الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عقد الهبة بما ورد عن الصحابة رضي الله عنهم مما هو كالإجماع منهم على اعتبار القبض، ثم إن بعض ما استدلوا به سلم من المناقشة، ويتأيد من وجه ثالث وهو أن هذا أضبط في تنظيم العقود، وأثبت لتأصيلها، وأبعد عن النزاع فيها، ويزيد الأمر وضوحا ما سيأتي من أدلة تدل على جواز الرجوع في الهبة - على الخلاف الذي سيأتي (1). والله أعلم.
(1) انظر: ص (134).
المطلب الرابع: الوقت الذي تملك فيه الهبة
الخلاف في هذه المسألة متفرع عن المسألة السابقة، وتشترك معها في أغلب الاستدلالات، وتحاشيا للتكرار فإني أشير إلى صورة المسألة، والأصل الذي تفرعت عنه أو القول الذي تبنى عليه.
وقد تحصل من خلال ما ذكره العلماء رحمهم الله في الوقت الذي تملك فيه الهبة ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن الهبة لا تملك إلا بالقبض، وأنها قبل القبض على ملك الواهب يتصرف فيها كيف شاء، وهذا القول مبني على أن القبض ركن في لزوم الهبة أو شرط، وهو مذهب الحنفية (1)، والمالكية بناء على أن القبض عندهم شرط لتمام الهبة لا لصحتها، لكن يجبر الواهب على الإقباض فإن ترك الموهوب له القبض حتى أفلس الواهب
(1) انظر: بدائع الصنائع 6/ 120، 123، وتبيين الحقائق 5/ 91، وفتح القدير 9/ 21.
أو مرض بطلت الهبة (1).
ومذهب الشافعية في المشهور وهو جديد قولي الشافعي رحمه الله (2)، وهو مذهب الحنابلة في المكيل والموزون ونحوهما مطلقا، وفي غيرهما على المذهب.
القول الثاني: أن الملك ينتقل إلى الموهوب بمجرد عقد الهبة، وهذا قول الظاهرية (3)، ورواية عن الإمام أحمد رحمه الله في غير المكيل والموزون (4)، ويحكى عن القديم عند الشافعي (5) وهو ظاهر إطلاق بعض المالكية (6) إلا أنه عند التأمل فإن حقيقة مذهبهم هي ما سبقت الإشارة إليه.
وهذا القول مبني على أن العقد تام بمجرد الإيجاب من الواهب، والقبول من الموهوب له.
(1) انظر: بداية المجتهد 329/ 2، ومواهب الجليل 6/ 54.
(2)
انظر: الوسيط 4/ 269، والعزيز 6/ 319، وروضة الطالبين 5/ 375.
(3)
انظر المحلى 9/ 127.
(4)
انظر: المقنع مع الشرح الكبير والإنصاف 17/ 18، والفروع 4/ 641.
(5)
انظر: روضة الطالبين 5/ 275.
(6)
انظر: الإشراف 2/ 673، وعقد الجواهر الثمينة 3/ 59.
القول الثالث: أن الملك موقوف إلى أن يوجد القبض، فإن وجد صار للموهوب له من حين قبوله وإلا فهو للواهب، وهذا قول عند الشافعية (1). وقول عند الحنابلة أيضا (2).
وأما الاستدلال لهذه الأقوال فهو ما سبق في المسألة التي قبلها (3)؛ لأن تفاصيل هذه المسألة لا تخرج عنها، فمن اعتبر الملك بالقبض جعل القبض ركنا وشرطا لصحة الهبة أو تمامها وقد سبق الاستدلال لذلك (4) ومن اعتبره بالعقد لم يعتبر القبض.
وأما من جعل الملك موقوفا فهو توسط بين القولين، وأخذ بأدلة الفريقين، وروعي فيه جواز العقد في أوله، ومصيره إلى اللزوم في مآله، ولكن في نظري أن هذا التوسط لا يسلم؛ لأن الأدلة لا تدل عليه، ويخالف ما هو كالإجماع من الصحابة حيث اعتبروا لزوم الهبة وترتب الملك عليه بالقبض.
الترجيح:
إذا ترجح أن العقد لا يتم إلا بالقبض كما يسبق (5)، فإن الملك معتبر به كذلك، فيكون ملك الموهوب للواهب، ونماؤه له، ولا يلزم إلا
(1) انظر: العزيز 6/ 319، وروضة الطالبين 5/ 375.
(2)
انظر: الفروع 4/ 642، والمقنع مع الشرح الكبير والإنصاف 17/ 18.
(3)
انظر ص (119 - 136).
(4)
انظر ص (119).
(5)
انظر ص (125).