلويه، فكان يُلبي حتى رمى جمرة العقبة، فعلى هذا، فقول الشابة:"أن أبي" لعلها أرادت به جدها؛ لأن أباها كان معها، وكأنه أمرها أن تسأل النبي صلى الله عليه وسلم ليسمع كلامها ويراها رجاء أن يتزوجها، فلما لم يرضها، سأل أبوها عن أبيه، ولا مانع من أن يسأل أيضًا عن أمه.
وتحصَّل أيضًا من هذه الروايات أنَّ اسم الرجل حصين بن عوف الخثعمي، وأما في الرواية الأخرى أنه أبو الغوث بن حصين، فإنَّ إسناده ضعيف، ولعله كان فيه عن أبي الغوث
حصين، فزيد في الرواية ابن أو أبا الغوث أيضًا، كان مع أبيه حصين، فسأل كما سأل أبوه، وأخته، والمرأة الخثعمية السائلة لم تسم، ووقع السؤال عن هذه المسألة من شخص آخر، وهو أبو رزين بفتح الراء وكسر الزاي العقيلي بالتصغير، واسمه لقيط بن عامر، ففي "السنن"، و"صحيح ابن خزيمة" وغيرهما من حديثه أنه قال: يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة، قال:"حج عن أبيك واعتمر"، وهذه قصة أخرى، ومن وحَّد بينها وبين حديث الخثعمي، فقد أبعد وتكلف.
وقوله: "شيخًا كبيرًا لا يَثبُت على الراحلة" قال الطيبي: شيخًا حال، ولا يثبت صفة له، ويحتمل أن يكون حالًا أيضًا، ويكون من الأحوال المتداخلة، والمعنى أنه وجب عليه الحج بأن أسلم، وهو بهذه الصفة.
وقوله: "وهو لا يثبت"، في رواية عبد العزيز وشعيب: لا يستطيع أن يستوي، وفي رواية ابن عيينة: لا يستمسك على الرحل، وفي رواية يحيى بن أبي إسحاق: وإن شددته خشيت أن يموت، وكذا في مرسل الحسن، وحديث أبي هريرة عند ابن خزيمة بلفظ: وإن شددته بالحبل على الراحلة خشيت أن أقتله. وهذا يفهم منه أن من قدر على غير هذين الأمرين من الثبوت على الراحلة أو الأمن عليه من الأذى لو ربط لم يرخص له في الحج عنه كمن يقدر على محمل موطأ كالمحفة.
وقوله: "أفأحج عنه؟ "، أي: أيجوز لي أن أنوب عنه، فأحج عنه؛ لأن ما بعد الفاء الداخلة عليها الهمزة معطوف على مقدَّر، وفي رواية عبد العزيز وشعيب: فهل يقضي عنه؟، وفي حديث علي: هل يجزىء عنه؟، وفي حديث أبي هريرة: فقال: احجُج عن أبيك.
وفي الحديث جواز الحج عن غيره إذا كان معضوبًا، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. وقال مالك والليث والحسن بن صالح: لا يحج أحد عن أحدٍ إلا عن ميّت لم يحج حجة الإِسلام.
وحاصل ما في مذهب مالك ثلائة أقوال: مشهورها: لا يجوز، ثانيها: يجوز من الولد، ثالثها: يجوز إن أوصى به.
وعن النخعي وبعض السلف: لا يصح الحج عن ميت ولا عن غيره، وهي رواية عن مالك وإن أوصى به.
وفي "مصنف ابن أبي شيبة" عن ابن عمران، قال: لا يحج أحد ولا يصم أحد عن أحد،
وكذا قال إبراهيم النخعي.
وقال الشافعي والجمهور: يجوز الحج عن الميت عن فرضه ونذره سواء أوصى أو لم يوص، وهو واجب في تركته، واجب على وليه أن يجهز من يحج عنه من رأس ماله، ويلتحق بالحج كل حق ثبت في ذمته من كفارة أو نذر، أو زكاة أو غير ذلك، وهو مقدم على دين الآدمي على أحد أقوال الشافعي، وقيل بالعكس، وقيل: هما سواء.
ونقل ابن المنذر وغيره الإِجماع على أنه لا يجوز أن يستنيب من يقدر على الحج بنفسه في الحج الواجب.
وأما النفل فيجوز عند أبي حنيفة خلافًا للشافعي، وعن أحمد روايتان، ولم يخالف في جواز حج الرجل عن المرأة، والمرأة عن الرجل إلا الحسن بن صالح، واستدل الكوفيون بعمومه على جواز صحة حج من لم يحج نيابة عن غيره، وخالفهم الجمهور فخصوه بمن حج عن نفسه، واستدلوا بما في "السنن" و"صحيح ابن خزيمة" وغيره عن ابن عباس أيضًا، أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يلبي عن شبرمة، فقال:"أحججت عن نفسك؟ " فقال: لا، قال:"هذه عن نفسك، ثم احجج عن شبرمة".
وأجاب المالكية عن حديث الباب بأن ذلك وقع من السائل على جهة التبرع، وليس في شيء من طرقه تصريح بالوجوب، وبأنها عبادة بدنية، فلا تصح النيابة فيها كالصلاة، وقد نقل الطبري وغيره الإجماع على أن النيابة لا تدخل في الصلاة، قالوا: ولأن العبادات فرضت على جهة الابتلاء، وهو لا يوجد في العبادات البدنية إلا بإتعاب البدن، فيه يظهر الانقياد أو النفور، بخلاف الزكاة، فإن الابتلاء فيها بنقص المال، وهو حاصل بالنفس والغير، وأجيب بأن قياس الحج على الصلاة لا يصح، لأن عبادة الحج بدنية مالية معًا فلا يترجح إلحاقها بالصلاة على إلحاقها بالزكاة، ولهذا قال المازري: من غلَّب حكم البدن في الحج ألحقه بالصلاة، ومن غلّب حكم المال ألحقه بالصدقة، وقد أجاز المالكية الحج عن الغير إذا أوصى به، ولم يجيزوا ذلك في الصلاة. وبأنَّ حصر الابتلاء في المباشرة ممنوع؛ لأنه يوجد في الأَمر من بذله المال في الأجرة. وقال عياض: لا حجة للمخالف في حديث الباب، لأن قوله: ان فريضة الله على عباده، الخ، معناه أن إلزام الله عباده بالحج الذي وقع بشرط الاستطاعة صادف أبي بصفة من لا يستطيع فهل أحج عنه؟ أي: هل يجوز لي ذلك؟ أو: هل فيه أجر ومنفعة؟ فقال: نعم، وتُعُقِّب بأنَّ في بعض طرقه التصريح بالسؤال عن الإجزاء، فيتم الاستدلال. وتقدم في بعض طرق مسلم أن أبي عليه فريضة الله في الحج. وفي رواية
لأحمد: والحج مكتوب عليه.
وادَّعى بعضهم أنَّ هذه القصة مختصة بالخثعميَّة، كما اختص سالم مولى أبي حذيفة بجواز إرضاع الكبير، حكاه ابن عبد البر، وتعقب بأنَّ الأصل عدم الخصوصية، واحتج بعضهم لذلك بما رواه عبد الملك بن حبيب صاحب "الواضحة" بإسنادين مرسلين، فزاد في الحديث:"حج عنه، وليس لأحدٍ بعده"، ولا حجة فيه لضعف الإسنادين مع إرسالهما، وقد عارضه قوله في حديث الجهنية الآتي:"اقضوا الله، فالله أحق بالقضاء".
وقال القرطبي: رأى مالك أن ظاهر حديث الخثعمية مخالف لظاهر القرآن: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} ، وأن الأصل في الاستطاعة هي القوة بالبدن، قال تعالى:{فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا} ، فرجَّح ظاهر القرآن، ولا شك في ترجيحه من جهة تواتره، ومن جهة أن القول المذكور قول امرأة ظنَّتْ ظنّاً، ولا يقال قد أجابها النبي صلى الله عليه وسلم على سؤالها، ولو كان ظنها غلطًا لبيّنه لها؛ لأنَّا نقول: إنما أجابها على قولها: أفأحج عنه؟ قال: "حجي عنه"، لما رأى من حرصها على إيصال الخير والثواب لأبيها، وتعقب بأن في تقرير النبي صلى الله عليه وسلم لها على ذلك حجة ظاهرة. وأما ما رواه عبد الرزاق عن ابن عباس، فزاد في الحديث:"حُجَّ عن أبيك، فإن لم يزده خيرًا لم يزده شرًا"، فقد جزم الحفاظ بأنها رواية شاذة، وعلى تقدير صحتها فلا حجة فيها للمخالف.
ومن فروع المسألة أن لا فرق بين من استقر الوجوب في ذمته قبل العضب، أو طرأ عليه خلافًا للحنفية، وللجمهور ظاهر قصة الخثعمية.
وأنَّ من حج عن غيره وقع الحج عن المستنيب خلافًا لمحمد بن الحسن، فقال: يقع عن المباشرة، وللمحجوج عنه أجر النفقة.
وعند المالكية: يقع نافلة للأجير، ولمن حج عنه أجر النفقة والدعاء، واختلفوا فيما إذا عوفي المعضوب، فقال الجمهور: لا يجزئه، لأنه تبين أنه لم يكن ميؤوسًا منه، وقال أحمد وإسحاق: لا تلزمه الإعادة لئلا يفضي إلى إيجاب حجتين، واتفق من أجاز النيابة في الحج على أنَّها لا تجزىء في الفرض، إلا عن موت أو عضب، فلا يدخل المريض لأنَّه يُرجى برؤه، ولا المجنون لأنه ترجى إفاقته، ولا المحبوس لأنه يرجى خلاصه، ولا الفقير لأنه يمكن استغناؤه.
وفيه جواز الارتداف، والردف والرديف الراكب خلف الراكب بإذنه، وردف كل شيء: مؤخره، وأصله من الركوب على الردف وهو العجز، ولهذا قيل للراكب الأصلي: ركب صدر
الدابة، وقد أفرد ابن منده أسماء من أردفه النبي صلى الله عليه وسلم خلفه، فبلغوا ثلاثين نفسًا.
وفيه بيان ما ركب في الآدمي من الشهوة، وغلبة طباعه عليه من النظر إلى الصور الحسنة.
وفيه منع النظر إلى الأجنبيات وغضُّ البصر. قال عياض: وزعم بعضهم أنه غير واجب إلا عند خشية الفتنة، قال: وعندي أن فعله صلى الله عليه وسلم إذْ غطَّى وجه الفضل أبلغُ من القول، ثم قال: لعل الفضل لم ينظر نظرًا يُنْكَرُ بل خشي أن يَؤُول إلى ذلك، أو كان قبل نزول الأمر بإدناءِ الجلابيب.
ويؤخذ منه التفريق بين الرجال والنساء خشية الفتنة، وجواز كلام المرأة وسماع صوتها للأجانب عند الضرورة، كالاستفتاء عن العلم، والترافع في الحكم والمعاملة.
وفيه أنَّ إحرام المرأة في وجهها فيجوز لها كشفه في الإحرام. وروى أحمد وابن خزيمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للفضل حين غطى وجهه يوم عرفة: "هذا يومٌ مَنْ ملكَ فيه سمعه وبصره ولسانه غفِرَ له" ولم يُنقَل أنَّه نهى المرأة عن النظر إلى الفضل، وكان جميلًا، ويُحتَملُ أن يكون الشارع اجتزأ بمنع الفضل لما رأى أنها تعلم بذلك منع نظرها إليه لأنَّ حكمهما واحدٌ، أو تنبَّهت لذلك، أو كان ذلك الموضع هو محل نظره الكريم، فلم يصرف نظرها. وقال الداوودي: فيه احتمال أن ليس على النساء غضُّ أبصارهنَّ عن وجوه الرجال، إنما يَغْضُضْنَ عن عوراتهم.
وفي هذا الحديث أيضًا النيابة في السؤال عن العلم، حتى من المرأة عن الرجل، وأنَّ المَحرم ليس من السبيل المشترط في الحج، وقالت المالكية إنه شرط فيه، أو تكون في رفقة مأمونة، والرواية المتقدمة "أنها كانت مع أبيها" ترد على من لم يشترطه.
وفيه برُّ الوالدين والاعتناء بأمرهما والقيام بمصالحهما من قضاء دين وخدمة ونفقة، وغير ذلك من أَمور الدين والدنيا.
واستُدلَّ به على أنَّ العمرة غير واجبة لكون الخثعمية لم تذكرها، ولا حجة فيه لأن مجرد ترك السؤال لا يدل على عدم الوجوب لاستفادة ذلك من حكم الحج، ولاحتمال أن يكون أبوها قد اعتمر قبل الحج، على أن السؤال عن العمرة والحج قد وقع في حديث أبي رزين كما مرَّ.
وقال ابن العربي: حديث الخثعمية أصل متفق على صحته في الحج، خارج عن القاعدة