الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بدراسة هذه العقود التي يتم بموجبها توفير النقد للأفراد والمؤسسات؛ وجد في بعضها أن البيع يتم على تملك السلعة المباعة على العميل بموجب ما يسمى بشهادة التخزين، والتي يشار فيها إلى أن السلعة موجودة في البلد الذي يوجد فيه عادة سوق البورصة الذي يتعامل معها البنك، ويذكر في العقد إجمالي السلع ولا يشار إلى مقدار الربح بل يدخل ضمن مبلغ البيع مع الإشارة إلى أن البيع تم وفق بيع المرابحة. أما بعض العقود فيشار في طلب الحصول على المال حسب صيغة التورق أنه عند الموافقة على طلبه فيتم تحديد مقدار الربح وتكلفة السلعة مع التزامه بتحديد دفعة أولى لضمان جدية الشراء، والتزامه أيضا بدفع رسوم إدارية لعملاء البنك؛ أي للمودعين. كما أن من ضمن الشروط في بعضها في حالة التأخر في سداد الأقساط؟ التزام المشتري بتعويض البنك عن الأضرار الناتجة عن التأخير، وفي بعضها يتم فرض غرامات عليه يتم احتسابها على أساس نسبة من المبالغ المستحقة مع مدة المطل، ويقوم البنك بصرفها في أوجه البر والخير.
المطلب الثالث: حكم بيع التورق غير المصرفي
تحرير محل النزاع:
إذا اشترى شخص السلعة لقصد التجارة، أو لقصد الانتفاع بها بالأكل والشرب واللبس ونحو ذلك فحائز بالاتفاق (1).
(1) مجموع فتاوى شيخ الإسلام 29/ 30.
وإن اشترى السلعة لقصد الدراهم لحاجته إليها فموضع خلاف بين العلماء:
القول الأول: جواز هذا البيع.
وهو قول جمهور أهل العلم من الحنفية (1)، والمالكية (2)، والشافعية (3)، والحنابلة (4)، وبه قال الشيخ محمد بن إبراهيم (5)، والشيخ عبد العزيز بن باز رحم الله الجميع (6).
لكن عند الحنفية والمالكية: إن علم البائع الأول والمشتري الثاني بحاجة البائع الثاني إلى النقد كره ذلك.
الأدلة: استدل من قال بالجواز بما يلي:
1 -
أن هذه المعاملة تدخل في عموم قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} (7) وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} (8).
(1) المبسوط 13/ 127، وبدائع الصنائع 5/ 199، 200، وحاشية ابن عابدين 5/ 326.
(2)
مواهب الجليل 4/ 393، والشرح الكبير للدرداء 3/ 89، وجواهر الإكليل 2/ 33.
(3)
روضة الطالبين 3/ 416، وهم يرون جواز العينة فالتورق من باب أولى.
(4)
الفروع 4/ 171، وشرح المنتهى 2/ 158، وكشاف القناع 3/ 175.
(5)
فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم 7/ 61.
(6)
مجلة البحوث الإسلامية 7/ 53.
(7)
سورة البقرة الآية 275
(8)
سورة البقرة الآية 282
فالتورق نوع من البيع والمداينة الداخل في عموم الآيتين.
2 -
أن الأصل في المعاملات الحل إلا ما قام الدليل على منعه، ولا يعلم حجة شرعية تمنع هذه المعاملة (1).
3 -
أن التجار يقصدون من معاملاتهم التجارية الحصول على نقود كثر بنقود أقل، ويكون المبيع هو الواسطة بينهما، ولم يقل أحد إن التاجر إذا كان يقصد بتجارته الحصول على نقد أكثر إن هذه التجارة تكون مكروهة فكذلك التورق، فإن المقصود منه النقد، والمبيع هو الواسطة بينهما (2).
ونوقش: بوجود الفرق بين التاجر والمتورق، فالتاجر يبيع ليربح، أما التورق فيبيع ليحصل على النقد ربح أم خسر (3) وأجيب: بأن الربح حصول على النقد أيضا.
وأيضا: المتورق لم يخسر، إذ الأجل له قسط من الثمن.
4 -
أن الحاجة تدعو إلى مثل هذه المعاملة، فليس كل من احتاج إلى مال وجد من يقرضه (4).
القول الثاني: الجواز بشروط وهي: أن يكون محتاجا
(1) مجلة البحوث الإسلامية 7/ 53.
(2)
المصدر السابق.
(3)
د / سامي السويلم، التكافؤ الاقتصادي بين الربا والتورق ص 24.
(4)
مجلة البحوث الإسلامية 7/ 53.
للدراهم، وألا يتمكن من الحصول على المال بطرق مباحة كالقرض، وألا يشمل العقد على ما يشبه صورة الربا كأن يقول بعتك إياها العشرة أحد عشر، وأن لا يبيعها المستدين إلا بعد قبضها.
وبه قال الشيخ محمد العثيمين (1).
وحجته:
أما الشروط الثلاثة الأولى فدليلها: قيام الحاجة لهذه المعاملة، والبعد عما يشبه صورة الربا (2).
وأما الشرط الرابع: فحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه (3)» قال ابن عباس رضي الله عنهما: "وأحسب كل شيء بمنزلة الطعام".
القول الثالث: تحريم بيع التورق.
وهو رواية عن الإمام أحمد (4) وبه قال عمر بن عبد العزيز (5).
(1) الشيخ، رسائل فقهية ص 107.
(2)
المصدر السابق.
(3)
أخرجه البخاري في البيوع، باب بيع الطعام قبل أن يقبض (2135)، ومسلم في البيوع، باب بطلان المبيع قبل القبض (1525).
(4)
الإنصاف مع الشرح الكبير 11/ 196.
(5)
مجموع الفتاوى 30/ 29.
واختاره شيخ الإسلام (1)، وابن القيم (2).
وحجته:
1 -
ما روي عن علي رضي الله عنه قال: «سيأتي على الناس زمان يعض المؤمن على ما في يده ولم يؤمر بذلك قال تعالى:، ويبايع المضطرون، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع المضطر (4)»
ونوقش: بأنه حديث ضعيف.
2 -
أن الله حرم أخذ دراهم بدراهم أكثر منها إلى أجل لما في ذلك من ضرر المحتاج، وأكل ماله بالباطل، وهذا المعنى موجود في هذه الصورة (5).
ونوقش هذا الاستدلال من وجهين:
الأول: أن المنع من أخذ دراهم بدراهم أكثر منها إلى أجل إنما هو لتحقق الربا كالعينة حيث كانت الحيلة إليه ظاهرة، أما إذا لم
(1) مجموع الفتاوى 30/ 29.
(2)
تهذيب السنن 5/ 108.
(3)
أخرجه الإمام أحمد 1/ 116، وأبو داود في البيوع، باب في بيع المضطر (3382). قال ابن المنذر في مختصر سنن أبي داود 5/ 48:"في إسناده رحل مجهول". وقال ابن مفلح في الفروع 4/ 5: "صاع لا يعرف تفرد عنه هشيم، والشيخ لا يعرف أيضا".
(4)
سورة البقرة الآية 237 (3){وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ}
(5)
مجموع فتاوى شيخ الإسلام 29/ 434.
ترجع السلعة إلى البائع كالتورق فالحيلة منتفية.
الثاني: أن الذي يبيع ماله لدين ركبه، أو مؤونة ترهقه فيبيع ما في يده بالوكس للضرورة لا يقال: إن بيعه حرام؛ لأن الرضا متحقق منه حينئذ (1).
3 -
قياس التورق على العينة بجامع أن المقصود من الموضعين الثمن، والسلعة هي الواسطة بينهما (2).
ونوقش: بالفرق؛ لأن بيع العينة وسيلة إلى الربا؛ لأن مآله إلى بيع دراهم بدراهم أكثر منها، والسلعة واسطة بينهما، بخلاف التورق فالمشتري الثاني غير البائع، فليس وسيلة إلى الربا.
4 -
أن المتورق لا يريد أن ينتفع بالسلعة، لا بالاستهلاك ولا بالاستثمار، وإنما هي ذريعة لتحصيل النقد. فإذا انتفت منفعة السلعة، بقيت الزيادة للأجل التي تحملها المتورق دون مقابل. ومن ثم انتفى الفرق بين البيع وبين الربا الذي أثبته القرآن، بل إن التورق يتضمن تكاليف البيع والشراء والقبض والحيازة، وهذه لا توجد في الربا. وهذا ما أدركه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حين قال: "المعنى الذي لأجله حرم الربا موجود فيها بعينه مع زيادة الكلفة بشراء السلعة والخسارة فيها فالشريعة لا تحرم الضرر الأدنى وتبيح ما
(1) معالم السنن 5/ 47.
(2)
ينظر: تهذيب السنن 5/ 108.
هو أعلى منه" (1).
ونوقش هذا الاستدلال: بأن محصله قياس بيع التورق على بيع الربا، وهذا قياس مع الفارق، والفرق بين بيع الربا وبيع التورق وجود السلعة في بيع التورق وبيعها على غير بائعها، فانتفى كونه محض دراهم بدراهم، وأيضا المتورق قد يعدل عن بيع السلعة لسداد حاجته، وأما الكلفة والخسارة فمقابل الأجل.
5 -
أن مقصد الشرع من ربط التمويل بالتبادل هو أن يكون التمويل تابعا للمبادلات الاقتصادية، أما التورق وسائر صور العينة فهي على النقيض من ذلك، تجعل المبادلات تابعة للتمويل، وهذا مع مناقضته لحكمة التشريع، فهو مناقض للمنطق الاقتصادي؛ لأن تكلفة التمويل لا يمكن الوفاء بها إلا من خلال النشاط الاقتصادي الفعلي، والمفترض أن هذا النشاط يتم من خلال المبادلات والمعاملات المشروعة، فإذا انعكس الوضع وصار النشاط الاقتصادي خادما للتمويل، انعكس الهدف من النشاط الاقتصادي أصلا، فبدلا من أن يكون سببا لتحقيق الرخاء، صار مسخرا لسداد تكاليف التمويل وخدمة الديون، فيصبح التمويل نزيفا في جسم الاقتصاد لمصلحة أصحاب المال، تماما كما هو الحال في النظام الربوي (2).
(1) إعلام الموقعين 5/ 86، 87، ط. دار ابن الجوزي (1423 هـ)
(2)
د / سامي السويلم، التكافؤ الاقتصادي بين الربا والتورق ص 23
6 -
أن التورق لا يختلف من حيث النتيجة عن الربا في حق المتورق، أي أن الربا والتورق متكافئان اقتصاديا.
فإن قيل: إنه ينشأ عن التورق مصالح مثل تداول السلع وتحريك السوق، فشراء السلعة ثم بيعها ينشط تبادلات السلعة، وهذا من شأنه أن يحقق مصالح عامة للمتعاملين.
أجيب: أن التداول الناتج عن التورق ليس هو التداول المحمود الذي ينتفع به المتعاملون ويحقق قيمة مضافة للاقتصاد؛ لأن التداول النافع هو الذي يجعل السلعة متاحة لأكثر الناس انتفاعا بها، وهذا يستلزم أن يكون التداول يراد به الانتفاع الحقيقي.
يوضح ذلك: أن التورق يؤدي لنشوء سوق مغلقة لتداول السلع محل التورق. فالمتورق يشتري السلعة ليبيعها لطرف ثالث؛ ليعود الأخير ويبيعها للبائع الأول، كما هو مشاهد وكما هو واقع التجربة العملية، وهذا يعني أن السلعة تدور ضمن دائرة ضيقة بين البائع وبعض التجار الذين يشتري منهم البائع الأول، وهذا من التداول الذي حذر منه القرآن في قوله تعالى:{كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} (1) فالسلعة يقتصر تداولها على المصرف والتاجر، ولا تجد طريقها إلى السوق الحقيقية، وثبت من الواقع أن بعض السلع تم بيعها أكثر من 40 مرة، في كل مرة يشتريها العميل ثم
(1) سورة الحشر الآية 7