الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثاني عشر
حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رضى الله عنهما كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
قوله: كانوا يفتتحون الصلاة أي: القراءة في الصلاة، وكذا رواه ابن المنذر والجوزقي وغيرهما من طريق حفص بن عمر شيخ البخاري فيه بلفظ: كانوا يفتتحون بالحمد لله رب العالمين. وكذلك رواه البخاري في جزء القراءة خلف الإمام وقوله بالحمد لله رب العالمين أي: بضم الدال على الحكاية، واختلف في المراد بذلك فقيل المعنى كانوا يفتتحون بالفاتحة وهذا قول من أثبت البسملة في أولها وتعقب بأنها تسمى الحمد فقط.
وأجيب بمنع الحصر ومستنده ثبوت تسميتها بهذه الجملة فيما أخرجه البخاري في فضائل القرآن عن أبي سعيد بن المعلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: الا أعلمك أعظم سورة في القرآن. فذكر الحديث، وفيه قال الحمد لله رب العالمين: هي السبع المثاني، وقيل المعنى كانوا يفتتحون بهذا اللفظ تمسكًا بظاهر الحديث، وهذا هو الأقوى إذ لا يعدل عن حقيقة اللفظ وظاهره إلى مجازه إلا بدليل. وهذا قول من نفى قراءة البسملة.
ولأجل اختلاف الأحاديث الواردة فيها اختلفت العلماء في قراءتها في أول الفاتحة. فذهب مالك وأصحابه إلى أنها ليست من الفاتحة، وتكره قراءتها في الفرض سرًا وجهرًا، وفي النافلة إن شاء قرأها وإن شاء ترك، والأفضل قراءتها.
وبقوله قال الأوزاعي والطبري. وقال الشافعي هي آية من الفاتحة يخفيها إذا أخفى ويجهر بها إذا جهر واختلف قوله هل هي آية من كل سورة؟ على قولين: أحدهما نعم، وهو قول ابن المبارك. والثاني لا، وقال أبو حنيفة وأحمد والثوري وابن أبي ليلى: يقرأ بها وجوباً سرًا مع أم القرآن في كل ركعة، إلا ابن أبي ليلى فإنه قال: ان شاء جهر بها وإن شاء أخفاها.
وعند أحمد قراءتها سنة واجبة. واحتج كل فريق بأحاديث ظاهرة في مذهبه. فاحتجت المالكية بحديث البخاري هذا فإن قوله كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين، نصّ في أنهم ما كانوا يبسملون أصلًا وقول المخالف لا يلزم من قوله كانوا يفتتحون بالحمد أنهم لم يقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم سرًا بعيد جدًا، إذ يبعد جدًا أنّ أنسًا صحب النبي صلى الله عليه وسلم مدة عشر سنين ثم يصحب أبا بكر وعمر وعثمان خمسًا وعشرين سنة، فلم يسمع الجهر منهم بها في صلاة واحدة.
وأخرج مسلم حديث البخاري هذا ولفظه: كانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها. وهذا نصّ صريح دال على ما ذكرناه من أن المراد بالأول عدم البسملة أصلًا لا عدم الجهر بها. فالحديث بعضه يفسر بعضًا.
ولحديث أنس طرق أخرى دون ما أخرجه أصحاب الصحاح في الصحة، وكل ألفاظه يرجع إلى معنى واحد يصدّق بعضها بعضًا:
الأول: كانوا لا يستفتحون القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم.
الثاني: فلم أسمع أحدًا منهم يقول أو يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم.
الثالث: فلم يكونوا يقرؤون بسم الله الرحمن الرحيم.
الرابع: فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين.
وصحح الخطيب هذا اللفظ، وجعل ما سواه ضعيفًا، لرواية الحفاظ له عن قتادة ولمتابعة غير قتادة له عن أنس، وجعل اللفظ المحكم عن أنس وجعل غيره متشابهًا، وحقيقة هذا اللفظ الافتتاح بالآية من غير ذكر التسمية سرًا أو جهراً فكيف يجوز العدول عنه بغير موجب. ويؤكده قوله في رواية مسلم لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم لا في أول قراءة ولا في آخرها.
وقَدْحُ بعضهم في صحة حديث مسلم هذا يكون الأوزاعي رواه عن قتادة مكاتبةً فيه نظر، فإن الأوزاعي لم ينفرد به، فقد رواه أبو يَعلَى عن أحمد الدَّورقي والسراج عن يعقوبَ الدَّورقي وعبد الله بن أحمد عن أحمد بن عبد اللة السُّلَمي، ثلاثتهم عن أبي داود الطيالسي عن شُعْبة بلفظ: فلم يكونوا يفتتحون القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم.
واحتجوا أيضًا بما أخرجه مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يقول الله تعالى قُسمتِ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفُها لي ونصفُها لعبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قال: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حَمدني عبدي الخ. فهذا واضح في أن البسملة ليست من الفاتحة وإلا لابتدأ بها.
وقال أبو عمر: حديث العلاء هذا قاطع لقلق المنازعين، وهو نص لا يحتمل التأويل، ولا أعلم حديثًا في سقوط البسملة أبين منه، والاعتراض على هذا الحديث بأن العلاء بن عبد الرحمن قد تُكلّم فيه مردود بأنه قد رواه عن العلاء الأئمة الثمَات الأثبات، كمالك، وابن عُيينة، وابن جُرَيح، وشُعيب، والوليد بن كَثير، وعبد العزيز الدراوردي وغيرهم. وكذلك الاعتراضَ عليه بأن الدارقطني أخرجه وفيه فإذا افتتح الصلاة ببسم الله الرحمن المرحيم، فإن هذه الرواية انفرد بها عن العلاء بن سمعان. وقد قال مالك فيه كان كذابًا. وكذا قال يحيى بن مَعين. وقال هشام بن عُروة: لقد كذب عليّ وحدّث عني بأحاديث لم أحدّثه بها. وقال أحمد متروك الحديث.
واحتجوا أيضًا بما أخرجه الترمذي عن ابن عبد الله بن مغفَّل قال: سمعني أبي وأنا في الصلاة
أقول بسم الله الرحمن الرحيم فقال: أيْ بنيَّ محدَث إياك والحدث. قال: ولم أر أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أبغض إليه الحدث في الإِسلام منه. قال: وقد صلّيت مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر ومع عمر ومع عثمان فلم أسمع أحدًا منهم يقولها، فلا تقلْها، فإذا أنت صلّيت فقل الحمد لله رب العالمين.
قال الترمذي حديث حسن، والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم، ومَن بعدهم من التابعين. وأخرجه النَّسائي وابنُ ماجَهْ أيضًا. قلت في نفي الصحابة للبسملة في الصلاة: وقوله فقل الحمد لله رب العالمين دلالة واضحة على ما ذكرناه من كون حديث البخاري دالاً على نفي البسملة في الصلاة رأسًا لا على نفي الجهر بها لأن قول الصحابي قل: الحمد لله رب العالمين مع نفيه للبسملة صريح في ذلك.
وما روى عن أبي خزيمة وابن عبد البر والخطيب من تضعيف هذا الحديث بأن مداره على ابن عبد الله بن مغفَّل وهو مجهول، مردود بأنه رواه أبو نَعامة في مسند أحمد عن ابن عبد الله بن مغفَّل، ورواه الطبراني في معجمه عن عبد الله بن بُريدة عن ابن عبد الله بن مغفَّل. وأخرجه أيضًا عن أبي سفيان طريف بن شهاب عن يزيد بن عبد الله بن مغفَّل، فهؤلاء ثلاثة رووا الحديث عن ابن عبد الله بن مغفَّل وسمّاه الأخير منهم، ورواية اثنين عن راو تزيل عنه الجهالة فضلًا عن ثلاثة. وأيضًا عبد الله بن مغفَّل له ثلاثة من البنين يزيد وزياد ومحمّد وكلّهم مروي عنه الحديث مشهور بالرواية لم يرو أحد منهم حديثًا منكرًا ليس له شاهد ولا متابع حتى يجرح بسببه، وإنما رووا ما رواه غيرهم من الثقات، فبان أن هذا التضعيف مردود.
واحتجوا أيضًا باستمرار عمل أهل المدينة في محراب النبي صلى الله عليه وسلم ومقاصد على تركها، كما دلّ عليه حديث أنس المتقدم وحديث عبد الله بن مغفَّل.
ولا يظن عاقل أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأكابر التابعين وأكثر أهل العلم كانوا يواظبون على خلاف ما كان صلى الله عليه وسلم يفعله إلى غير هذا من الأدلة. وقالت الشافعية إن حديث البخاري المراد به الافتتاح بالفاتحة فلا تعرض فيه لكون البسملة منها أولًا. وقد مرَّ ما فيه. وقالوا إن حديث مسلم المار لم يكونوا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم محمول على نفي سماعها فيحتمل إسرارهم بها وقد مرَّ ما فيه أيضًا.
قالوا: ويؤيده رواية النسائي وابن حِبّان فلم يكونوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم، فنفي القراءة محمول على نفي السماع، ونفي السماع على نفي الجهر.
ويؤيده رواية ابن خزيمة كانوا يسرّون ببسم الله الرحمن الرحيم. قالوا: وقد قامت الأدلة والبراهين للشافعي على إثباتها، ومن ذلك حديث أم سَلَمة المروي في البيهقي وصحيح ابن خزيمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم في أول الفاتحة وعدّها آية.