الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يفهم من سياق الكلام وقرائن الأحوال، والظاهر من صيغة المضارع الوعد (1).
وجمهور العلماء على أن الوعد ملزم ديانة لا قضاء، لكن الوفاء به ليس بواجب في الجملة، بل هو مستحب (2).
أما الالتزام الناشئ عن إرادة منفردة كالهبة: فإن الوفاء به مستحب باتفاق العلماء، وقد سبق نقل الإجماع على أن الهبة مستحبة وليست واجبة (3).
وبهذا تتبين نوعية الالتزام في عقد الهبة وما كان بمعناها، وأما ما يترتب عليها من حكم فسيتبين من خلال ما نذكره في المباحث الآتية:
(1) انظر: فتح العلي المالك لأحمد عليش 1/ 254.
(2)
انظر: بدائع الصنائع 7/ 84، والفروق 3/ 95، ومنتهى الإرادات 3/ 456، ونهاية المحتاج 4/ 441.
(3)
انظر: ص (99).
المطلب الثاني: افتقار الهبة إلى القبول
ما يرد في هذا المطلب وما بعده متفرع عما سبق من تصور الالتزام في عقد الهبة، وإيراد هذه المسائل له تأثير في حكم المسألة الأساس وهو حكم الرجوع، ولذا كان لا بد من إيرادها، وبتتبع ما
ذكره العلماء- رحمهم الله يقف الباحث على اختلاف في المسألة، يمكن تصنيفه إلى الأقوال الآتية:
القول الأول: أن القبول لا بد منه في عقد الهبة، لكنه ينعقد باللفظ وبالمعاطاة مع القرينة، وبكل ما تعارف الناس عليه، وهذا حكم الإيجاب أيضا، وقال بهذا الحنابلة في المشهور من المذهب، وهو قول للشافعية في الهدية دون عقد الهبة (1).
القول الثاني: أن القبول ركن كالإيجاب، ولا بد أن يكون لفظا، وهذا رأي الجمهور، فهو المشهور من مذهب الحنفية (2)، ومذهب المالكية (3)، والشافعية في الهبة دون الهدية (4).
القول الثالث: أن القبول ليس ركنا ولا شرطا استحسانا، وإنما الركن الإيجاب من الواهب، ولكن لا يتم الملك إلا بالقبول،
(1) انظر: العزيز شرح الوجيز 6/ 307، وروضة الطالبين 5/ 365، 366.
(2)
انظر: تكملة فتح القدير 9/ 19 - 20، وتبيين الحقائق 5/ 91، وحاشية ابن عابدين 8/ 451.
(3)
انظر: المعونة للقاضي عبد الوهاب 3/ 1607، وعقد الجواهر الثمينة 3/ 59، ومواهب الجليل 6/ 53.
(4)
انظر: البيان 8/ 112، والحاوي 9/ 400، والتهذيب للبغوي 4/ 527.
وهذا قول عند الحنفية عليه أكثر شراح الهدية (1)، وبه قال زفر (2) وقال به الحسن البصري (3)، وهو قول الحنابلة في الهبة للصغير سواء من أبيه أو غيره (4).
أدلة القول الأول:
1 -
أما استدلالهم لكونه ركنا فيأتي في الاستدلال للقول الثاني (5)، وأما استدلالهم لعدم اشتراط اللفظ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يهدى إليه فيقبضه ويتصرف فيه، ولم ينقل أن من
(1) انظر: فتح القدير 9/ 9، 10، وحاشية ابن عابدين 8/ 451.
(2)
انظر: بدائع الصنائع 6/ 115.
(3)
انظر قوله في الحاوي 9/ 400.
(4)
انظر: الفروع 4/ 643.
(5)
انظر: ص، (105).
أهدى أوجب، ولا أنه صلى الله عليه وسلم قبل (1) ومن أمثلة ذلك: أنه صلى الله عليه وسلم إذا أتي بطعام سأل عنه أهدية أم صدقة (2).
ومنها حديث عائشة رضي الله عنها: أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة يبتغون بها أو يبتغون بذلك مرضاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
2 -
أن الناس كانوا يتهادون، ويتصدق بعضهم على بعض، ولم ينقل عنهم إيجاب ولا قبول، ولا أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عمله أحد، ولو كان ذلك شرطا لنقل عنهم نقلا مشتهرا (3) فلما لم ينقل ولم ينكر دل على أنه إجماع منهم (4).
3 -
أنه يكتفى بدلالة الحالة من غير إيجاب ولا قبول في مثل دخول الحمام وهو إجارة وبيع أعيان، فإذا اكتفينا بذلك في المعاوضات مع تأكدها بدلالة الحال فإنها تنقل الملك من الجانبين
(1) انظر: البيان للعمراني 8/ 113، والمقنع مع الشرح الكبير والإنصاف 17/ 12.
(2)
سبق تخريجه.
(3)
انظر: المقنع مع الشرح الكبير والإنصاف 17/ 12.
(4)
انظر: البيان 8/ 113.
فلأن نكتفي بذلك في الهبة أولى (1).
4 -
أنه يشق اشتراط الإيجاب والقبول باللفظ في الهبة فيكتفى بما يدل عليهما (2).
والشافعية خصوا هذه الأدلة بالهدية دون الهبة، وقالوا: إن للهدية حكما في القبول تخالف فيه الهبات (3).
ولكن مثل هذا التفريق يحتاج إلى دليل والأصل التساوي في الأحكام، وسبق أن الهبة أعم من الهدية (4)، وأن كل هدية هبة ولا عكس، وإخراج الهبة عن حكم الهدية يحتاج إلى دليل، ولا دليل.
أدلة القول الثاني:
استدل الجمهور على أن القبول ركن في الهبة لا بد منه بأدلة أهمها:
1 -
أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أهدى إلى النجاشي أواقي مسك فلما تزوج بأم سلمة قال لها: «إني كنت أهديت
(1) انظر: المقنع مع الشرح الكبير والإنصاف 17/ 13.
(2)
انظر: المرجع السابق 17/ 14.
(3)
انظر: الحاوي 9/ 400، العزيز للرافعي 6/ 07 / 3، وروضة الطالبين 5/ 365.
(4)
انظر: ص (89).
إلى النجاشي أواقي مسك وحلة، وإني لا أراه إلا قد مات، ولا أرى الهدية التي أهديت إليه إلا سترد، فإذا ردت فهي لك أو لكن» فكان كما قال، فلما ردت أعطى كل امرأة من نسائه أوقية من ذلك المسك، وأعطى سائره أم سلمة رضي الله عنهن.
ولو صار المسك للنجاشي بدون قبول لما استحل ذلك، ولأوصله إلى وارثه (1).
ويناقش من وجهين:
الأول: ضعف الحديث بضعف أحد رواته وجهالة الآخر كما في تخريجه.
والوجه الثاني: على فرض صحة الحديث؛ فإن الهدية لم تصل إلى النجاشي وإنما ظاهر الحديث أنها ردت من قبل حاملها إليه قبل أن تصل، فلا دلالة في الحديث على اعتبار قبول أو عدمه.
(1) انظر: الحاوي 9/ 400.
2 -
الدليل الثاني: أن الهبة عقد تمليك فافتقر إلى الإيجاب والقبول كالنكاح (1).
ويناقش هذا الدليل: بالفرق بين النكاح والهبة، فإن مبنى النكاح على الاحتياط؛ ولهذا يشترط فيه ما لا يشترط في غيره من الإشهاد، ولا يقع إلا قليلا فلا يشق اشتراط الإيجاب والقبول فيه بخلاف الهبة (2).
3 -
أن ملك الإنسان لا ينتقل إلى الغير بدون تمليكه، وإلزام الملك على الغير لا يكون بدون قبوله (3).
4 -
أن الهبة تصرف شرعي، والتصرف الشرعي وجوده شرعا باعتباره وهو انعقاده في حق الحكم، والحكم لا يثبت بنفس الإيجاب، فلا يكون نفس الإيجاب هبة شرعا (4).
ويناقش الدليلان: بأن الهبة عقد تبرع، ومبنى التبرع على عدم الإلزام، والقول باشتراط القبول لتصور العقد ظاهر فيما كان مبناه على الإلزام، أما ما كان من قبيل التبرع فيكفي فيه الإيجاب وحده.
5 -
أن الهبة عقد تمليك تام، ينتقل عن حي فافتقر إلى القبول كالبيع (5).
(1) انظر: المقنع مع الشرح الكبير الإنصاف 17/ 12، والإشراف 2/ 673.
(2)
انظر: المرجع السابق 17/ 14.
(3)
انظر: تكملة فتح القدير9/ 19.
(4)
انظر: بدائع الصنائع 6/ 115.
(5)
انظر: الحاوي 9/ 400.
ويناقش: بالفرق الظاهر بين البيع والهبة؛ لأن البيع من عقود المعاوضات، والهبة من عقود التبرعات.
أدلة القول الثالث:
1 -
حديث الصعب بن جثامة أنه أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا وهو بالأبواء أو بودان، فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه قال:«إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم (1)» .
فقد أطلق الراوي اسم الإهداء بدون القبول، والإهداء من ألفاظ الهبة (2).
ويمكن أن يناقش: بأنه سماه هدية على اعتبار تمام العقد، أو لأن النبي صلى الله عليه وسلم بين السبب في رده، وأن هذا على خلاف الأصل وهو القبول.
(1) أخرجه البخاري في مواضع منها في أبواب الإحصار وجزاء الصيد، باب إذا أهدي للمحرم حمارا وحشيا حيا لم يقبل برقم (1729)، ومسلم في كتاب الحج، باب تحريم الصيد للمحرم برقم (1193).
(2)
انظر: بدائع الصنائع 6/ 115.
2 -
ما ورد عن عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه نحلها جذاذ عشرين وسقا من مال بالغابة، فلما حضرته الوفاة قال: والله يا بنية ما من الناس أحد أحب إلي من بعدى منك، ولا أعز علي فقرا بعدي منك، وإني كنت نحلتك من مالي جذاذ عشرين وسقا، فلو كنت جذذتيه واحتزتيه كان لك ذلك، وإنما هو مال الوارث، وإنما هو أخواك وأختاك فاقتسموه على كتاب الله، فسماها نحلة، والنحلة من ألفاظ الهبة (1).
3 -
أن الهبة عقد تبرع، فيتم بالمتبرع وحده، فصار بمنزلة الإقرار والوصية (2).
مناقشة الدليل:
ويناقش: بالفرق بين الإقرار والهبة، فإن الإقرار إخبار عن حق ثابت ولا إنشاء فيه ولا التزام بخلاف الهبة، وأما الوصية فإنها تبرع
(1) انظر: بدائع الصنائع 6/ 115.
(2)
انظر: تكملة فتح القدير 9/ 19.
معلق مضاف لما بعد الموت، والهبة تبرع في الحال فاختلفا.
3 -
أن من حلف أن يهب لفلان فوهب ولم يقبل فقد بر في يمينه وهذا بخلاف البيع (1).
ويناقش: بأن مبنى الحنث وعدمه على حصول المحلوف، ولا أثر للالتزام في ذلك، بخلاف تمام العقد فلا بد فيه من ارتباط الإيجاب بالقبول.
4 -
أن الهبة في اللغة عبارة عن مجرد إيجاب المالك من غير شريطة القبول، وإنما القبول والقبض؛ لثبوت حكمهما لا لوجودهما في نفسها، فإذا أوجب فقد أتى بالهبة فتترتب عليها الأحكام (2).
ويناقش: بأن المرجع في تحديد المقصود بالألفاظ إلى دلالات الشرع لا إلى اللغة، والهبة التزام يترتب عليه أحكام، ولا يمكن ثبوتها إلا بحصول القبول.
5 -
أن القبول غير معتبر في عقد الهبة كالعتق (3).
ونوقش: بالفرق بين الهبة والعتق من حيث إن المعتق لو رد العتق لم يبطل؛ لأن مبناه على السراية والنفوذ، بخلاف الهبة فإن
(1) انظر: فتح القدير 9/ 20، وحاشية ابن عابدين 8/ 451.
(2)
انظر: بدائع الصنائع 6/ 115.
(3)
انظر: الحاوي 9/ 400.
الموهوب له لو رد الهبة لبطلت؛ فلذلك افتقرت إلى قبول ولم يفتقر العتق إلى قبول (1).
6 -
أن المقصود من الهبة هو اكتساب المدح والثناء بإظهار الجود والسخاء، وهذا يحصل بدون القبول بخلاف البيع (2).
الراجح:
الذي يظهر لي- والله أعلم- أن ما ذهب إليه الحنابلة في المشهور من المذهب من اعتبار الإيجاب والقبول لكن لا يتعين اللفظ للدلالة عليهما، بل تنعقد الهبة بكل ما دل عليهما، وهذا الاختيار مبنى على الاعتبارات الآتية:
ا- قوة ما استدلوا به من أدلة.
2 -
أن الهبة وإن كانت تتم بإرادة منفردة إلا أنها إنشاء التزام لا يظهر أثره إلا بارتباطه بالقبول، فيكون القبول ركنا أو شرطا، لكن الأدلة قامت على عدم تقييده بلفظ أو صيغة كالإيجاب.
3 -
أن هذا القول وسط بين من ألغى القبول، وأخرج الهبة عن مسمى العقد، وبين من ألزم المتعاقدين بألفاظ ليست مرادة قطعا، وإنما هي اصطلاحات وضعت للدلالة على المراد من العقد.
(1) انظر: المرجع السابق 9/ 400.
(2)
انظر: بدائع الصنائع 6/ 115.