الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عند المالكية دوام تحريكها لما مرّ وعند الشافعية يقبض اليمنى مثل ما مرَّ، ويرفع السبابة مشيرًا بها مع إمالتها قليلًا عند قوله في التشهد:"لا إله إلا الله" ويديم رفعها ويقصد من ابتدائه بهمزة إلا الله أن المعبود واحد، فيجمع في توحيده بين اعتقاده وقوله وفعله ولا يحركها، فلو حركها كره ولم تبطل صلاته. وكذلك عند الحنابلة يشير بسبابتها من غير تحريك عند ذكر الله تعالى. وعند الحنفية قولان مصححان بالإشارة وعدمها: أي يشير عند النفي برفعها، وعند الإثبات بوضعها، قال ابن عابدين في ذيل رسالته المختار عند جمهور أصحابنا أنه يضع كفيه على فخذيه ثم عند وصوله إلى كلمة التوحيد يعقد الخنصر والبنصر، ويحلق الوسطى والإبهام، ويشير بالمسبّحة رافعًا لها عند النفي وواضعًا لها عند الإثبات، ثم يستمر على ذلك؛ لأنه ثبت العقد عند الإشارة بلا خلاف ولم يوجد أمر بتغييره، والأصل بقاء الشيء على ما هو عليه واستصحابه إلى آخر أمره. فعند هذه الأئمة الثلاثة الإِشارة عندهم لا تحريك معها إلا عند النفي والإثبات، ودليلهم ما رواه أبو داود والنَّسائيّ. وقال النووي: إسناده صحيح عن عبد الله بن الزبير، قال:"كان النبي صلى الله عليه وسلم يشيرُ بإصبعهِ إذا دعا ولا يحركُها". أي: فاكتفوا بالإشارة جاعلين معناها التوحيد، والمالكية أولوها بما مرّ عنهم.
تنبيه: قال القفال في "فتاويه": ترك الصلاة يضر بجميع المسلمين؛ لأن المصلي يقول: "اللهمّ اغفر لي وللمؤمنينَ والمؤمناتِ" ولابد أن يقول في التشهد: "السلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحين" فيكون مقصرًا في خدمة الله وفي حق رسوله وفي حق نفسه وفي حق كافة المسلمين؛ ولذلك عظمت المعصية بتركها، واستنبط منه السبكي أن في الصلاة حقًا للعباد مع حق الله تعالى، وأن مَنْ تركها أخلَّ بحق جميع المسلمين من مضى ومن يجيىء إلى يوم القيامة؛ لوجوب قوله فيها:"السَّلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحين".
رجاله أربعة:
قد مرّوا، مرّ أبو نعيم في الخامس والأربعين من الإِيمان، ومرّ الأعمش في الخامس والعشرين منه، ومرّ شقيق بن سلمة في الحادي والأربعين منه، ومرّ عبد الله بن مسعود في أثر أوله قبل ذكر حديث منه.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورجاله كلهم كوفيون. أخرجه البخاري في الصلاة أيضًا عن قبيصة وغيره. وأخرجه مسلم في الصلاة وكذا أبو داود والتِّرمِذِيّ والنَّسائيّ وابن ماجه. ثم قال المصنف:
باب الدعاء قبل السلام
أي: بعد التشهد هذا الذي يتبادر من ترتيبه لكن قوله في الحديث كان يدعو في الصلاة لا تقييد فيه بما بعد التشهد، وأجاب الكرماني فقال: من حيث إن لكل مقام ذكرًا مخصوصًا فتعيّن
أن يكون محلّه بعد الفراغ من الكل وهو آخر الصلاة وفيه نظر؛ لأن التعيين الذي ادّعاه لا يختص بهذا المحل لورود الأمر بالدعاء في السجود، فكما أن للسجود ذكرًا مخصوصًا ومع ذلك أمر فيه بالدعاء، فكذلك الجلوس في آخر الصلاة له ذكر مخصوص وأمر فيه مع ذلك بالدعاء إذا فرغ منه. وأيضًا فإن هذا هو ترتيب البخاري لكنه مطالب بدليل اختصاص هذا المحل بهذا الذكر، ولو قطع النظر عن ترتيبه لم يكن بين الحديث والترجمة منافاة؛ لأن قبل السلام يصدق على جميع الأركان، وبذلك جزم الزين بن المنير وأشار إليه النووي فقال: استدلال البخاري صحيح؛ لأن قوله في صلاتي في حديث أبي بكر يعم جميعها، ومن مظانَّه هذا الموطن، ويحتمل أن يكون سؤال أبي بكر عن ذلك الآتي في الحديث كان عند قوله لما علمهم التشهد، ثم ليختر من الدعاء ما شاء. ومن ثم أعقب المصنف الترجمة بذلك.
وقال ابن دقيق العيد في الكلام على حديث أبي بكر وهو ثاني حديثي الباب: هذا يقتضي الأمر بهذا الدعاء في الصلاة من غير تعيين محلّه، ولعل الأول أن يكون في أحد موطنين: السجود أو التشهد؛ لأنهما أمر فيهما بالدعاء، ولعلة ترجح كونهِ فيما بعد التشهد لظهور العناية بتعليم دعاء مخصوص في هذا المحل ونازعه الفاكهاني فقال: الأولى الجمع بينهما في المحلين المذكورين أي السجود والتشهد والذي يظهر أن البخاري أشار إلى ما ورد في بعض الطرق من تعيينه بهذا المحل ففي بعض طرق حديث ابن مسعود بعد ذكر التشهد، ثم ليختر من الدعاء ما شاء وسيأتي البحث فيه قريبًا. وقد أخرج ابن خزيمة عن ابن جريج عن عبد الله بن طاووس عن أبيه أنه كان يقول بعد التشهد كلمات يعظمهن جدًا قلت: في المثنى كليهما؟ قال: بل في التشهد الأخير. قلت: ما هي؟ قال: "أعوذُ باللهِ من عذابِ القبرِ" الحديث. قال ابن جريج أخبرنيه عن أبيه عن عائشة مرفوعًا ولمسلم عن أبي هريرة مرفوعًا "إذا تشهد أحدكم فليقل". فذكر نحوه، وله من وجه آخر:"إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير" فذكره وصرّح بالتحديث في جميع الإِسناد، فهذا فيه تعيين هذه الاستعاذة بعد الفراغ من التشهد فيكون سابقًا على غيره من الأدعية، وما ورد الإِذن فيه أن المصلي يتخير من الدعاء ما شاء يكون بعد هذه الاستعاذة وقبل السلام.