الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث التاسع والسبعون
حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أُمِرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ، وَلَا يَكُفَّ شَعَرًا وَلَا ثَوْبًا الْجَبْهَةِ وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ.
قوله: "أُمر النبي صلى الله عليه وسلم" بضم همزة أمر بالبناء للمفعول، والآمر هو الله جل جلاله. قال البيضاوي: عرف ذلك بالعرف وذلك يقتضي الوجوب، قيل وفيه نظر؛ لأنه ليس فيه صيغة (أفعل) ولما كان هذا السياق يحتمل الخصوصية وإنْ كان الصحيح عند أهل الأُصول أن خطاب النبي صلى الله عليه وسلم خطاب لأُمته عقبه المصنف بلفظ آخر دال على أنه لعموم الأمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أُمرنا" في الحديث التالي لهذا وعرف بهذا أن ابن عباس تلقاه عن النبي صلى الله عليه وسلم إما سماعًا منه، وإما بلاغًا عنه وقد أخرجه مسلم عن العباس بن عبد المطلب بلفظ:"إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب" الحديث، وهذا يرجح أن النون في "أُمرنا" نون الجمع فيحتمل أن يكون ابن عباس تلقاه عن أبيه -رضي الله تعالى عنهما- والآراب بالمد جمع إرْب بكسر أوله وإسكان ثانيه وهو العضو.
وقوله: "ولا يكفَ شعرًا ولا ثوبًا" ويكف بالنصب عطفا على المنصوب أي: وأن لا يكف، ويحتمل أن يكون جملة معترضة بين المجملة وهو سبعة أعضاء والمفسر وهو الجبهة إلى آخره، وذكره بعد باب بلفظ: ولا نكفت الثياب والشعر، والكفت بمثناة في آخره هو الضم وهو بمعنى الكف قال تعالى:{أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا} أي: تجمع الناس في حياتهم ومماتهم. والمراد أنه لا يجمع ثيابه ولا شعره، وظاهره يقتضي أن النهي عنه في حال الصلاة وإليه جنح الداودي.
وترجم المصنف بعد قليل باب لا يكف ثوبه في الصلاة وهي تؤيد ذلك، وردّه عياض بأنه خلاف ما عليه الجمهور فإنهم كرهوا ذلك للمصلي سواء فعله في الصلاة أو قبل أن يدخل فيها واتفقوا على أن النهي محمول على التنزيه، وعلى أن النهي لكل مصل كذلك سواء تعمده للصلاة أو كان كذلك قبلها لمعنى آخر كشغل وخص مالك النهي بمن فعل ذلك لأجل الصلاة.
أما لو كان ذلك لباسه أو كان لأجل شغل فحضرت الصلاة فصلّى به فلا كراهة فيه؛ لأن ذكر الكفت في الحديث مقترنًا بالسجود يؤذن بأن ذلك لأجل الصلاة، واتفقوا على أنه لا يفسد الصلاة لكن حكى ابن المنذر عن الحسن وجوب الإعادة والحكمة في ذلك أنه إذا رفع شعره وثوبه عن
مباشرة الأرض أشبه المتكبر، وقيل إن الشعر والثوب يسجدان معه وقد جاء عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنه- أنه قال لرجل رآه يسجد وهو معقوص الشعر: أرسله يسجد معك.
وقوله: "الجبهةِ" بالكسر بدل من سبعة وهي مستدير ما بين الحاجبين إلى الناصية ويكفي السجود على أدنى جزء منها عند المالكية، ويستحب إلصاقها على أبلغ ما يمكنه بحيث تستقر متبسطة، وكره مالك شدّ الجبهة بالأرض وأنكره أبو سعيد الخدري ويكفي بعض الجبهة عند الحنفية أيضًا، وقد قال به كثيرٌ من الشافعية وكأنه أخذ من قول الشافعي في "الأم" أن الاقتصار على بعض الجبهة يكره.
وقوله: "واليدين" قال ابن دقيق: المراد بهما الكفّان لئلا يدخل تحت المنهي عنه من افتراش السبع والكلب. وفي رواية عند مسلم بلفظ الكفين، وقوله:"والرجلين" في رواية ابن طاووس عند النسائي وأطراف القدمين وهو مبين للمراد من الرجلين، وقد تقدمت كيفية السجود عليهما بباب. وظاهر هذا الحديث يدلّ على وجوب السجود على هذه الأعضاء، ومذهب المالكية أن السجود على غير الجبهة من تلك الأعضاء سُنّة، وهل ما ذكر جميعًا سُنة في جميع الصلاة أو في كل ركعة أو في كل سجدة نظر؟ والظاهر أن كل ما ذكر سُنّة في كل ركعة وأن يكون من السنن غير الخفيفة وينبغي في ترك أحد أطراف القدمين أو أحد الركبتين أو اليدين عدم السجود؛ لأن المتروك بعض سنة وفي السجود على المذكورات غير الجبهة قولان عند الشافعية صحح النووي الوجوب لحديث الباب، وهو مذهب أحمد وإسحاق ويكفي وضع جزء من كل واحد منها. وصحح الرافعي الاستحباب، فلا يجب قائلًا: إنه لو وجب وضعها لوجب الإيماء بها عند العجز عن وضعها كالجبهة، ولا يجب الإِيماء فلا يجب وضعها واستدل له بعضهم بحديث المسيء صلاته حيث قال: ويمكن جبهته وأُجيب عن هذا بأن غايته أنه مفهوم لقب والمنطوق مقدم عليه، وليس هو من باب تخصيص العموم وأضعف من هذا استدلالهم بحديث سجد وجهي فإنه لا يلزم من إضافة السجود إلى الوجه انحصار السجود فيه وأضعف منه قولهم إن مسمى السجود يحصل بوضع الجبهة؛ لأن هذا الحديث يدل على إثبات زيادة على المسمى، وأضعف منه المعارضة بقياس شبهى كأن يقال أعضاء لا يجب كشفها فلا يجب وضعها.
وفي "شرح الهداية" الحنفي السجود على اليدين والركبتين والقدمين غير واجب. وفي "الواقعات" لو لم يضع ركبتيه على الأرض عند السجود لا يجزئه، وظاهر الحديث أنه لا يجب كشف شيء من هذه الأعضاء؛ لأن مسمى السجود يحصل بوضعها دون كشفها، ولم يختلف في أن كشف الركبتين غير واجب لما يحذر فيه من كشف العورة. وأما عدم وجوب كشف القدمين فلدليل لطيف وهو أن الشارع وقت المسح على الخف بمدة تقع فيها الصلاة بالخف، فلو وجب كشف القدمين لوجب نزع الخف المقتضي لنقض الطهارة فتبطل الصلاة، وفيه نظر فللمخالف أن يقول: يخص لابس الخف لأجل الرخصة.