الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عن تقديمه على النقل والنص.
والنص حجة بين الإنسان وبين ربه عز وجل فالواجب تقديمه على كل ما سواه، وجعله العمدة في التلقي، وما سواه فإنه له تابع وشاهد فقط.
(د)
الأصول والمبادئ:
لقد وافق ابن كلاب أهل السنة والجماعة في بعض أصوله، وخالفهم في بعضها الآخر. وسوف أقتصر فقط على ابن كلاب دون المنتسبين إليه الذين لحق بعضهم بالماتريدي وبعضهم بالأشعري. ونظرا لعدم وجود كتب لابن كلاب، فسأنقل عنه من خلال المصادر التي ذكرت أقواله كمقالات الأشعري وغيرها.
أولا: الأصول التي وافق فيها ابن كلاب أهل السنة والجماعة:
(1)
إثبات الأسماء الحسنى لله تعالى:
فيقول: لم يزل الله تعالى عالما، قادرا، حيا، سميعا، بصيرا، عزيزا، عظيما، جليلا، متكبرا، جبارا، كريما، جوادا، واحدا، صمدا، فردا، باقيا، ربا، إلها، مريدا، كارها، راضيا عمن علم أنه يموت مؤمنا وإن كان أكثر عمره كافرا، ساخطا على من علم أنه يموت كافرا وإن كان أكثر عمره مؤمنا، محبا، مبغضا، مواليا، معاديا، قائلا، متكلما، رحمانا (1).
(2)
في الصفات:
(أ) الصفات الخبرية:
يثبت ابن كلاب بعض الصفات الخبرية، كالوجه واليد والعين
(1) مقالات الإسلاميين للأشعري (ص 169) ط. ريتر.
والحياة والسمع والبصر والقدرة، فيقول:" أطلق اليد والعين والوجه خبرا؛ لأن الله أطلق ذلك، ولا أطلق غيره، فأقول: هي صفات الله عز وجل، كما قال في العلم والقدرة والحياة أنها صفات "(1).
وقال: " بعلم، وقدرة، وحياة، وسمع، وبصر، وعزة، وعظمة، وجلال، وكبرياء، وجود، وكرم، وبقاء، وإرادة، وكراهة، ورضى، وسخط، وحب، وبغض، وموالاة، ومعاداة، وقول، وكلام، ورحمة، وأنه قديم لم يزل بأسمائه وصفاته "(2).
ويقول أيضا: " معنى أنه عالم: أن له علما، ومعنى أنه قادر: أن له القدرة، ومعنى أنه حي: أن له حياة، وكذلك القول في سائر أسمائه وصفاته "(3).
(ب) الصفات الفعلية:
يثبت ابن كلاب بعض الصفات الفعلية، كالاستواء والعلو، فيقول في كتاب الصفات: " فرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صفوة الله من خلقه، وخيرته من بريته، وأعلمه جميعا به، يجيز السؤال بأين وبقوله، ويستصوب قول القائل: إنه في السماء، ويشهد له بالإيمان عند ذلك، وجهم بن صفوان وأصحابه لا يجيزون الأين زعموا، ويحيلون القول به، ولو كان خطأ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق بالإنكار له، وكان ينبغي أن يقول لها: لا تقولي ذلك فتوهمين أن الله عز وجل محدود، وأنه في مكان دون مكان، ولكن قولي:
(1) مقالات الإسلاميين (ص 217، 218).
(2)
مقالات الإسلاميين (ص 169).
(3)
نفس المصدر والصفحة.
إنه في كل مكان؛ لأنه الصواب دون ما قلت، كلا، لقد أجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع علمه بما فيه وأنه أصوب الأقاويل، والأمر الذي يوجب الإيمان لقائله، ومن أجله شهد لها بالإيمان حين قالته، فكيف يكون الحق في خلاف ذلك؟ والكتاب ناطق به وشاهد له " (1).
وقال ابن كلاب أيضا: ولو لم يشهد لصحة مذهب أهل السنة والجماعة في هذا الفن خاصة إلا ما ذكرنا من هذه الأمور لكان فيه ما يكفي، كيف وقد غرس في بنية الفطرة ومعارف الآدميين من ذلك ما لا شيء أبين منه ولا أوكد؟ لأنك لا تسأل أحدا من الناس عنه، عربيا ولا عجميا، ولا مؤمنا ولا كافرا، فتقول: أين ربك؟ إلا قال: في السماء، إن أفصح، أو أومأ بيده أو أشار بطرفه إن كان لا يفصح، ولا يشير إلى غير ذلك من أرض ولا سهل ولا جبل، ولا رأينا أحدا داعيا له إلا رافعا يديه إلى السماء، ولا وجدنا أحدا غير الجهمية يسأل عن ربه فيقول: في كل مكان- كما يقولون- وهم يدعون أنهم أفضل الناس كلهم، فتاهت العقول، وسقطت الأخبار، واهتدى جهم وحده وخمسون رجلا معه، نعوذ بالله من مضلات الفتن (2).
وأما الاستواء فإنه يقول: فنحن لا نحتشم أن نقول: استوى الله على العرش، ونحتشم أن نقول استوى على الأرض، واستوى على الجدار وفي صدر البيت (3).
(1) درء التعارض (6/ 193، 194)، ونقله عن ابن فورك.
(2)
نفس المصدر السابق (6/ 194).
(3)
نفس المصدر (6/ 119، 120).
ويرى ابن كلاب أن استواء الله تعالى على العرش بلا مماسة (1).
(3)
في الرؤية:
يثبت ابن كلاب رؤية المؤمنين لربهم سبحانه وتعالى بأبصارهم في الجنة، ولا يرى مانعا عقليا من ذلك، بالنظر إلى أن كل قائم بنفسه يرى. .
(4)
في الإيمان:
يوافق ابن كلاب أهل السنة والجماعة في الحكم بصحة إيمان المقلد، وكذلك يوافق أهل السنة أيضا في شأن مرتكب الكبيرة، وأنه فاسق لم يخرج من الإيمان، وإنما هو تحت المشيئة الإلهية، فإن شاء عذبه، وإن شاء غفر له (2).
غير أنه يأخذ اتجاها مخالفا لأهل السنة في تعريف الإيمان، كما سترى ذلك فيما بعد- إن شاء الله- ضمن الأصول التي خالف فيها أهل السنة.
(5)
القدر:
يثبت ابن كلاب أن الخير والشر بإرادة الله تعالى، وأن ما يقع في الكون بمشيئة الله وإرادته، وأن أفعال العباد من خير وشر خلق لله تعالى.
(1) أصول الدين للبغدادي (ص 113).
(2)
المقالات للأشعري (293، 298).
يقول ابن كلاب: أقول في الجملة: إن الله أراد حدوث الحوادث كلها خيرها وشرها، ولا أقول في التفصيل: إنه أراد المعاصي، وإن كانت من جملة الحوادث التي أراد حدوثها. كما أقول في الجملة عند الدعاء: يا خالق الأجسام. ولا أقول: يا خالق القرود والخنازير والدم والنجاسات، وإن كان هو الخالق لهذه الأشياء كلها (1).
ثانيا: الأصول التي خالف ابن كلاب فيها أهل السنة والجماعة:
(1)
في الصفات:
فابن كلاب وإن وافق السلف في إثبات صفات الذات، لكنه خالفهم فنفى الصفات والأفعال الاختيارية، مثل: الرضى والغضب والمحبة والكرم، بل جعل كل هذه الصفات ذاتية أزلية، تماما كصفات السمع والبصر؛ وذلك لأنه ينفي الصفات والأفعال الاختيارية، لأنه يرى أن في إثباتها إقرارا بحلول الحوادث في ذات الله تعالى، كذلك روي عنه التأويل في بعض الصفات، حيث أول الأصابع بالنعمة.
(2)
في مسألة القرآن والكلام الإلهي:
فعلى الرغم من إقرار ابن كلاب بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، لكنه أتى ببدعة عجيبة، وهي أن القرآن إنما هو حكاية عن كلام الله تعالى، وأتى ببدعة الكلام النفسي الذي ليس بحرف ولا صوت (2)، وقال: إن الكلام الإلهي قائم بذات الله، تماما
(1) أصول الدين للبغدادي (ص 104).
(2)
الرد على من أنكر الحرف والصوت للسجزي (ص 81) و (ص 178).
كما أن القدرة قائمة به، والعلم قائم به، وأن كلام الله تعالى لا ينقسم ولا يتبعض، وليس بحروف وصوت، وأنه معنى واحد بالله عز وجل، وأن رسم القرآن يتغاير، ولكن كلام الله نفسه لا يتغاير ولا يتجزأ، وأنه معنى واحد، وإنما يسمى أمرا لعلة، ونهيا لعلة، وخبرا لعلة، وأن كلامه تعالى لا يتصف بالأمر والنهي والخبر أزلا، بل يرى أن هذه الأمور حادثة مع قدم الكلام الإلهي نفسه، وهكذا يطول كلامه في شأن القرآن، لكنه إن وافق أهل السنة في جزء من كلامه فقد خالفهم في كثير مما يتعلق بصفة الكلام، كما يتضح ذلك مما نقلناه.
(3)
قوله بالموافاة:
ومعناها أن الله لم يزل راضيا عمن يعلم أنه يموت مؤمنا، وإن كان أكثر عمره كافرا، ولم يزل ساخطا على من يعلم أنه يموت كافرا، حتى وإن كان أكثر عمره مؤمنا. ويفهم من ذلك أن الرضى عن المؤمن- الذي كان كافرا- بعد السخط عليه لا يكون أبدا؛ حتى لا يقول: إن الله حدث له أمر لم يكن موجودا من قبل (1).
(4)
في الإيمان:
يذهب ابن كلاب إلى تعريف الإيمان بأنه الإقرار باللسان
(1) المقالات للأشعري (ص 298، 547)، المجرد لابن فورك (ص 45).