الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الحادي عشر والمئة
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ وَرَّادٍ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: أَمْلَى عَلَيَّ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فِي كِتَابٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ.
قوله: "عن وراد" عند الإسماعيلي من رواية سليمان بن المعتمر حدّثنا ورّاد. وقوله: "في كتاب إلى معاوية" كان المغيرة إذ ذاك أميرًا على الكوفة من قِبل معاوية ويأتي في "الدعوات" عن ورّاد بيان السبب في ذلك، وهو أن معاوية كتب إليه: اكتب إليَّ حديثًا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي "القدر" عن وراد قال: كتب معاوية إلى المغيرة اكتب إليَّ ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول خلف الصلاة، وقد قيّدها في رواته الباب بالمكتوبة، وكأن المغيرة فهم ذلك من قرينة في السؤال، واستدل به على العمل بالمكاتبة وأجرائها مجرى السماع في الرواية ولو لم تقترن بالإجازة، وعلى الاعتماد على خبر الشخص الواحد. وقيل إن معاوية كان قد سمع الحديث المذكور وإنما أراد استثبات المغيرة، واحتج القائل بما في "الموطأ" أن معاوية كان يقول على المنبر:"أيّها الناسُ إنه لا مانعَ لما أعطى الله، ولا معطيَ لما منعَ الله، ولا ينفعُ ذا الجدِّ منه الجدُّ، من يُرِدِ اللهُ به خيرًا يفقهْهُ في الدينِ، ثم يقول سمعتهُ مِنْ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم على هذه الأعواد".
وقوله: "في دُبُر كلِّ صلاة" بضمتين وبسكون الباء الموحدة أي: عُقْب كلّ صلاة. وقوله: "لا إله إلا الله" بالرفع على الخبرية (للا) أو على البدل من الضمير المستتر في الخبر، أو من اسم (لا) باعتبار محله قبل دخولها، أو أن (إلا) بمعنى غير (أي لا إله غير الله في الوجود)؛ لأنا لو حملنا (إلا) على الاستثناء لم تكن الكلمة توحيدًا محضًا. قلت: لم يظهر لي معنى لم تكن توحيدًا محضًا، وعورض ما ذكر بأنه على تأويل (إلا) بغير يصير المعنى نفي إله مغاير له، ولا يلزم من نفي مغاير الشيء إثباته هو، فيعود الإشكال. وأجيب بأن إثبات الإله كان متفقًا عليه بين العقلاء إلا أنهم كانوا يثبتون الشركاء والأنداد، فكان المقصود بهذه الكلمة نفي ذلك وإثبات الإِله من لوازم المعقول. سلّمنا أن لا إله دلّت على نفي سائر الآلهة وعلى إثبات الإِلهية لله تعالى إلا أنها بوضع الشرع لا بمفهوم أصل اللغة. وقد يجوز النصب على الاستثناء أو الصفة لاسم (لا) إذا كانت بمعنى غير،
لكن المسموع الرفع. قال البيضاوي في آية: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ} أي: غير الله وصف بإلا لما تعذر الاستثناء لعدم شمول ما قبلها لما بعدها، ودلالة على ملازمة الفساد لكون الآلهة فيهما دونه، والمراد ملازمته لكونها مطلقًا أو معه حملًا لها على غير كما استثنى بغير حملًا لها عليها. ولا يجوز الرفع على البدل لأنه متفرغ على الاستثناء ومشروط بأن يكون في كلام غير موجب، ثم اعلم أنه لا خلاف أن في قولك قام القوم إلا زيدًا مخرجًا ومخرجًا منه، وأن المخرج ما بعد (إلا) والمخرج منه ما قبلها، ولكن قبل (إلا) شيئان: القيام، والحكم به. والقاعدة أن ما خرج من نقيض دخل في النقيض الآخر، واختلفوا هل زيد مخرج من القيام أو من الحكم به، والذي عليه محققو النحاة والفقهاء أنه مخرج من القيام فيدخل في عدم القيام، فهو غير قائم. وقيل هو مخرج من الحكم بالقيام فيدخل في عدم الحكم، فهو غير محكوم عليه وهو قول قوم من الكوفيين ووافقهم الحنفية. فعند غير الحنفية أن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإِثبات نفي، وعندهم أن المستثنى غير محكوم عليه بشيء، ومن حجج الجمهور الاتفاق على حصول التوحيد بقول (لا إله إلَاّ الله) وذلك إنما يتمشى على القول بأن المستثنى محكوم عليه لا على قولهم إنه مسكوت عنه.
واحتج الحنفية بحديث: "لا نكاحَ إلَاّ بولي، ولا صلاةَ إلا بطهورٍ"، فإنه لا يجب تحقق الصلاة عند الطهور لتوقفه على شرائط أخر. وأورد عليه أنه على هذا التقدير لا تكون كلمة التوحيد توحيدًا تامًا؛ لأنه يكون المراد منها نفي الألوهية عن غير الله تعالى، ولا يلزم منه إثبات الألوهية له تعالى، وهذا ليس بتوحيد. وأجابوا عن هذا بما مرّ من أن إثبات الإله كان متفقًا عليه إلخ. وقد مرّ بعض مباحث (لا إله إلاّ الله) في أول كتاب "الإِيمان" عند حديث:"بُنيَ الإِسلامُ على خمسٍ: شهادةِ أنْ لا إِلهَ إِلاّ اللهُ".
وقوله: "وحده" منصوب على الحال أي: (لا إلَه منفردًا). وقوله: "لا شريك له" تأكيد لقوله وحده؛ لأن المتصف بالوحدانية لا شريك له، وكونه لا شريك له ثابت عقلًا ونقلًا: أما عقلًا فلأن وجود إلهين محال إذ لو فرضنا وجودهما لكان كل واحد منهما قادرًا على كل المقدورات، فلو فرضنا أن أحدهما أراد تحريك زيد والآخر تسكينه فإما أن يقع المرادان وهو محال لاستحالة الجمع بين الضدين، أو لا يقع واحد منهما وهو محال؛ لأن المانع من وجود مراد كل واحد منهما حصول مراد الآخر، ولا يمتنع وجود مراد هذا إلا عند وجود مراد الآخر أو بالعكس، فلو لم تنفذ الإِرادتان لزم وجود الفعل بهما وعدم وجوده بهما، وبيان ذلك أن إحدى الإِرادتين إذا لم تنفذ فلم يوجد الفعل بها وجد بالأخرى إذ لا وجود له إلا بأحدهما، لكن الأخرى لم تنفذ أيضًا فيلزم نفوذ الأولى إذ لا مانع لها فيوجد بها، فقد لزم وجود الفعل بهما وعدم وجوده بهما. وأما نقلًا، فلقوله تعالى:{وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} هو الأول والأخر، والأول هو الفرد السابق وذلك يقتضي أن لا شريك له، وبسط هذا الدليل محله كتب التوحيد.
وقوله: "له المُلك" المُلك بضم الميم يعم وبكسرها يخص؛ فلأجل ذلك قيل الملك بكسر
اللام من الملك بالضم، والمالك من الملك بالكسر وقوله تعالى:{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} قرىء بكسر اللام ويمد الميم واختلف أي القرائتين أبلغ قيل: (مَلِك) أعم وأبلغ من (مالك) إذ كل (مَلِك)(مالك) ولا عكس؛ ولأن أمر (المُلْك) نافذ على (المالك) في ملكه حتى لا يتصرف (المالك) إلا عن تدبير (المَلِك). وقيل المالك أبلغ؛ لأنه يقال مالك الدار ومالك الدابة، ولا يقال (مَلِك) إلا لملك من الملوك، ولما فيها من زيادة البناء. وقال قطرب: الفرق بينهما أن ملكًا من الملوك، وأما مالك فهو مالك الملوك. وقد فُسر الملك في القرآن بمعان مختلفة، والمعنى هاهنا له جميع أصناف المخلوقات.
وقوله: "وله الحمد" أي: جميع حمد أهل السموات والأرض، وجميع أصناف المحامد التي بالأعيان والأعراض بناء على أن الألف واللام لاستغراق الجنس، ولما كان الله تعالى مالك المُلك كله استحق أن يكون جميع المحامد له دون غيره، فلا يُحمد غيره. وأما قولهم: حمدت فلانًا على صنيعه أو الجوهرة على صفائها، فذلك حمد للخالق في الحقيقة؛ لأن حمد المخلوق على فعل أو صفة حمد لخالقه الموجد لذلك.
وقوله: "وهو على كلّ شيء قدير" من باب التتميم والتكميل؛ لأن الله تعالى لما كانت الوحدانية له والمُلك له، والحمد له، فبالضرورة يكون قادرًا على كلّ شيء وذكره يكون للتتميم والتكميل. والقدير اسم من أسماء الله تعالى، كالقادر والمقتدر وله القدرة الكاملة الباهرة. زاد الطبري عن المغيرة:"يحيي ويميتُ وهو حيٌّ لا يموتُ، بيدهِ الخيرُ وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ" ورواته موثقون. وثبت عند البزار عن عبد الرحمن بن عوف بسند ضعيف لكن في القول إذا أصبح وإذا أمسى وأخرجه التِّرمِذِيّ عن عمر رفعه: "من قال حينَ يدخلُ السوقَ لا إِله إلَاّ الله بتمامه" وفي سنده لين.
وقوله: "اللَّهمَّ لا مانعَ لما أَعطيتَ" أي: للذي أعطيته. وقوله: "ولا معطيَ لما منعتَ" أي: للذي منعته. وفي مسند عبد بن حميد من رواية معمر عن عبد الملك بن عمير بهذا الإسناد زيادة: "ولا رادَ لما قضيتَ" لكن حُذف.
قوله: "ولا معطيَ لما منعتَ" ووقع عند الطبراني تامًا من وجه آخر، وعند أحمد والنَّسائيّ وابن خزيمة عن عبد الملك بن عمير بالإِسناد المذكور أنه كان يقول الذكر المذكور أو ثلاث مرات، وقد أجاز البغداديون ترك تنوين الاسم المطول فأجازوا (لا طالع جبلًا) أجروه في ذلك مجرى المضاف كما أجري مجراه في الإعراب. قال ابن هشام: وعلى ذلك يتخرج الحديث. قال الدماميني: بل يتخرج الحديث على قول البصريين أيضًا بأن يجعل مانع اسم (لا) مفردًا مبينًا معها، إما لتركيبه معها تركيب خمسة عشر، وإما لتضمنه معنى (من) الاستغراقية على الخلاف المعروف في المسألة والخبر محذوف أي:(لا مانع مانع لما أعطيت) واللام للتقوية. ذلك أن تقول تتعلق، ولك أن تقول لا تتعلق. وكذا القول في "ولا معطي لما منعت" وجوز الحذف ذكر مثل المحذوف وحسنه دفع
التكرار، فظهر بذلك أن التنوين على رأي البصريين ممتنع، ولعل السر في العدول عن تنوينه، إرادة التنصيص على الاستغراق ومع التنوين يكون الاستغراق ظاهرًا لا نصًا، فإن قيل إذا نون الاسم كان مطولًا ولا عاملة، وقد تقرر أنها عند العمل ناصة على الاستغراق. أجيب بأن بعضهم خص الاستغراق بحالة البناء من جهة تضمن معنى (من) الاستغراقية، ولو سلم ما قيل لم يتعين عملها في هذا الاسم المنصوب حتى يكون النصب على الاستغراق حاصلًا لاحتمال أن يكون بفعل محذوف، أي: لا نجد ولا نرى مانعًا ولا معطيًا فعدل إلى البناء لسلامته من هذا الاحتمال.
وقوله: "ولا ينفع ذا الجَدَّ منك الجَدُّ" أي: بفتح الجيم فيهما الغنى أي: لا ينفع ذا الغنى عندك غناه إنما ينفعه العمل الصالح وعلى هذا تكون (من) في قوله منك بمعنى عند. وقيل بمعنى بدل كما في قوله تعالى: {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ} أي: بدل الآخرة وكقول الشاعر:
فليتَ لنا مِنْ ماءِ زمزمَ شربةً
…
مبردةً باتتْ على الطَّهَيانِ
والطهيان بحركات خشبة يبرَّد عليها الماء. وقال ابن التين ليست بمعنى عند ولا بدل بل هي كقولك: (ولا ينفعُكَ مني شيءٌ إنْ أنا أردتُكَ بسوءٍ) ومقتضى قوله: أنها بمعنى عند أو فيه حذف تقديره (من قضائي أو سطوتي أو عذابي) واختار في المغني الأول. قال ابن دقيق العيد: قوله "منك" تجب أن يتعلق بينفع وينبغي أن يضمن ينفع معنى يمنع وما قاربه، ولا يجوز أن يتعلق "منك" بالجد كما يقال (حظي منك كثير)؛ لأن ذلك نافع (والجد) مضبوط بالفتح في جميع الروايات. ومعناه الغنى والحظ، وحكى الراغب أن المراد به هنا أبو الأب أي: لا ينفع أحداً نسبه. ورواه أبو عمرو الشيباني بالكسر ومعناه: لا ينفع ذا الاجتهاد اجتهاده وأنكره الطبري. ووجه القزاز إنكاره بأن الاجتهاد في العمل نافع؛ لأن الله تعالى دعا الخلق إلى ذلك فكيف لا ينفع عنده؟ قال فيحتمل أن يكون المراد أنه لا ينفع الاجتهاد في طلب الدنيا وتضييع الآخرة. قلت: هذا الاحتمال بعيد جدًا؛ لأنه أوضح من أن ينفى. وقال غيره: لعل المراد أنه لا ينفع بمجرده ما لم يقارنه القبول وذلك لا يكون إلا بفضل الله ورحمته كما يأتي في "الرقاق" في باب: (القصد والمداومة على العمل) عند حديث: "لا يُدخلُ أحدًا منكم الجنَةَ عملُهُ". وقيل المراد على رواية الكسر السعي التام في الحرص أو الإِسراع في الهرب. قال النووي: المشهور الذي عليه الجمهور أنه بالفتح وهو الحظ في الدنيا بالمال أو الولد أو العظمة أو السلطان، والمعنى لا ينجيه حظه منك وإنما ينجيه فضلك ورحمتك، وفي الحديث استحباب هذا الذكر عقيب الصلوات لما اشتمل عليه من ألفاظ التوحيد ونسبة الأفعال إلى الله والمنع والإِعطاء وتمام القدرة، وفيه المبادرة إلى امتثال السُّنن وإشاعتها. وروى ابن خزيمة عن أبي بكرة:"أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كان يقولُ في دُبُرِ الصلوات: "اللَّهُمَّ إنِّي أعوذ بكَ مِنَ الكفرِ والفقرِ وعذاب القبرِ". وروى أيضًا عن عقبة بن عامر قال: "قال لي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "اقرأْ المعوذاتِ في دُبُرِ كلِّ صلاةٍ". وعند النَّسائيّ: "اقرأ بالمعوذتين". وعند ابن السني عن أبي أمامة: "مَنْ قرأ آية الكرسي، وقُلْ هو اللهُ أحدٌ دُبُرَ كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ لم يمنعه من دخولِ الجنَّةِ