المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المسألة الثانية: حكم الرجوع في الهبة بعد القبض: - مجلة البحوث الإسلامية - جـ ٧٣

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌المحتويات

- ‌أهمية العلم وفضله وفضل أهله:

- ‌طلب العلم المنوه بفضله قسمان:

- ‌من آداب المعلم والمعلمة:

- ‌مما يصحح به ما يقع من أخطاء الطلاب أمور:

- ‌أساليب للتعليم مقترحة مستقاة من الوحيين:

- ‌حكم إقامة الموالد، وذكريات الأيام والأحداث،والوقائع في الهجرة والفتح، وهل هي من علامة حب الرسول

- ‌إنكار ما في مفكرة الرابطة من أعياد أهل الضلال

- ‌حكم نشر ذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌الدعاء عند القبور غير مشروع

- ‌عدم جواز الطلب إلى الميت

- ‌حكم الذبح عند الأضرحة ودعاء أهلها

- ‌من فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ

- ‌ لا أستطيع السجود أثناء الصلاة

- ‌ يخفي اللقطة حتى يسمع من يبحث عنها ويضع شيئا من المال مقابلا لمن يأتي بها

- ‌عمري ثماني عشرة سنة، هل يجب علي أن أحج عن والدي المتوفى

- ‌ قص شعر المرأة حزنا على وفاة أحد أقاربها

- ‌ صبغ شعر رأسه الأبيض

- ‌ ذبح هدي التمتع أو القران أول وقته

- ‌ سافرت مسافة المائة كيلو مترا عن أهلي فهل حينئذ أصلي صلاة مسافر

- ‌ الشرب دفعة واحدة

- ‌«المسبل إزاره

- ‌ الوعد والوعيد في الكتاب والسنة

- ‌ إذا مات الإنسان في أول يوم من عيد الفطر أو عيد الأضحى فهل يقيمون العزاء ثم يقبلون على عيدهم

- ‌ سلام الرجل بالنسبة لأخت أمه من الرضاعة

- ‌ مصافحة النساء

- ‌ الرجل الصالح الذي ذكر في سورة الكهف الذي تبعه موسى

- ‌ يحافظ على صلاة الجماعة عدا صلاة العصر

- ‌ إطالة صلاة الفجر

- ‌من فتاوى اللجنة الدائمةللبحوث العلمية والإفتاء

- ‌ الإقامة مشروعة قبل الدخول في صلاة الفريضة

- ‌ إذا أقام أحد المصلين الصلاة غير المؤذن

- ‌ يصلي صلاة الليل بلا أذان ولا إقامة

- ‌ بعض المؤذنين يؤخرون الأذان حتى تقام الصلاة في المساجد المجاورة في الحي

- ‌ أذن قبل دخول الوقت بعشر دقائق

- ‌ هل يجوز للمرأة أن تؤذن عند الرجال بغير صلاة

- ‌ متابعة الأذان

- ‌ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان

- ‌المبحث الأول: في معنى الهبة وحكمها

- ‌المطلب الأول: في تعريف الهبة لغة

- ‌المطلب الثاني: في تعريف الهبة شرعا

- ‌المطلب الثالث: في أنواع الهبة

- ‌المطلب الرابع: حكم الهبة من حيث الأصل

- ‌المبحث الثاني: في حكم عقد الهبة من حيث اللزوم

- ‌المطلب الأول: نوع الالتزام في عقد الهبة

- ‌المطلب الثاني: افتقار الهبة إلى القبول

- ‌المطلب الثالث: افتقار الهبة إلى القبض

- ‌المطلب الرابع: الوقت الذي تملك فيه الهبة

- ‌المبحث الثالث: حكم الرجوع في عقد الهبة

- ‌المطلب الأول: المراد بالرجوع

- ‌المطلب الثاني: حكم الرجوع في الهبة

- ‌المسألة الأولى: حكم الرجوع فيها في حال الصحة قبل القبض:

- ‌المسألة الثانية: حكم الرجوع في الهبة بعد القبض:

- ‌الخاتمة:

- ‌العناصر المكونةلصفة المالية عند الفقهاء

- ‌المبحث الأول: تعريف المال والتمول

- ‌المطلب الأول: بيان المراد بالمال عند أهل اللغة

- ‌المطلب الثاني: تعريف الفقهاء للمال

- ‌المطلب الثالث: المراد بمصطلح التمويل

- ‌المبحث الثاني: الضوابط الشرعية لاكتساب المال وإنمائه

- ‌المطلب الأول: حكم اكتساب المال وآدابه وطرقه

- ‌المطلب الثاني: ضوابط إنماء المال

- ‌الفصل الثاني: عناصر المالية

- ‌المبحث الأول: عنصر (إمكان الادخار)

- ‌المبحث الثاني: عنصر (الانتفاع)

- ‌المبحث الثالث: عنصر (حل الانتفاع)

- ‌المبحث الرابع: عنصر (إمكان المعاوضة عنه)

- ‌المبحث الخامس: عنصر (العينية)

- ‌التمهيد

- ‌المطلب الأول: تعريف مفردات العنوان

- ‌المطلب الثاني: وصف عملية بيع المعدن في التورق المصرفي

- ‌المطلب الثالث: حكم بيع التورق غير المصرفي

- ‌المطلب الرابع: الفرق بين التورق غير المصرفي، والتورق المصرفي

- ‌المبحث الأول: شرط صحة التورق المصرفي

- ‌المبحث الثاني: حكم التورق المصرفي المنظم

- ‌الخاتمة

- ‌المبحث الأول (الثبات في الكتاب والسنة)

- ‌المطلب الأول: معنى الثبات في اللغة:

- ‌المطلب الثاني: معنى الثبات في الاصطلاح

- ‌المطلب الثالث: علاقة الثبات بالصبر

- ‌المطلب الأول: الثبات في العقل

- ‌المطلب الثاني: الثبات في النفس

- ‌المطلب الثالث: الثبات في القلب

- ‌المطلب الرابع: الثبات في اللسان

- ‌المطلب الخامس: الثبات في الأقدام

- ‌المبحث الثالث: (أقسام الثبات)

- ‌المطلب الأول: الثبات في الدنيا

- ‌المطلب الثاني: الثبات في الآخرة:

- ‌المطلب الثالث: أنواع وموطن الثبات في الدنيا:

- ‌المبحث الرابع: وسائل التثبيت من الله

- ‌المطلب الأول: عن طريق الملائكة:

- ‌المطلب الثاني: عن طريق القصص

- ‌المطلب الثالث: عن طريق إنزال القرآن منجما

- ‌المطلب الرابع: عن طريق كلمة التوحيد في الدارين:

- ‌الخاتمة:

- ‌حديث شريف

الفصل: ‌المسألة الثانية: حكم الرجوع في الهبة بعد القبض:

أهل المروءات، وقد أشار بعض الفقهاء إلى أن الرجوع قبل القبض جائز مع الكراهة مراعاة لخلاف من قال: إن الهبة تلزم بالعقد (1).

فتكون الكراهة لهذا السبب، وللعلة الأولى وهي منافاة ذلك لصنيع أهل الشيم. والله أعلم.

(1) انظر كشاف القناع 4/ 301

ص: 137

‌المسألة الثانية: حكم الرجوع في الهبة بعد القبض:

هذه المسألة هي مقصود البحث، ومن خلال تتبع ما ذكره العلماء رحمهم الله يقف الباحث على أقوال وتفصيلات كثيرة، سأحاول لم شتاتها وجمع ما تفرق منها، وقبل أن أذكر الخلاف، أشير إلى سبب الخلاف فيها، وعند التأمل نجد أنه راجع إلى سببين رئيسين:

1 -

تعارض عموم الأحاديث مع ما ورد فيها من الاستثناء، فإن النهي عن العود في الهبة ورد عاما في مثل حديث ابن عباس رضي الله عنهما «العائد في هبته كالعائد في قيئه (1)» وورد التخصيص في أحاديث أخرى كحديث ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم «إلا الوالد فيما يعطي ولده (2)» فمن العلماء من أخذ بالعموم لصراحته وقوته حيث إنه وارد

(1) سبق تخريجه

(2)

سيرد الحديث كاملا مع تخريجه 147

ص: 137

في الصحيحين ولم يعتبروا الاستثناء، ومنهم من خصص العموم بالاستثناء الوارد.

2 -

تعارض ما ورد من الآثار عن الصحابة رضي الله عنهم (1) كما سيرد في بحث المسألة.

والخلاف في الرجوع في الهبة التي لم يقصد بها الثواب أصلا، وإنما التي أريد بها التودد ونفع الموهوب، أما الهبة التي يراد بها الصدقة أي: وجه الله سبحانه فقد أجمع العلماء أنه لا يجوز؛ الرجوع فيها (2).

ويمكن حصر خلاف العلماء في هذه المسألة في ثلاث أقوال:

القول الأول: أن الواهب إذا أقبض هبته فليس له الرجوع فيها مطلقا، سواء كانت الهبة من الأب لابنه أو غيره من القرابة، وهذا القول رواية عن الإمام أحمد رحمه الله اختارها جمع من أصحابه، ونسبه بعض المالكية لأهل الظاهر (3).

القول الثاني: أن الأصل تحريم الرجوع في الهبة بعد إقباضها،

(1) انظر بداية المجتهد 3/ 332 - 333

(2)

انظر السابق 2/ 332

(3)

انظر: بداية المجتهد 2/ 332، والخرشي على مختصر خليل 3/ 117.

ص: 138

إلا من استثنى، وقد اتفق القائلون بهذا الاستثناء على الأب، واختلفوا فيمن يلحق به، وهذا القول هو قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة.

واختلفوا فيمن يلحق بالأب.

فالمالكية: على أنه يلحق بالأب الأم في حياة الأب، أما بعد وفاته فإنها لا تلحق به (1).

وللشافعية في ذلك لهم أربعة أوجه:

أحدها: يختص الرجوع بالأب.

والثاني: بالأبوين خاصة.

والثالث: اختصاصه بكل أصل تثبت له الولاية.

والرابع: وهو أصحها، شموله لكل أصل فيدخل الأب والأجداد والأم والجدات، أما غير الأصول فهم كالأجانب (2).

وأما الحنابلة فالمشهور من المذهب: أنه يختص بالأب الأقرب

(1) انظر عقد الجواهر الثمينة 3/ 70، والكافي لابن عبد البر 2/ 1004، 1005، وبداية المجتهد 2/ 332

(2)

انظر: الوسيط 4/ 273، والعزيز 6/ 323، وروضة الطالبين 5/ 379.

ص: 139

دون غيره وقيل: إن الأم كالأب في ذلك وهو ظاهر كلام الخرقي.

القول الثالث: أن الأصل جواز الرجوع إلا لذي الرحم المحرم فلا يجوز وهذا مذهب الحنفية.

هذه أهم الأقوال، وثمة تفريعات أخرى لكنها تعود إلى هذه الأصول أدلة القول الأول: استدلوا بأدلة كثيرة منها:

1 -

حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه (1)» .

ولفظ مسلم: «مثل الذي يرجع في صدقته كمثل الكلب يقيء ثم يعود في قيئه يأكله (2)» .

البخاري وأخرجه-رحمه الله أيضا 55 بلفظ: «ليس لنا مثل السوء الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه (3)» .

(1) سبق تخريجه

(2)

أخرجه مسلم في كتاب الهبات، باب تحريم الرجوع في الصدقة والهبة بعد القبض برقم: 1622

(3)

أخرجه البخاري في كتاب الهبات، باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته برقم 2479.

ص: 140

قال الحافظ ابن حجر عن ترجمة البخاري (1): (كذا بت الحكم في هذه المسألة لقوة الدليل عنده).

وقال أيضا (2): قوله صلى الله عليه وسلم: «ليس لنا مثل السوء (3)» أي: لا ينبغي لنا معشر المؤمنين أن نتصف بصفة ذميمة يشابهنا فيها أخس الحيوانات في أخس أحوالها، قال الله سبحانه وتعالى:{لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (4)، ولعل هذا أبلغ في الزجر عن ذلك، وأدل على التحريم مما لو قال مثلا:(لا تعودوا في الهبة).

وقال النووي رحمه الله: (هذا ظاهر في تحريم الرجوع في الهبة والصدقة)(5).

وهذا الحديث عام يشمل الأب وغيره (6)، وما ورد من الاستثناء لا يقاوم هذا الحديث (7).

مناقشة هذا الاستدلال: نوقش من وجهين:

الوجه الأول: أن من القواعد العامة أن العام يحمل على الخاص، وقد ورد ما يخصصه بالأب كما سيأتي في أدلة القول

(1) فتح الباري 5/ 278

(2)

المرجع السابق 5/ 278

(3)

صحيح البخاري الهبة وفضلها والتحريض عليها (2622)، صحيح مسلم الهبات (1622)، سنن الترمذي البيوع (1298)، سنن النسائي كتاب الهبة (3703)، سنن أبو داود البيوع (3538)، سنن ابن ماجه الأحكام (2385)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 217).

(4)

سورة النحل الآية 60

(5)

شرح مسلم 11/ 64

(6)

انظر بداية المجتهد 2/ 333

(7)

انظر الاستذكار لابن عبد البر 22/ 315

ص: 141

الثاني (1).

الوجه الثاني: أن تشبيه النبي صلى الله عليه وسلم العائد بهبته بالكلب لاستقباحه واستقذاره لا في حرمة الرجوع، ويؤيد ذلك: أن فعل الكلب يوصف بالقبح لا بالحرمة وبه نقول إنه يستقبح (2) لأن الكلب غير متعبد فالقيء ليس حراما عليه، فيكون المراد التنزيه عن فعل يشبه فعل الكلب (3).

وأجيب: بأن هذا التأويل بعيد، وسياق الأحاديث ينفيه، وعرف الشرع في مثل هذه الأشياء أنه يقع التشبيه ويراد به المبالغة في الزجر (4).

2 -

الدليل الثاني: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: من وهب هبة لصلة رحم أو على وجه صدقة فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد بها الثواب فهو على هبته يرجع فيها إذا لم يرض منها.

(1) انظر ص (144 - 147)

(2)

انظر البناية 9/ 232 والمبسوط 12/ 52

(3)

فتح الباري 5/ 279

(4)

انظر المرجع السابق 5/ 279

ص: 142

3 -

أنها هبة يحصل بها الأجر من الله تعالى، فلم يجز الرجوع فيها كصدقة التطوع (1).

ويمكن أن يجاب: بأن هذا تعليل في مقابلة النص الذي دل على جواز الرجوع.

4 -

أن المقصود من الهبة فيما يتعلق بهبة الوالد صلة الرحم، وفي الرجوع قطيعة رحم، والولادة أقوى من القرابة المتأبدة بالمحرمية (2).

ويمكن أن يجاب: بأن هذا أيضا معارض بالأحاديث الدالة على جواز الرجوع عند وجود سببه.

ثم يقال: إن الرجوع عن الهبة فيما يتعلق بالوالد ينتج عكس ما ذكروه؛ لأنه لن يرجع إلا لسبب قوي يحقق به معنى أقوى بما قصده بالهبة، وإثبات الرجوع له يتمشى مع الأصل الثابت أن الولد من الكسب، هذه أهم أدلة القول الأول.

أدلة القول الثاني:

1 -

ما رواه النعمان بن بشير رضي الله عنه أن أباه «أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني نحلت ابني هذا غلاما،

(1) المغني 8/ 262

(2)

انظر المبسوط 12/ 49

ص: 143

فقال: أكل ولدك نحلته مثله؟ قال: لا، قال: فأرجعه (1)»

وأخرجه البخاري أيضا (2) أن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال وهو على المنبر: أعطاني أبي عطية، فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:«إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية، فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله، قال: أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟ قال: لا، قال: فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم، قال: فرجع فرد عطيته (3)» .

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (4) وفي الحديث رجوع الوالد فيما وهب للولد وهي خلافية، وحديث الباب ظاهر في الجواز.

ففي الحديث أمر النبي صلى الله عليه وسلم بشير بن سعد بالرجوع في هبته، وأقل أحوال الأمر الجواز. وقد امتثل ذلك فرجع

(1) أخرجه البخاري في كتاب الهبات، باب الهبة للولد، وإذا أعطى بعض ولده شيئا لم يجز حتى يعدل بينهم ويعطي الآخرين مثله ولا يشهد عليه، وهل للوالد أن يرجع في عطيته برقم 2446. ومسلم في كتاب الهبات، باب تفضيل بعض الأولاد في الهبة برقم 1623.

(2)

في كتاب الهبات باب الإشهاد على الهبة برقم 2447

(3)

صحيح البخاري الهبة وفضلها والتحريض عليها (2587)، صحيح مسلم الهبات (1623)، سنن الترمذي الأحكام (1367)، سنن النسائي النحل (3681)، سنن أبو داود البيوع (3542)، سنن ابن ماجه الأحكام (2375)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 270)، موطأ مالك الأقضية (1473).

(4)

فتح الباري 5/ 251.

ص: 144

في هبته لولده، ولذلك قال النعمان: فرجع فرد عطيته (1).

مناقشة الاستدلال:

نوقش بمناقشات كثيرة: أهمها قالوا: إن الحديث ليس فيه دليل على أن النعمان كان صغيرا، فيحمل أنه كان كبيرا ولم يكن قبض الموهوب فكان له الرجوع (2).

وأجيب بأن الذي تضافرت عليه الروايات أنه كان صغيرا وكان أبوه قابضا له لصغره، فأمره برد العطية المذكورة بعدما كانت في حكم المقبوض (3).

2 -

أن هذه الهبة لم تتنجز، وإنما جاء بشير يستشير النبي صلى الله عليه وسلم فأشار عليه بأن لا يفعل، وقوله صلى الله عليه وسلم (أرجعه) أي: أمسك مالك أو ارجع إلى مالك (4).

وأجيب: بأن هذا الحمل يخالف ظاهر الحديث؛ لأنه ورد فيه «إني نحلت ابني غلاما (5)» وهذا يدل على أنه أعطاه إياه، وكذلك قوله:(فأرجعه) يدل على أنه قد قبضه (6).

3 -

أن قوله صلى الله عليه وسلم: «فأشهد على هذا

(1) انظر المغني 8/ 262، وشرح مشكل الآثار 13/ 70

(2)

انظر شرح معاني الآثار للطحاوي 4/ 85، والمبسوط 12/ 56

(3)

انظر شرح مشكل الآثار للطحاوي 13/ 70، وفتح الباري 5/ 254

(4)

انظر شرح معاني الآثار 4/ 87 والمبسوط 12/ 56

(5)

صحيح البخاري الهبة وفضلها والتحريض عليها (2586)، صحيح مسلم الهبات (1623)، سنن الترمذي الأحكام (1367)، سنن النسائي النحل (3675)، سنن أبو داود البيوع (3542)، سنن ابن ماجه الأحكام (2376)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 270)، موطأ مالك الأقضية (1473).

(6)

انظر المغني 8/ 262 وفتح الباري 5/ 254

ص: 145

غيري (1)» يدل على أن الملك ثابت؛ لأنه لو لم يثبت لا يصح قولي، فهذا خلاف ما في الحديث الأول.

ولا يدل على فساد العقد الذي كان عقده بشير؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد يتوقى الشهادة على ماله، ويحتمل أنه امتنع؛ لأن الإمام ليس من شأنه أن يشهد وإنما شأنه أن يحكم (2).

وأجيب من وجهين:

أ- أن قوله: (أشهد) ليست صيغة إذن، بل هي للتوبيخ؛ لأنه قد وردت ألفاظ أخرى في الحديث تدل على هذا الحمل، كقوله:«فإني لا أشهد على جور (3)» .

فهذا اللفظ ظاهره الأمر، وباطنه الزجر، كقوله تعالى:{اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} (4)(5).

ب- أنه لا يلزم من كون الإمام ليس من شأنه أن يشهد أن يمتنع من تحمل الشهادة ولا من أدائها إذا تعينت عليه (6).

وقد أورد الحافظ ابن جحر جملة من الاعتراضات وأجاب

(1) أخرجه مسلم في كتاب الهبات، باب تفضيل بعض الأولاد في الهبة برقم 1623، وهو من ألفاظ الحديث المتقدم

(2)

انظر شرح معاني الآثار 4/ 85 وفتح الباري 5/ 254

(3)

أخرجه مسلم في الموضع السابق

(4)

سورة فصلت الآية 40

(5)

انظر شرح مشكل الآثار 13/ 71 - 72، وفتح الباري 5/ 254

(6)

انظر فتح الباري 5/ 254

ص: 146

عنها، وكلها في نظري تأويلات ضعيفة لا تقاوم هذا الاستدلال الواضح، ثم إنه يحتاج إلى مثل هذا الحمل لو ورد حديث صحيح يعارضه، أو يقاومه.

وكما سيتبين في أدلة من منع أنه لا حجة لهم من السنة.

2 -

الدليل الثاني: حديث عمرو بن شعيب عن طاوس عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يحل للرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده، ومثل الذي يعطي العطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب يأكل فإذا شبع قاء ثم عاد في قيئه (1)»

(1) أخرجه الإمام أحمد في مسنده 2/ 27. وأبو داود في سننه، في باب الرجوع في الهبة 3/ 291 برقم 3539. والترمذي في سننه في كتاب الهبات، باب في كراهية الرجوع في الهبة 4/ 422 برقم 2132، وفي باب ما جاء في الرجوع في الهبة 3/ 592 برقم 1298، 1299، لكن في الموضع الأخير عن ابن عباس رضي الله عنهما فقط. وأخرجه النسائي في السنن الكبرى في باب رجوع الوالد فيما يعطي لولده وذكر اختلاف الناقلين للخبر في ذلك 4/ 121برقم 6520. وابن ماجه في باب من أعطى ولده ثم رجع فيه 2/ 795 برقم 2377، والبيهقي في السنن الكبرى 6/ 179 في باب رجوع الوالد فيما وهبه لولده. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم. وقال الحاكم في مستدركه 2/ 53 برقم 2289: هذا حديث صحيح الإسناد فإني لا أعلم خلافا في عدالة عمرو بن شعيب، إنما اختلفوا في سماع أبيه عن جده. ووافقه الذهبي في التلخيص. وقد أخرج الحديث ابن حبان في صحيحه في ذكر البيان بأن هذا الزجر الذي أطلق بلفظ العموم لم يرد به كل الهبات ولا كل الصدقات 11/ 524 برقم 5123. وانظر: التلخيص الحبير 3/ 72، ونصب الراية 4/ 124.

ص: 147

مناقشة الاستدلال بالحديث:

نوقش من وجهين:

الأول: بأن الحديث ليس على ظاهره، فالمراد بقوله:«إلا الوالد (1)» أي: ولا الوالد، كقوله تعالى:{وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} (2) وكقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً} (3).

فالمعنى: ولا الذين ظلموا منهم، وكذلك في الآية الثانية (4).

2 -

الوجه الثاني: أن هذا ليس رجوعا حقيقة، بل المراد أن الوالد دون غيره له أن يتملك من مال ابنه، ويأخذ ما تدعوه حاجته، وإنما سمي ذلك رجوعا باعتبار الظاهر، وإن لم يكن رجوعا حكما (5).

ويمكن أن يجاب عن الوجه الأول: بأن الأصل الحمل على الحقيقة والظاهر، وصرف اللفظ عن ظاهره لا بد له من قرينة تؤيده، ولو قيل بمثل هذه التأويلات المحتملة لم يسلم دليل من اعتراض، ثم

(1) سنن الترمذي البيوع (1299)، سنن النسائي الهبة (3690)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 237).

(2)

سورة العنكبوت الآية 46

(3)

سورة النساء الآية 92

(4)

انظر المبسوط 12/ 55

(5)

انظر المبسوط- مرجع سابق- وشرح معاني الآثار 4/ 80، وشرح مشكل الآثار 13/ 67

ص: 148

إن هذا التأويل ينفيه ما ورد في حديث النعمان السابق حيث إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بإرجاع الهبة وردها (1) وهذا تطبيق لهذا الاستثناء الوارد في الحديث، فلئن كان ما ذكروه محتملا ولو كان بعيدا فإن ورود حديث النعمان يقضي على هذا الاحتمال.

وبمثل هذا الجواب يجاب عن الاحتمال الثاني، ويقال أيضا:

لو ورد دليل صريح قوي يعارض هذا الحكم لكان المستدل محتاجا إلى مثل هذا التأويل، أما وقد اتفقت الأدلة فلا حاجة لمثل هذه التأويلات، على أن الحنفية يجيزون الرجوع في الهبة لأجنبي ويمنعون الأب، مع صراحة الأدلة، والحق أحق أن يتبع.

3 -

حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم (2)» .

4 -

حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن أعرابيا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبي يريد أن يجتاح مالي، فقال:

(1) انظر الحديث وتخريجه وما قيل فيه ص (144) وما بعدها

(2)

أخرجه الترمذي في باب ما جاء أن الوالد يأخذ من مال ولده 3/ 639 برقم 1358. وابن ماجه في الأحكام، باب ما للرجل من مال ولده 2/ 768 برقم 2290. وابن أبي شيبة في مصنفه 7/ 294 برقم 3613. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وابن حبان في صحيحه في باب حق الوالدين، ذكر خبر أوهم من لم يحكم صناعة العلم أن مال الابن يكون للأب 1/ 227 برقم 412.

ص: 149

«أنت ومالك لأبيك، إن أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم (1)» .

فميز الولد عن غيره، وجعله كسبا لوالده، فكان ما كسبه الولد منه أولى أن يكون من كسبه (2).

أما أدلة هذا القول من النظر فهي:

5 -

أن ما بيد الولد في حكم ما بيد الوالد، لجواز تصرفه فيه إذا كان صغيرا وأخذ النفقة منه إذا كان كبيرا فصارت هبة الوالد لولده وإن خرجت عن يده في حكم ما وهبه وهو باق في يده فهو ليس رجوعا في الحقيقة (3).

6 -

أن الأب تباين أحكامه أحكام غيره، فلا يعادي ولده ولا تقبل شهادته له، فجاز أن يخالف غيره في جواز الرجوع في الهبة؛ لأن انتفاء التهمة تدل على أن رجوعه فيها لشدة الحاجة منه إليها، فهو مطبوع على إيثار ولده على نفسه فلا يرجع إلا لحاجة أو مصلحة (4)

(1) أخرجه أبو داود في سننه في كتاب البيوع باب في الرجل يأكل من مال ولده 3/ 289 برقم 3530 وابن ماجه في باب ما للرجل من مال ولده 2/ 769 برقم 2292 والبيهقي في السنن الكبرى 7/ 480 قال الشوكاني في نيل الأوطار 6/ 1 / 120: وهو حديث ينهض للاحتجاج بمجموع طرقه، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه 2/ 30 برقم 1856.

(2)

انظر: الحاوي للماوردي 9/ 415

(3)

انظر الحاوي 9/ 415 وفتح الباري 5/ 251

(4)

انظر: الحاوي 9/ 415

ص: 150

فهذه جملة أدلتهم.

أما استدلال من ألحق الأم بالأب في الرجوع (1) فأهمها:

1 -

عموم الأدلة السابقة كقوله: «إلا الوالد فيما يعطي ولده (2)» .

وكقوله: «واعدلوا بين أولادكم (3)» ، فيدخل فيه الأم، فإنها مأمورة بالتسوية والعدل، والرجوع في الهبة طريق التسوية (4).

2 -

ولأنها دخلت في المعنى في حديث بشير فينبغي أن تدخل في جميع مدلوله؛ لقوله صلى الله عليه وسلم «فأرجعه (5)» أي: أن الهبة المذكورة كانت بمشورة من والدة النعمان كما سبق (6).

3 -

أنها لما ساوت الأب في تحريم التفضيل، وكلهم والد فيه البعضية وفضل الحنو فينبغي أن تساويه في التمكن من الرجوع تخليصا لها من الإثم، وإزالته للتفضيل المحرم (7).

ونوقشت هذه الاستدلالات: بأن الأحاديث المذكورة خصت

(1) وهم المالكية في حياة الأب والحنابلة في الرواية الثانية انظر (61 - 62)

(2)

سبق تخريجه

(3)

سبق تخريجه

(4)

انظر الإشراف 2/ 676 والمغني 8/ 263

(5)

سبق تخريجه

(6)

انظر المغني 8/ 263

(7)

انظر المغني - مرجع سابق والحاوي 9/ 416، والعزيز 6/ 323

ص: 151

الوالد، والوالد عند الإطلاق إنما يتناول الأب دون الأم، والفرق بينهما: أن للأب ولاية على ولده، ويحوز جميع المال في الميراث والأم بخلافه (1).

وأما تقييد الإمام مالك رجوع الأم بحياة الأب؛ لأن الصغير بعد موت الأب يكون يتيما، وهبة اليتيم لازمة كصدقة التطوع، فلا يجوز الرجوع فيها (2).

وأما إثبات الرجوع لعموم الأصول عند الشافعية واستدلالهم لذلك: بأن الأصول يتساوون في استحقاق النفقة والعتق وسقوط القصاص فجاز لهم الرجوع كالأب (3).

ولأن الفرق بين الأجنبي وذي الرحم في الهبة متفق عليه، لوجود النص المعاضد، والبعضية الممازجة والتمييز بالأحكام المخصوصة فلأن يكون الرجوع في الهبة مع الرحم أولى منه مع الأجنبي) (4).

فيمكن أن يناقش: بأن هذا توسيع لمفهوم الوالد، والأصل تحريم الرجوع في الهبة، وثبوته للوالد على خلاف الأصل، فينبغي أن يقتصر فيه على أقل ما يقتضيه اللفظ.

وأما استدلال المالكية على التفريق بين الهبة وحياة الأب وبعد

(1) انظر المغني 8/ 263

(2)

انظر المغني 8/ 263، والاستذكار 22/ 311

(3)

انظر التهذيب 4/ 537

(4)

انظر الحاوي 9/ 415

ص: 152

موته بالنسبة للأم فهو تفريق بلا دليل؛ لأن التفريق في المسمى بين الهبة والصدقة بناء على هذا الاعتبار لا يسنده نص، ولم يقل به أحد.

أدلة القول الثالث:

1 -

حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الرجل أحق بهبته ما لم يثب منها (1)» .

نوقش هذا الحديث: بأنه ضعيف (2).

2 -

حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من وهب هبة فهو أحق بها ما لم يثب منها (3)» .

ونوقش هذا: بأن الحديث لا يثبت مرفوعا، وإنما الصواب: أنه عن ابن عمر عن عمر موقوفا (4).

3 -

آثار وردت عن الصحابة رضي الله عنهم فمنها ما ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: (من وهب هبة لصلة رحم أو على وجه الصدقة فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب

(1) أخرجه ابن ماجه في كتاب الأحكام باب من وهب هبة رجاء ثوابها 2/ 798 برقم 2387، والدارقطني في كتاب البيوع 3/ 43 برقم 180، وابن أبي شيبة في باب الرجل يهب الهبة فيريد أن يرجع فيها 4/ 420 برقم 21704

(2)

لأنه من رواية إبراهيم بن إسماعيل بن جارية وقد ضعفوه، انظر نصب الراية 4/ 125

(3)

أخرجه الحاكم في المستدرك 2/ 60 برقم 2323، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، والدارقطني في كتاب البيوع 3/ 43 برقم 179، والطحاوي في شرح معاني الآثار 4/ 81

(4)

انظر: سنن الدارقطني، 3/ 43

ص: 153

هبة يرى أنه إنما أراد بها الثواب فهو على هبته يرجع فيها إذا لم يرض منها).

ومنها ما ورد عن علي رضي الله عنه أنه قال: الواهب أحق بهبته ما لم يثب منها.

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: المواهب ثلاثة، رجل وهب من غير أن يستوهب فهي كسبيل الصدقة، فليس له أن يرجع في صدقته، ورجل استوهب فوهب فله الثواب، فإن قبل على موهبته ثوابا فليس له إلا ذلك، وله أن يرجع في هبته ما لم يثب، ورجل وهب واشترط الثواب فهو دين على صاحبه في حياته وبعد موته (1).

ونوقشت هذه الآثار من وجهين:

أ- معارضتها للأحاديث السابقة وهي صحيحة صريحة في دلالتها (2).

(1) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار 13/ 35

(2)

سبق تخريجهما.

ص: 154

ب- أن قول الصحابي حجة ما لم يعارض بقول صحابي آخر، وقد روي عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم خلاف ما ذكروه (1).

ولهم أدلة من النظر من أهمها:

4 -

أن المقصود بالهبة للأجانب هو التعويض والمكافأة، وقد دل على ذلك العرف، فتثبت ولاية الفسخ عند فوات هذا المقصود (2) وبناء على هذا فإن حق الرجوع ليس ثابتا بالعقد، وإنما لحصول خلل في مقصود العقد (3).

ونوقش هنا: بأن اعتبار الهدايا بالمقاصد فيه نظر؛ لأن المقاصد بالهبات مختلفة، فقد يكون مكافأة الموهوب على إحسانه، وقد يكون مجرد المحبة، أو النفع بالبدن أو الجاه فليس القصد منحصرا في التعويض بالمال (4).

وأجيب: بأن المقصود الغالب هو التعويض المالي في العادة، ولهذا يقال الأيادي قروض، وقد تأيدت بالشرع، والمعروف كالمشروط (5).

(1) انظر المغني 8/ 278

(2)

انظر البناية شرح الهداية 9/ 230، وتبيين الحقائق5/ 97، 98

(3)

انظر المبسوط 12/ 52 وبدائع الصنائع 6/ 128

(4)

انظر البناية 9/ 230، 231 وفتح القدير 9/ 39

(5)

انظر البناية 9/ 231

ص: 155

ويمكن أن يرد بأنه ينازع في إثبات أن هذا الغالب، وإن وقع في بعض الصور، لكن المقاصد الأخرى تساوي هذا القصد، ثم إن هذا التعليل مقابل بالنص الذي يمنع من الرجوع، والتعليلات إذا كانت في مقابلة النص فهي فاسدة الاعتبار.

وأما منع ذي الرحم من الرجوع فاستدلوا له (1) بالأثر السابق عن عمر رضي الله عنه في قوله: من وهب هبة لصلة رحم أو على وجه الصدقة فإنه لا يرجع فيها (2).

قالوا: فعمر رضي الله عنه إمامنا في المسألتين (3).

ويناقش بما سبق بأنه معارض بقول غيره (4) ثم هو منقوض بهبة الوالد التي ورد النص فيها صريحا كما سبق (5).

واستدلوا أيضا: بأن الهبة لذي الرحم صدقة؛ لأن المقصود بها ثواب الله- عز وجل فكما أنه لا يجوز الرجوع في الصدقة فكذلك الهبة لذي الرحم (6).

وقالوا أيضا: بأن في الرجوع في الهبة عقوقا وعقوق ذي

(1) انظر البناية 9/ 230، 231 وفتح القدير 9/ 39

(2)

سبق تخريجه

(3)

انظر المبسوط 12/ 49

(4)

انظر ص (154)

(5)

انظر ص137

(6)

سبق تخريجه

ص: 156

الرحم محرم.

4 -

أنه لو وهب بشرط الثواب فأثيب لم يرجع وهذا قد أثيب من الله تعالى فلم يجز أن يرجع (1).

ويمكن أن تناقش هذه الاستدلالات من عدة أوجه:

ا- أنه معارض بما ثبت في حق الوالد، ويرد فيه ما أورد فيه وقد ورد النص بجوازه.

2 -

أن الثواب الأخروي والبدل الدنيوي إنما يحصل لمن لم يرجع، ومن رجع لم يثبت في حقه شيء حتى يقال إنه أثيب فلا يرجع، ثم إن طرد هذا يشمل الهبة للأجنبي أيضا؛ لأنه يتحقق بها من المودة والمحبة والتواصل ما هو من المقاصد الظاهرة، وتزيد هبة ذي الرحم بثواب الصلة فإذا منع من الرجوع لهذه العلة فإنها تطرد فيما يهبه الأجنبي؛ لأنه يثاب على المعاني التي أشرت إليها.

هذه أهم أدلتهم وما يمكن أن يجاب عنها.

الترجيح:

يظهر لي -والله أعلم- ما ذهب إليه الجمهور من أن الأصل تحريم الرجوع إلا من استثنى، ويظهر أيضا اختصاص الرجوع بالأبوين دون غيرهما من الأصول، وقد ترجح هذا الحكم

(1) انظر هذه الاستدلالات في الحاوي 9/ 414

ص: 157

للاعتبارات الآتية:

1 -

قوة الأدلة التي استدلوا بها، وسلامة بعضها من المناقشة، وهذه القوة مبعثها صحة السند وظهور الدلالة على ما استدل بها عليه.

2 -

أن أدلة الأقوال الأخرى ضعفت بما ورد عليها من مناقشة، كما أنه ظهر من خلال عرضها التكلف في تأويلها، وعسف النصوص حتى تتفق مع الحكم؛ ولذلك صرح بعض الحنفية بأن النظر يقتضي أن لا يرجع الواهب في الهبة؛ لأن ملكه قد زال عنها بهبته إياها، وصار للموهوب له دونه، فليس له نقض ما قد ملك عن الله برضا مالكه، لكن تقليد الأئمة أولى (1).

3 -

أن الأم في معنى الأب، وما ذكروه من الولاية ليس هو مناط الحكم التخصيص بالأب، وإنما المعنى الذي يظهر هو ظهور الشفقة والحنو، وأن الرجوع منه لا يتم إلا لمعنى يقتضيه، وهذا معنى تشترك فيه الأم مع الأب، ومع القول بترجيح دخول الأم إلا أن ذلك لا يمنع من تدخل الأب، لأن الولاية تثبت له على الولد والأهل.

4 -

ما يتضمنه الرجوع من معان تتنافى مع المقاصد العامة، والأخلاق السامية؛ ولذلك ورد عن فضالة بن عبيد أنه جاءه رجلان يختصمان في باز، فقال أحدهما: وهبت له بازيا فقال أحدهما: وهبت له بازيا وأنا أرجو أن يثيبني منه، وقال الآخر: نعم وقد

(1) قاله الطحاوي في شرح معاني الآثار 4/ 84

ص: 158