الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الخامس والمئة
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الْحَارِثِ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِى تَسْلِيمَهُ، وَمَكَثَ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَأُرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ مُكْثَهُ لِكَيْ يَنْفُذَ النِّسَاءُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ مَنِ انْصَرَفَ مِنَ الْقَوْمِ.
قوله: "قام النساء حين يقضي"، ولابن عساكر "حتى يقضي" أي: يتم تسليمه ويفرغ منه. وقوله: "فأُرى" بضم الهمزة أي: أظن. وقوله: "لكي ينفُذ النساء" بفتح المثناة التحتية وضم الفاء آخره ذال معجمة أي: يخرجن. وقوله: "قبل أن يدركهن" أي: بنون النسوة، ولأبي ذرٍ في نسخة "قبل أن يدركهم".
وقوله: "مَنْ انصرفَ من القوم" أي: المصلين، وموضع الترجمة قوله كان إذا سلم، ويمكن أن تستنبط الفرضية من التعبير بلفظ كان المشعر بتحقق مواظبته عليه الصلاة والسلام على ذلك وقد قال صلى الله عليه وسلم:"صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي". وبفرضية التسليم قال مالك والشافعي وأحمد وأصحابهم: إذا انصرف المصلي من صلاته بغير لفظ التسليم فصلاته باطلة. حتى قال النووي: ولو اختل حرف من حروف السلام عليكم لم تصح صلاته. واحتجوا بما أخرجه أبو داود والترمِذِيّ، وقال هذا أصَحُ شيء في هذا وأحسن وابن ماجه والحاكم في "مستدركه"، وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه عن علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه- قال:"قال رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم مفتاحُ الصلاةِ الطهورُ وتحريمُها التكبيرُ، وتحليلُها التسليمُ".
وذهب عطاء بن أبي رباح وسعيد بن المسيب وقتادة وأبو حنيفة وصاحباه وابن جرير الطبري إلى أن التسليم ليس بفرض حتى لو تركه لا تبطل صلاته؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: "إذا قعدَ الإمامُ في آخر صلاتِهِ ثم أحدثَ قبلَ أن يسلمَ، فقد تمتْ صلاتُهُ". قال ابن حجر هذا الحديث ضعفه الحفاظَ، واستدلوا أيضًا بما رواه الجماعة بطرق متعددة وألفاظ مختلفة عن ابن مسعود:"أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم صلَّى الظهرَ خمسًا، فلما سلَّمَ أخبر بصنيعه فثنى رجلَهُ فسجَد سجدتين". ففي هذا الحديث أنه أدخل في الصلاة ركعة من غيرها قبل السلام، ولم يرد ذلك مفسدًا للصلاة، فدل ذلك أن السلام ليس من أصلها ولو كان واجبًا كوجوب السجدة في الصلاة لكان حكمه أيضًا كذلك،
ولكنه بخلافه فهو سنة. قلت: لا دليل لهم في هذا الحديث؛ لأن السلام لم يترك وإنما أُخر عن محله نسيانًا، وكذلك كل ركن إذا ترك نسيانًا يتدارك بالإِتيان به. وأجاب الطحاوي عن حديث تحليلها التسليم بأنه من الآحاد، فلا يثبت به الفرض، وأورد عليه إثبات فرضيته تكبيرة الإحرام بالآحاد، وأجابوا عن ذلك بأن فرضية التكبير في أول الصلاة وهو قوله تعالى:{وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} . غاية ما في الباب أن الحديث يكون بيانًا لما يراد من النص، والبيان به يصح كما في مسح الرأس.
قلت: غير خافٍ أن ما ذكروه في معنى الآيتين غير متحتم، بل لهما تأويل غير ذلك ولاسيما الأخيرة ولم يذكر في الحديث عدد التسليم، وقد اختلف العلماء فيه فذهب عمر بن عبد العزيز والحسن البصري وابن سيرين ومالك والأوزاعي إلى أن التسليم في آخر الصلاة مرة واحدة. وروي عن عائشة وابن عمر وأنس واستدلوا بالحديث المار قريبًا:"تحريمُها التكبيرُ وتحليلُها التسليمُ" فحيث كان التحريم حاصلًا بالإجماع بتكبيرة واحدة كذلك التحليل يحصل بتسليمة واحدة فأي فرق بينهما؟ بل لو كان بينهما فرق لكان التكبير أولى بالتكرير؛ لأنه دخول في الشيء، والدخول آكد من الخروج؛ ولأجل هذا لم توجب الحنفية السلام كما مرّ قريبًا. واحتجوا أيضًا بحديث عائشة المروي في "السنن":"أنه صلى الله عليه وسلم كانَ يسلمُ تسليمةً واحدةً السَّلامُ عليكم يرفعُ بها صوتَهُ حتى يوقظنا بها".
وأخذ الشافعي وأبو حنيفة وصاحباه والثوري والشعبي وإسحاق وابن المنذر بأن التسليم في آخر الصلاة اثنتان: مرة عن يمينه، ومرّة عن شماله. وروى عن أبي بكر وعلي وابن مسعود وعمّار -رضي الله تعالى عنهم- واحتجوا بما رواه مسلم من حديث ابن مسعود وسعد بن أبي وقاص أنه كان يسلم تسليمتين: تسليمة عن يمينه، وتسليمة عن يساره، بل ذكرهما الطحاوي من حديث ثلاثة عشر صحابيًا وزاد غيره سبعة، وأجابوا عن حديث عائشة بأنه معلول كما ذكره العُقيلي وابن عبد البر، وبأنه في قيام الليل والذين رووا عنه التسليمتين رووا ما شهدوه في الفرض والنفل. وحديث عائشة ليس صريحًا في الاقتصار على تسليمة واحدة بل أخبرت أنه كان يسلم تسليمة يوقظهم بها ولم تنفِ الأخرى؛ بل سكتت عنها وليس سكوتها عنها مقدمًا على رواية من حفظها وضبطها وهم أكثر عددًا وأحاديثهم أصح.
قلت: انظر كيف يصح هذا الكلام مع أن عائشة مصرحة في حديثها السابق بلفظ: "تسليمة واحدة" فأي صريح بعد لفظ واحدة؟ وأجاب مالك ومن معه عن حديث سعد بن أبي وقاص بأنه وهم، وإنما الحديث كما رواه ابن المبارك بسنده عنه "أنه صلى الله عليه وسلم كانَ يسلِّمُ عن يمينِهِ ويسارِهِ". وهذا اللفظ ليس صريحًا في تسليمتين، بل معناه أنه كان يسلِّم تارة عن يمينه، وتارة عن شماله، أي غير ملتزم للسلام على اليمين كما يدل عليه حديث ابن مسعود الآتي في باب "الانفتال والانصراف عن اليمين والشمال" فعلى هذا، لا يكون في الحديثين دليل على التسليمتين المذكورتين وفي
"المغني" لابن قدامة التسليم واجب لا يقوم غيره مقامه والواجب تسليمة واحدة والثانية سُنّة. وقال ابن المنذر أجمع العلماء على أن صلاة من اقتصر على تسليمة واحدة جائزة. وقال الطحاوي: قال الحسن بن مرَّ: هما واجبتان، وهي رواية عن أحمد، وبه قال بعض أصحاب مالك. وفي "المغني" أيضًا السُّنَّة أن يقول:"السَّلامُ عليكُمْ ورحمةُ اللهِ" وإن قال: "وبركاتُهُ" أيضًا فحسن، والأول أحسن وإن قال:"السَّلامُ عليكُم" ولم يزد فظاهر كلام أحمد أنه يجزئه. وقال ابن عقيل: الأصح أنه لا يجزئه وإن نكس السلام فقال: "وعليكمُ السَّلامُ" لم يجزئه.
وقال القاضي: فيه وجه أنه يجوز ويجزىء عند الشافعية لكن مع الكراهة كما في "المجموع" وأكمله عندهم "السَّلامُ عليكُم ورحمةُ اللهِ" لأنه المأثور ولا تسن زيادة وبركاته كما صححه في "المجموع". ولا يجزىء سلام بتنوين، أو دونه ولا "سلامي"، أو "سلام الله عليكم"، أو "عليك" أو "عليكما"، وتبطل صلاته في صورة الخطاب إن تعمد ذلك. وفي "المجموع" قال الشافعي والأصحاب: إذا اقتصر الإِمام على تسليمة سن للمأموم تسليمتان؛ لأنه خرج من المتابعة بالأولى بخلاف التشهد الأول لو تركه الإِمام لزم المأموم تركه؛ لأن المتابعة واجبة عليه قبل السلام، وعند الشافعية تسن التسليمة الثانية على المشهور إلا أن يعرض له عقب الأولى ما ينافي صلاته كأن تخرّق خفه، أو انكشفت عورته أو سقطت عليه نجاسة فيجب الاقتصار على الأولى ويسن له الفصل بين التسليمتين.
وعند المالكية صفة السلام الواجب هي ما مرّت عند الشافعية بأن يكون السلام معرفًا بأل لا بالإضافة "كسلامي عليكم" أو "سلام الله"، وأن يكون بلفظ الجمع والخطاب إذ لا يخلو المصلي من مصحوب أقلهم الحفظة، ولا يضر زيادة "ورحمة الله وبركاته"؛ لأنها خارجة من الصلاة وظاهر كلام أهل المذهب أنها ليست بسنة وإن ورد بها الحديث؛ لأنه لم يصحبها عمل أهل المدينة. والظاهر أنها خلاف الأولى كالتسليمة الثانية للإمام والفذ فلو نكّر السلام ففيه ثلاثة أقوال: المشهور عدم الإجزاء، وقيل يجزىء، وقيل هو الأفضل؛ لأنه سلام أهل الجنة ولو عرّفه ونوّنه بطلت صلاته على المشهور، ونظم هذا شيخنا عبد الله بن محمد سالم بقوله:
منكِّرُ السلامِ فيه اختلفا
…
فقيل يجزىءُ ومشهورٌ نفى
وقيل راجحٌ ومنْ قدْ عَرّفا
…
مُنونًا فالبطلُ فيه عرفا
وقيل لا القلشاني بالحكم وفي
واختلف عند المالكية والشافعية هل تجب نيّة الخروج من الصلاة أو لا تجب فقيل تجب تجديد نيّة الخروج من الصلاة بالسلام لتميزه عن جنسه كافتقار تكبيرة الإحرام إليها لتميزها عن غيرها، وعلى الاشتراط لو سلم من غير نيّة مقارنة للسلام بطلت صلاته واختلف التشهير عند المالكية. والمشهور عند الشافعية عدم الاشتراط؛ لأن النيّة الأولى منسحبة على جميع الصلاة، ولكن تُسنُّ خروجًا من الخلاف وعلى عدم الاشتراط، فافرق بينه وبين تكبير الإحرام حيث اشترطت