الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الرابع والأربعون
حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ أَوْ لَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ.
قوله: أما يخشى أحدكم، في رواية الكُشْمِيَهنِيّ "أو لا يخشى" ولأبي داود عن حفص بن عمر "أما يخشى"، وألا يخشى بالشك، "وأما" بتخفيف الميم، حرف استفتاح، مثل ألا، وأصلها النافية، دخلت عليها همزة الاستفهام، وهو هنا استفهام توبيخ. وقوله: إذا رفع رأسَه قبل الإمام، زاد ابن خُزَيْمَة "في صلاته" وفي رواية حفص بن عمر المذكورة "الذي يرفع رأسه والإمام ساجد" قال في الفتح: فتبين أن المراد الرفع من السجود، ففيه تعقب علي من قال إن الحديث نص في المنع من تقدم المأموم على الإمام في الرفع من الركوع والسجود معاً، وإنما هو نص في السجود، ويلتحق به الركوع، لكونه في معناه. ويمكن أن يفرق بينهما بأن السجود له مزيد مزية، لأنّ العبد أقرب ما يكون فيه من ربه، لأنه غاية الخضوع المطلوب منه، فلذلك خص بالتنصيص عليه، ويحتمل أن يكون من باب الاكتفاء، وهو ذكر أحد الشيئين المشتركين في الحكم إذا كان للمذكور مزية.
قلت: إنما احتاج صاحب الفتح لما ذكر لاتحاد المخرج في رواية البخاريّ وراوية أبي داود، فلابد من الجمع بينهما، ووجهه هو ما ذكره، وبهذا يعلم سقوط اعتراض العَيْنِيّ عليه، وأما المتقدم على الإِمام في الخفض للركوع والسجود، فقيل: يلتحق به من باب الأَولى، لأن الاعتدال والجلوس بين السجدتين من الوسائل، والركوع والسجود من المقاصد، وإذا دل الدليل على وجوب الموافقة فيما هو وسيلة، فأولى أن يجب فيما هو مقصد، ويمكن أن يقال: ليس هذا بواضح، لأن الرفع من الركوع والسجود يستلزم قطعه عن غاية كماله، ودخول النقص في المفاسد أشد من دخوله في الوسائل، وقد ورد الزجر عن الخفض والرفع قبل الإمام في حديث آخر أخرجه البزار عن أبي هريرة مرفوعًا "الذي يخفض ويرفع قبل الإمام إنما ناصيته بيد شيطان". وأخرجه عبد الرّزّاق من هذا الوجه موقوفًا، وهو المحفوظ.
وقوله: أو يجعل الله صورته صورة حمار، الشك من شُعْبَة، فقد رواه الطَّيالسِيّ عن حماد بن سَلَمة وابن خُزَيْمة عن حماد بن زيد ومُسْلِم عن يونس بن عُبَيْد والربيع بن مسلم، كلهم عن
محمد بن زياد بغير تردد، فأما الحمادان فقالا: رأس حمار، وأما يونس فقال صورة، وأما الربيع فقال وجه. والظاهر أنه من تصرف الرواة، قال عِياض: هذه الروايات متفقة لأن الوجه في الرأس، ومعظم الصورة فيه، ولفظ الصورة يطلق على الوجه أيضًا. وأما الرأس فرواتها أكثر، وهي أشمل، فهي المعتمدة، وخص رقوع الوعيد عليها لأن بها وقعت الجناية، وهي أشمل، وظاهر الحديث يقتضي تحريم الرفع قبل الإمام، لكونه توعد عليه بالمسخ، وهو أشد العقوبات، وبذلك جزم النوويّ، ومع القول بالتحريم فالجمهور على أن فاعله يأثم، وتجزىء صلاته، وعن ابن عمر تبطل، وبه قال أحمد في رواية، وأهل الظاهر بناء على أن النهي يقتضي الفساد، وقد مرَّ الكلام على هذه المسألة بأطول من هذا في باب" إنما جعل الإمام ليؤتم به" عند أثر ابن مسعود.
وفي المغني عن أحمد أنه قال: ليس لمن سبق الإمام صلاة، لهذا الحديث، قال: ولو كان له صلاة لرجي له الثواب، ولم يخش عليه العقاب، واختلف في معنى الوعيد المذكور، فقيل: يحتمل أن يرجع ذلك إلى أمر معنويّ، فإن الحمار موصوف بالبلادة، فاستعير هذا المعنى للجاهل بما يجب عليه من فرض الصلاة ومتابعة الإمام، ويرجح هذا المجاز أن التحويل لم يقع مع كثرة الفاعلين، لكن ليس في الحديث ما يدل على أن ذلك يقع ولابد، وإنما يدل على كون فاعله متعرضًا، وكون فعله ممكنًا، لأن يقع عنه ذلك الوعيد، ولا يلزم من التعرض للشيء وقوع ذلك الشيء، وقال ابن بُزَيْزَة: يحتمل أن يراد بالتحويل المسخ، أو تحويل الهيئة الحسية أو المعنوية أو هما معًا، وحمله آخرون على ظاهره، إذ لا مانع من جواز وقوع ذلك في هذه الأمة، ففي حديث أبي مالك الأشعريّ في الأشربة "ويمسخ آخرين قِرَدَة وخنازير إلى يوم القيامة".
قال ابن العَرَبِيّ: يحتمل الحقيقة كما وقع للأمم السابقة، ويحتمل أن يكون كناية عن تبدل أخلاقهم. وللترمذيّ عن عائشة مرفوعًا "يكون في آخر هذه الأمة خسف ومسخ وقذف" ولابن أبي خَيْثَمة أيضًا مرفوعًا "يكون في أمتي الخسف والمسخ والقذف" ويقوي حمله على ظاهره، أن في رواية ابن حبان من وجه آخر عن محمد بن زياد "أن يحول الله رأسه رأس كلب" وهذا يبعد المجاز لانتفاء المناسبة التي ذكروها من بلادة الحمار، ومما يبعده أيضًا إيراد الوعيد بالأمر المستقبلى، وباللفظ الدال على تغيير الهيئة الحاصلة، ولو أريد تشبيهه بالحمار لأجل البلادة لقال مثلًا: فرأسه رأس حمار، لأن الصفة المذكورة، وهي البلادة، حاصلة في فاعل ذلك عند فعله المذكور، فلا يحسن أن يقال له: يخشى إذا فعلت كذا أن تصير بليدًا، مع أن فعله المذكور إنما نشأ عن البلادة.
وقال ابن الجوزيّ في الرواية التي عبر فيها بالصورة: هذه اللفظة تمنع تأويل من قال: المراد رأس حمار في البلادة، ولم يبين وجه المنع. وقال ابن العربيّ في القبس: ليس للتقدم قبل الإمام سبب إلا طلب الاستعجال، ودواؤه أن يستحضر أنه لا يسلم قبل الإِمام، فلا يستعجل في هذه الأفعال.
وفي الحديث كمال شفقته صلى الله تعالى وسلم بأمته، وبيانه لهم الأحكام، وما يترتب عليها