الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الحادي والثمانون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فِي حُجْرَتِهِ، وَجِدَارُ الْحُجْرَةِ قَصِيرٌ، فَرَأَى النَّاسُ شَخْصَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَامَ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ، فَأَصْبَحُوا فَتَحَدَّثُوا بِذَلِكَ، فَقَامَ اللَيْلَةَ الثَّانِيَةِ، فَقَامَ مَعَهُ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ، صَنَعُوا ذَلِكَ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، حَتَّى إِذَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يَخْرُجْ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ذَكَرَ ذَلِكَ النَّاسُ فَقَالَ إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْكُمْ صَلَاةُ اللَّيْلِ.
قوله: في حُجْرته، ظاهره أن المراد بيته، ويدل عليه ذكر جدار الحُجْرة في قوله "وجدار الحجرة قصير" وأوضح رواية حماد بن زَيْد عند أبي نُعيم بلفظ "كان يُصَلّي في حجرة من حجر أزواجه" والصحيح أنه ليس المراد بها بيته، وإنما المراد الحَصير التي كان يحتجرها بالليل في المسجد، فيجعلها على باب بيت عائشة، فيصلي فيه ويجلس عليه بالنهار، وورد هذا مبيناُ في كتاب اللباس عند المصنف عن عائشة بلفظ "كان يحتجر حصيرًا بالليل، فيصلي عليه، ويبسطه بالنهار فيجلس عليه"، ويحتمل أن يكون المراد الحجرة التي كان احتجرها في المسجد بالحصير، كما في الرواية التي بعد هذه، ورواية زيد بن ثابت التي بعدها.
وقد قال النوويّ: معنى يحتجر، يحوّط موضعًا من المسجد بحصير يستره ليصلي فيه، ولا يمر بين يديه مار ليتفرغ قلبه، ويتوفر خشوعه، وتَعَقَّبَهُ الكِرْمَانيّ بأن لفظ الحديث لا يدل على أن احتجاره كان في المسجد. قال: ولو كان كذلك للزم أن يكون تاركًا للأفضل الذي أمر الناس به، حيث قال:"أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" ثم أجاب بأنه إن صح أنه كان في المسجد فهو إذا اعتبر صار كأنه بيت بخصوصيته أو أن السبب في كون صلاة التطوع في البيت أفضل عدم شوبه بالرياء غالبًا، والنبي صلى الله عليه وسلم منزه عن الرياء في بيته وغير بيته.
ولأبي داود ومحمد بن نصر عن عائشة أنها هي التي نصبت له الحصير على باب بيتها، فإما أن يحمل على التعدد أو على المجاز في الجدار، وفي نسبة الحجرة إليها. وقوله: فقام ناس، في رواية الكُشْمِيْهَنيّ: فقام أناس، وهذا موضع الترجمة، لأن مقتضاه أنهم كانوا يصلون بصلاته، وهو داخل الحجرة، وهم خارجها. وقوله: فقام ليلة الثانية، كذا للأكثر بإضافة ليلة إلى الثانية، وفيه حذف تقديره ليلة الغداة الثانية، وقيل: هو من باب إضافة الموصوف إلى صفته. وفي رواية الأصيليّ "فقام الليلة الثانية".
وقوله: صنعوا ذلك ليلتين أو ثلاثًا، وفي رواية التهجد "ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة" رواه مالك بالشك، وفي رواية الجمعة "فصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا" وفي هذه الرواية التي هنا "فأصبحوا فتحدثوا بذلك" ولمسلم يتحدثون بذلك، ولأحمد "فلما أصبح تحدثوا أن النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد من جوف الليل، فاجتمع أكثر منهم" زاد يونس "فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في الليلة الثانية، فصلوا معه فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله" ولابن جريج "حتى كان المسجد يعجز عن أهله" ولأحمد "امتلأ المسجد حتى اغتص بأهله" وله أيضًا "فلما كانت الليلة الرابعة غص المسجد بأهله".
وقوله: فلم يخرج زاد أحمد عن ابن جريج "حتى سمعت" يعني عائشة "ناسًا منهم يقولون: الصلاة"، وفي رواية فقالوا ما شابه، وفي حديث زيد بن ثابت في الاعتصام "فقدوا صوته وظنوا أنه قد نام، فجعل بعضهم يتنحنح ليخرج إليهم" وفي حديثه في الأدب "فرفعوا أصواتهم، وحصبوا الباب" وقوله: فلما أصبحَ ذكر ذلك الناس، أي له، وأفاد عبد الرزاق عن عُروة أن الذي خاطبه بذلك عمر بن الخَطّاب، رضي الله تعالى عنه. وفي رواية التهجد "فلما أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم" وفي رواية عقيل في الجمعة "فلما قضى صلاة الفجر أقبل على الناس، فتشهَّد ثمّ قال: أما بعد، فإنيّ لم يخف عليّ مكانكم" وفي رواية يونُس وابن جُرَيج "لم يخف عليّ شأنكم" وفي رواية أبي سلمة "اكلفوا من العمل ما تُطيقون" وليس في شيء من طرقه بيان عدد صلاته في تلك الليلة، لكن روى ابن خُزَيْمَة وابن حِبّان عن جابر قال: "صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان ركعات، ثم أوتر، فلما كانت القابلة اجتمعنا في المسجد، ورجونا أن يخرج إلينا حتى أصبحنا، ثم دخلنا فقلنا: يا رسول الله .. " الحديث. فإن كانت القصة واحدة، احتمل أن يكون جابر ممن جاء في الليلة الثالثة، فلذلك اقتصر على وصف ليلتين.
وعند مسلم عن أنس "كان رسول الله-صلى الله عليه وسلم يصلي في رمضان، فجئت فقمت إلى جنبه، فجاء رجل فقام حتى كنا رهطًا، فلما أحس بنا تجوّز ثم دخل رحله" الحديث. والظاهر أن هذا كان في قصة أخرى. وقوله: إني خشيت أن تكتب عليكم صلاة الليل، وفي رواية التهجد، "إلَّا أني خشيت أن تفرض عليكم" وتكتب معناها تفرض، وهو ظاهر في أن عدم خروجه إليهم كان لهذه الخشية، لا لكون المسجد امتلأ وضاق على المصلين. وفي رواية عَقِيل وابن جُرَيج ويونُس زيادة "فتعجزوا عنها، أي تشق عليكم فتتركوها مع القدرة عليها، وليس المراد العجز الكليّ، لأنه يسقط التكليف من أصله، ثم إن ظاهر الحديث أنه عليه الصلاة والسلام توقع ترتب افتراض الصلاة بالليل جماعة على وجود المواظبة عليها، وفي ذلك إشكال، وقد بناه بعض المالكية على قاعدتهم في أن الشروع ملزم، وفيه نظر.
وأجاب المحب الطبريّ بأنه يحتمل أن يكون الله عز وجل أوحى إليه أنك إن واظبت على هذه الصلاة معهم، افترضتها عليهم، فأحب التخفيف عنهم، فترك المواظبة. قال: ويحتمل أن يكون ذلك وقع في نفسه كما اتفق في بعض القُرَب التي داوم عليها، فافترضت. وقيل: خشي أن يظن أحد من الأمة من مداومته عليها الوجوب، وإلى هذا نحا القُرْطُبيّ فقال: قوله فتفرض عليكم، أي تظنونه فرضًا، فيجب على من ظن ذلك، كما إذا ظن المجتهد، حل شيء أو تحريمه فإنه يجب عليه العمل به.
قلت: ما قاله القُرْطُبيّ مغاير لما قاله المحب الطَّبَريّ كما يفهم ذلك مَن تأمله، ثم قال القُرْطُبيّ: وقيل: كان حكم النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا واظب على شيء من أعمال البر، واقتدى الناس به فيه أنه يفرض عليهم، ولا يخفى بعد هذا الأخير، لأنه عليه الصلاة والسلام قد واظب على رواتب الفرائض، وتابعه أصحابه، ولم تفرض. وقال ابن بَطّال: يحتمل أن يكون هذا القول صدر منه صلى الله عليه وسلم، لمّا كان قيام الليل فرضًا عليه دون أمته، فخشي إن خرج إليهم والتزموا معه قيام الليل أن يسوي الله بينه وبينهم في حكمه، لأنّ الأصل في الشرع المساواة بين النبيّ صلى الله عليه وسلم وبين أمته في العبادة. قال: ويحتمل أن يكون خشي من مواظبتهم عليها أن يضعفوا عنها، فيعصي من تركها بترك اتباعه عليه الصلاة والسلام، وقد استشكل الخطابيّ أصل هذه الخشية مع ما ثبت في حديث الإسراء، من أن الله تعالى قال:"هن خمس، وهن خمسون، لا يبدل القول لديّ" فإذا أمن التبديل، فكيف يقع الخوف من الزيادة؟ وهذا يدفع في صدور الأجوبة التي تقدمت.
وقد أجاب عنه الخطابيّ بأن صلاة الليل كانت واجبة عليه صلى الله تعالى عليه وسلم، وأفعاله الشرعية يجب على الأمة الاقتداء به فيها، أي عند المواظبة، فترك الخروج إليهم لئلا يدخل ذلك في الواجب من طريق الأمر بالاقتداء به، لا من طريق إنشاء فرض جديد زائد على الخمس، وهذا كما يوجب المرء على نفسه صلاة نذر فتجب عليه، ولا يلزم من ذلك زيادة فرض في أصل الشرع. قلت: ما قاله الخَطّابيّ هنا هو ما مرَّ عن ابن بطال، إلا أنه هو زاد أن الأمة يجب عليها الاقتداء به عليه عليه الصلاة والسلام في أفعاله الشرعية، ولم أعلم أحدًا من العلماء قال: إن الأمة يجب عليها ما هو واجب عليه عليه الصلاة والسلام بالخصوص، ثمّ قال: وفيه احتمال الآخر، وهو أن الله فرض الصلاة خمسين، ثم حط معظمها بشفاعة نبيه صلى الله عليه وسلم، فإذا عادت الأمة فيما استوهب لها والتزمت ما استعفى لهم نبيهم عليه الصلاة والسلام منه، لم يستنكر أن يثبت ذلك فرضًا عليهم، كما التزم ناس الرهبانية من قِبَل أنفسهم ثم عاب الله عليهم التقصير فيها، فقال:{فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} [الحديد: 27]، فخشي صلى الله تعالى عليه وسلم أن يكون سبيلهم سبيل أولئك، فقطع العمل شفقة عليهم من ذلك.
قال في "الفتح": وقد تلقى هذين الجوابين من الخَطَّابِيّ جماعة من الشُّرَّاح كابن الجَوْزِيّ،
وهو مبني على أن قيام الليل كان واجبًا عليه صلى الله تعالى عليه وسلم، وعلى وجوب الاقتداء بأفعاله، وفي كل متن الأمرين نزاع قلت: أما قيام الليل فهو عندنا واجب عليه صلى الله تعالى وسلم من خصائصه، وأما وجوب اتباعه عليه الصلاة والسلام في جميع أفعاله فلم أر من قاله. وأجاب الكِرْمَانِيّ بأن حديث الإسراء يدل على أن المراد بقوله تعالى {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ} [ق: 29] إلا من نقص شيء من الخمس، ولم يتعرض للزيادة، لكن في ذكر التضعيف بقوله "هن خمس وهن خمسون" إشارة إلى عدم الزيادة أيضًا، لأنّ التضعيف لا ينقص عن العشر، ودفع بعضهم في أصل السؤال بأن الزمان كان قابلًا للنسخ، فلا مانع من خشية الافتراض، وفيه نظر، لأنّ قوله {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ} [ق: 29] خبر، والنسخ لا يدخله على الراجح.
وذكر في "الفتح" ثلاثة أجوبة:
أحدها: يحتمل أن يكون المخوف افتراض قيام الليل، بمعنى جعل التهجد في المسجد شرطًا في صحة التنفل بالليل، ويومىء إليه قوله في حديث زيد بن ثابت "حتى خَشِيْتُ أنْ يُكْتَبَ عليكم، ولو كُتِب عليكم ما قمتم به، فصلوا أيها الناس في بيوتكم" فمنعهم من التجميع في المسجد إشفاقًا عليهم من اشتراطه، وأمن مع إذنه في المواظبة على ذلك في بيوتهم من افتراضه عليهم.
ثانيها: يحتمل أن يكون المخوف افتراض قيام الليل على الكفاية لا على الأعيان، فلا يكون ذلك زائداً على الخمس، بل هو نظير ما ذهب إليه قوم في العيد ونحوها.
ثالثها: يحتمل أن يكون المَخُوف افتراض قيام رمضان خاصة، فقد وقع في رواية التهجد أن ذلك كان في رمضان، وفي رواية سُفيان بن حُسَين "خشيت أن يفرض عليكم قيام هذا الشهر" فعلى هذا يرتفع الإشكال، لأن قيام رمضان لا يتكرر كل يوم في السنة، فلا يكون ذلك قدرًا زائداً على الخمس. قال في "الفتح": وأقوى هذه الأجوبة في نظري الثلاثة الأُول.
وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم، ندب قيام الليل، ولاسيما في رمضان جماعة؛ لأن الخشية المذكورة أمنت بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك جمعهم عمر بن الخطاب على أُبيّ بن كَعْب رضي الله تعالى عنهما، كما يأتي في الصيام إن شاء الله تعالى، وفيه جواز الفرار من قدر الله إلى قدر الله، وفيه أن الكبير إذا فعل شيئًا خلاف ما اعتاده أتباعه، أن يذكر لهم عذره وحكمه والحكمة فيه. وفيه ما كان النبي صلى الله عليه وسلم فيه عليه من الزهد في الدنيا، والاكتفاء بما قل منها، والشفقة على أمته والرأفة بهم، وفيه ترك بعض المصالح خوف المَفْسَدَة، ونقديم أهم المصلحتين، وفيه جواز الاقتداء بمن لم ينو الإمامة، كما مرَّ مستوفى في باب إذا لم ينو الإمام أن يؤم، وفيه ترك الأذان والإقامة للنوافل إذا صليت جماعة.