الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهبت لي بازيا وما سألته وما تعرضت له، فقال فضالة: اردد إليه هبته، فإنما يرجع في الهبات النساء وشرار الأقوام (1).
هذا وقد ذكر العلماء أحكاما تترتب على الرجوع في الهبة، وموانع تمنع منه على القول بجوازه عموما أو في حق من استثنى، ولما كان القصد الأساسي هو بحث حكم الرجوع لما يترتب عليه من فوائد تتعلق بعقود التبرعات عموما؛ ولأن البحث قد يطول فيخرج عن هدفه؛ لذا رأيت أن أقتصر على ما ذكرته من الأحكام، ولعله يتيسر إن شاء الله أن أبسط ما تبقى في أبحاث مستقبلة إن شاء الله.
والله المستعان وعليه التكلان.
(1) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 4/ 82، وفي شرح مشكل الآثار 13/ 36
الخاتمة:
مع شعوري بأني لم أوف البحث حقه، وأن أمامي أحكاما واسعة تتطلب وقتا كافيا لإدراك جوانبها المختلفة، إلا أنى أتيت على جملة أعتبرها تأصيلا لغيرها، وروابط لجزئيات متناثرة، وجمعا لأدلة وافية، وفي نهاية هذا البحث أقف هنا لأسطر أهم النتائج التي هدى إليها البحث، واختمرها الذهن المكدود، وهي:
1 -
سعة هذا الدين وشمول أحكامه لما يتعلق بحق الله وحق عباد الله حتى في أدق التفصيلات، فإذا كانت هذه الجزئية يقف الباحث فيها على رصيد واسع من الأدلة والقواعد والضوابط، فما
الظن ببقية الأحكام؟
2 -
أن بحث أحكام الرجوع في الهبة يوقف الباحث على شيء من مقاصد الشريعة فيما يتعلق بأحكام التبرعات، كما أنه يعد من جانب آخر أصلا لبقية عقود التبرعات.
3 -
أن الأصل في الهبات أن تقع منجزة، ويكون الغرض منها نفع الموهوب والإحسان إليه، وإذا انضاف إلى هذا القصد التودد والمحبة فيكون هدية وأن الصدقة باب آخر، وتبرع يراد به ثواب الآخرة بالقصد الأول؛ ولذلك تراعى أوصاف في المتصدق عليه من المسكنة والحاجة لا تراعى في الهبة، ومن أجل هذا الفرق الواضح اختلفت الصدقة عن الهبة في حكم الرجوع، فحرم الرجوع في الصدقة بلا خلاف، وأما الهبة فقد وقع فيها الخلاف.
4 -
أن الهبة ويدخل فيها الهدية بالمعنى العام مشروعة مستحبة بإجماع العلماء ويترتب عليها ثمرات كثيرة للواهب والموهوب له، وتتكامل الثمرة للمجتمع بأسره.
5 -
أن الهبة التزام ناشئ من تصرف قولي أو فعلي، والأصل في هذا الالتزام الجواز، إذ هو تبرع محض، ولذلك لا تؤثر فيه الجهالة والغرر؛ لأنه لا ضرر على الموهوب له فيما لو فاته الموهوب، ولا يلزم الوفاء به باتفاق.
6 -
أنه لا بد في الهبة من الإيجاب والقبول، لكن لا يلزم أن
يكون ذلك باللفظ ولا يتقيد فيه بلفظ معين، بل تنعقد بكل ما دل عليه، وإنما افتقرت الهبة إلى ذلك؛ لأنها بالنسبة للواهب خروج عن جزء من ماله فلا بد من الدلالة الواضحة على الرضا في ذلك.
7 -
أن الهبة تفتقر إلى القبض، ويتوقف لزومها عليه، ولذلك فإن ملكها معتبر به، فلا ينتقل الملك فيها إلا بعد القبض.
8 -
أن الرجوع في الهبة هو التراجع عن إنفاذ العقد بعد العزيمة عليه وإطلاق الرجوع حقيقة إنما يكون بعد الإقباض، أما قبله فهو رجوع عن إبرام العقد وليس رجوعا فيه، ولا يفتقر الرجوع إلى قضاء؛ لأنه فسخ للعقد فيما هو ثابت الملك فيه للواهب.
9 -
أن الرجوع قبل القبض جائز؛ لأن هذا هو الذي يتمشى مع القول بجواز العقد، ولكنه يكره مراعاة للخلاف، ولأنه يتنافى مع صنيع أهل المروءات والشيم، ومن المعلوم أن الكراهة تزيلها الحاجة.
10 -
أن الأصل في الرجوع في الهبة بعد القبض التحريم، ولكن دل الدليل على استثناء الوالد، ويدخل في المفهوم اللغوي للوالد الأبوان، والمعنى يقتضي دخولهما، فيختص الجواز بهما.
11 -
أن هذا الرجوع من باب التيسير على الواهب، وتحقيق المصلحة المعتبرة بالنسبة للموهوب له، ولذلك لا ينبغي الإقدام عليه إلا بمراعاة المصلحة في ذلك.
هذا وإني في ختام هذا البحث أوصي نفسي وأوصي الجميع
بتحقيق النقول قولا وعملا، وأن يتبصر الإنسان في شريعة الله، ففيها الوفاء بكل ما يحتاجه الناس، والغناء عن كل ما يستحدثه البشر.
وأسأل الله سبحانه أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعل علمنا حجة لنا لا حجة علينا إنه سميع مجيب.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.