الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخطيب: كان ثقة ثبتاً، حسن التصانيف، قال: ولما منعت الديلم الناس من ذكر فضائل الصحابة كتبوا السب على أبواب المساجد، وكان يتعمد إملاء أحاديث الفضائل في الجامع.
خمس وخمسين وثلاث مائة
فيها أخذ ركب مصر والشام، وهلك الناس، وتمزقوا في البراري، أخذتهم بنو سليم.
وفيها توفي الحافظ أبو بكر محمد بن عمر بن محمد بن سليم التميمي البغدادي.
روي عنه أنه قال: أحفظ أربعمائة ألف حديث، وأذاكر ستمائة ألف حديث. وذكر الدارقطني أنه خلط وأنه شفي.
وفيها توفي أبو الحكم منذر بن سعيد البلوطي قاضي الجماعة بقرطبة، وكان ظاهري المذهب فطناً مناظراً ذكياً بليغاً مفوهاً شاعراً كثير التصانيف، قوالاً للحق، ناصحاً للخلق، عزيز المثل رحمه الله تعالى.
فيها توفي أبو محمد مسلم بن معمر بن ناصح الدهلي الأديب بأصبهان.
ست وخمسين وثلاث مائة
فيها أقامت الرافضة المآتم على الحسين على العادة المارة في هذه السنوات.
وفيها توفي السلطان معز الدولة أحمد بن بويه الديلمي، وكان في صباه يخطب، وأبوه يصيد السمك، فما زال يترقى في مراقي الدنيا إلى أن ملك بغداد نيفاً وعشرين سنة، ومات بالإسهال وكان حازماً سائساً مهيباً رافضياً عالماً، وقيل أنه رجع في مرضه عن الرفض، وندم على الظلم، وهو عم عضد الدولة وعماد الدولة وركن الدولة، وسيأتي ذكرهم بعد إن شاء الله تعالى.
وفيها توفي أبو محمد المغفلي بفتح الغين المعجمة والفاء المشددة أحمد بن عبد الله الهروي، أحد الأئمة. قال الحاكم: كان إمام أهل خراسان بلا مدافعة، وكان فوق الوزراء، وكانوا يصدرون عن رأيه.
وفيها توفي أبو علي إسماعيل بن القاسم البغدادي النحوي الأخباري، صاحب
التصانيف، ونزيل الأندلس بقرطبة، في ربيع الآخر. أخذ الأدب عن ابن كبريت وابن الأنباري، وسمع من أبي يعلى الموصلي والبغوي وطبقتهما، وألف كتاب البارع في اللغة، في خمسة آلاف ورقة، لكن لم يتمه.
وفيها توفي صاحب كتاب الأغاني أبو الفرج علي بن الحسين القرشي الأموي المرواني، الأصبهاني الأصل، البغدادي المنشأ، الكاتب الأخباري. كان أديباً نسابة علامة شاعراً، كثير التصانيف وقال بعض المؤرخين: ومن العجائب أنه مرواني شيعي وكان عالماً بأيام الناس والأنساب والسير روى عن كثير من العلماء.
قال التنوخي: كان يحفظ من الشعر والأغاني والأخبار والآثار والأحاديث المسندة ما لم أر قط من يحفظ مثله، ويحفظ دون ذلك من علوم أخرى. منها: اللغة والنحو والخرافات والسير والمغازي، ومن آلة المنادمة شيئاً كثيراً، مثل علم الجوارح والبيطرة والطب والنجوم والأشربة وغير ذلك. وله شعر يجمع إتقان العلماء وإحسان الظرفاء الشعراء. وله المصنفات المستملحة، منها كتاب الأغاني الذي وقع الاتفاق عليه أنه لم يعمل في باب مثله، يقال أنه جمعه في خمسين سنة، وحمله إلى سيف الدولة بن حمدان، فأعطاه ألف دينار واعتذر إليه.
وحكي، عن الصاحب بن عباد أنه كان يستصحب في أسفاره وتنقلاته، حمل ثلاثين جملاً من كتب الأدب ليطالعها، فلما وصل إليه كتاب الأغاني لم يكن بعده يستصحب سوأه، مستغنياً به عنها. ومنها " كتاب القيان "، و " كتاب الإماء الشواعر "، و " كتاب الدرايات "، و " كتاب دعوة التجار "، و " كتاب مجرد الأغاني "، و " كتاب الألحانات وأدب الغرباء "، وكتب صنفها لبني أمية ملوك أندلس وسيرها إليهم سراً. منها كتاب نسب بني عبد شمس " و " كتاب أيام العرب "، ألف وسبع مائة يوم و " كتاب التعديل والانتصاف " في مآثر العرب ومثالبها، و " كتاب جمهرة النسب "، و " كتاب نسب بني شيبان "، و " كتاب نسب المهالبة "، و " كتاب نسب بني تغلب ونسب بني كلاب "، و " كتاب المغنين الغلمان " وغير ذلك. وكان منقطعاً إلى الوزير المهلبي، وله فيه مدائح، من قوله قوله:
ولما انتجعنا لائذين بظله
…
أعان، وما عنا، ومن وما منا
وردنا عليه معترين فراشنا
…
وزدنا نداه مجدبين فأخصبنا
وله فيه من قصيدة يهنىء فيها بمولود جاءه من سرية رومية:
أسعد بمولود أتاك مباركاً
…
كالبدر أشرق جنح ليل مقمر
سعد لوقت سعاد جاءت به
…
أم حصان من بنات الأصفر
متبجج في ذر ولي شرف الورى
…
بين المهلب منتماه وقيصر
شمس الضحى قرنت إلى بدر الدجى
…
حتى إذا اجتمعا أتت بالمشتري
وأشعاره كثيرة، ومحاسنه شهيرة، وكانت ولادته سنة أربع وثمانين ومائتين.
وفيها توفي سيف الدولة الأمير الجليل الشأن علي بن عبد الله بن حمدان التغلبي الجزري، صاحب الشام، توفي بحلب وعمره بضع وخمسون سنة. وكان بطلاً شجاعاً أديباً شاعراً جواداً ممدحاً وقال أبو منصور الثعالبي في كتاب " يتيمة الدهر ": كان بنو حمدان ملوكاً، وجههم للصباحة، وألسنتهم للفصاحة، وأيديهم للشجاعة، وعقولهم للراحة، وسيف الدولة مشهور بسيادتهم، وواسطة قلادتهم، حضرته مقصد الوفود، ومطلق الجود، وقبلة الآمال ومحل الرحال، وموسم الأدباء، وحلية الشعراء. قيل إنه لم يجتمع بباب أحد من الملوك بعد الخلفاء ما اجتمع ببابه من شيوخ الشعر ونجوم الدهر، وإنما السلطان سوق يجلب إليها ما ينفق لديها، وكان أديباً شاعراً مجيداً محباً لجيد الشعر، شديد الاهتزاز له. وكان كل من أبي محمد وعبد الله بن محمد الغياض الكاتب، وأبي الحسن علي بن محمد الشمساطي، قد اختار من مدائح الشعر لسيف الدولة عشرة آلاف بيت.
ومن محاسن شعر سيف الدولة في وصف قوس قزح الأبيات الآتيات، وقد أبدع فيه كل الإبداع، وقيل إنها لأبي الصقر القميصي، والقول الأول ذكره الثعالبي في كتاب اليتيمة.
وساق صبيح للصبوح دعوته
…
فقام وفي أجفانه سنة الغمض
يطوف بكاسات العقار كأنجم
…
فمن بين منفض علينا ومنفض
وقد نشرت أيدي الجنوب مطارفاً
…
على الجود كنار الحواشي على الأرض
يطرزها قوس السحاب بأصفر
…
على أحمر في أخضر تحت مبيض
كأذيال خود أقبلت في غلائل
…
مصيغة، والبعض أقصر من بعض
قال ابن خلكان: وهذا من التشبيهات الملوكية التي لا يكاد يحضر مثلها للسوقية، والبيت الأخير أخذ معناه أبو علي الفرج. بن محمد المؤدب البغدادي، فقال في فرس أدهم محجل: لبس الصبيح والدجنة بردين فأرخى برداً وقلص برداً وقيل إنها لعبد الصمد بن المعدل.
وكانت له جارية من بنات ملوك الروم في غاية الجمال، فحسدها بقية الخطايا، لقربها منه ومحلها من قلبه، وعزم على إيقاع مكروه بها من سم أو غيره، فبلغه الخبر، وخاف عليها، فنقلها إلى بعض الحصون احتياطاً وقال:
راقبتني العيون فيك فأشفقت
…
ولم أخل قط من إشفاق
ورأيت العدو يحسدني فيك
…
محداً يا أنفس الأعلاق
فتمنيت أن تكوني بعيداً
…
والذي بيننا من الود باق
رب هجر يكون من خوف هجر
…
وفراق يكون من خوف فراق
قال ابن خلكان: رأيت هذه الأبيات بعينها في ديوان عبد المحسن الصوري، والله تعالى أعلم لمن هي، منهما ومن شعره أيضاً:
أقبله على جزع
…
أكثر بالطائر الفزع
رأى ماء فأطعمه
…
وخاف عواقب الطمع
وصادف خلسة فدنا
…
ولم يلتذ بالجزع
ويحكى أن ابن عمه أبا فراس كان يوماً بين يديه في نفر من ندمائه، فقال سيف الدولة: أيكم يجيز قولي، وليس له إلا سيدي، يعني أبا فراس:
لك جسمي بعله
…
فدمي لم تحله
فارتجل أبو فراس وقال:
إن كنت مالكاً
…
فلي الأمر كله
فاستحسنه وأعطاه ضيعة بأعمال منبج المدينة المعروفة، تغل ألفي دينار كل سنة ومن شعر سيف الدولة أيضاً:
تجني علي الذنب والذنب ذنبه
…
وعاتبني ظلماً وفي شقه العنب
إذا برم المولى بخدمة عبده
…
يجني له ذنباً وإن لم يكن ذنب
وأعرض لما صار قلبي بكفه
…
فهلا جفاني حين كان لي القلب
وذكر الثعالبي في اليتيمة أن سيف الدوله كتب إلى أخيه ناصر الدولة:
رضيت لك العليا وإن كنت أهلها
…
وقلت لهم بيني وبين أخي فرق
ولم يك لي عنها نكول وإنما
…
تحافيت عن حقي فتم لك الحق
ولا بد لي من أن أكون مصلياً
…
إذا كنت أرضى أن يكون لك السبق
ويحكى أن سيف الدولة كان يوماً بمجلسه، والشعراء ينشدونه، فتقدم إنسان رث
الهيئة وهو بمدينة حلب فأنشده:
أنت علي هذه حلب
…
قد نفذ الزاد وانتهى الطلب
بهذه هجر البلاد وبالأمير
…
تزهو على الورى العرب
وعبدك الدهر قد أضر به
…
إليك من جور عبدك الهرب
فقال سيف الدولة: أحسنت والله وأمر له بمائتي دينار، وقال أبو القاسم عثمان بن محمد قاضي عين زربة بالزاي ثم الراء ثم الموحدة حضرت مجلس الأمير سيف الدولة بحلب، وقد وافاه القاضي أبو نصر محمد بن محمد النيسابوري، وقد طرح في كمه كيساً فارغاً، ودرجاً فيه شعر، استأذن في إنشاده، فأذن له فأنشد قصيدة أولها:
جنابك معتاد وأمرك نافذ
…
وعبدك محتاج إلى ألف درهم
فلما فرغ من شعره ضحك سيف الدولة ضحكاً شديداً، وأمر له بألف درهم، فجعلت في الكيس الفارغ الذي كان معه.
وكان أبو بكر محمد، وأبو عثمان سعيد، ابنا هاشم المعروف بالخالد من الشعراء المشهورين، أبو بكر أكبرهما، وقد وصلا إلى حضرة سيف الدولة، ومدحاه فأنزلهما وقام بواجب حقهما، وبعث لهما مرة وصيفاً ووصيفة، ومع كل واحد منهما بدرة، وتخت ثياب من عمل مصر، فقال أحدهما من قصيدة طويلة:
لم يعد شكرك في الخلائق مطلقاً
…
إلا ومالك في النوال حبيس
حولتنا شمساً وبدراً أشرقت
…
بهما الدنيا الظلمة الحنديس
رسالة أتانا وهو حسناء يوسف
…
وغزالة هي بهجة بلقيس
وهذا ولم تقنع بذا وبهذه
…
حتى بعثت المال وهو نفيس
أتت الوصيفة وهي تحمل بدرة
…
وأتى على ظهر الوصيف الكيس
وحبوتنا مما أحادث حوله
…
مصر وزادت حسنة بئيس
فغدا لنا من جودك المأكول
…
والمشروب والمنكوح والملبوس
فقال سيف الدولة: أحسنت إلا في لفظة المنكوح، فليس مما يخاطب الملوك بها.
ومن أشعار سيف الدولة، وقد جرت بينه وبين أخيه وحشة، فكتب إليه سيف الدولة:
لست أجفو وإن جفيت ولا
…
أترك حقاً علي في كل حال
إنما أنت والد، والأب
…
الجافي يجازي بالصبر والاحتمال
وكتب إليه مرة أخرى ما تقدم من قوله قريباً: " رضيت لك العليا وإن كنت أهلها ".
وكان الذي لقيهما ناصر الدولة وسيف الدولة. الخليفة المتقي لله، وعظم شأنهما، وكان الخليفة المكتفي بالله قد ولى أباهما عبد الرحمن بن حمدان الموصل وأعمالها. وناصر الدولة أكبر سناً من سيف الدولة، فملك الموصل بعد أبيه، وكان أقدم منزلة عند الخلفاء.
فلما توفي سيف الدولة تغيرت أحواله كما سيأتي في ترجمته. وأخبار سيف الدولة كثيرة مع الشعراء، خصوصاً مع المتنبي والسري الرفاء واليامي والببغا. ولو أراد تلك الطبقة في تعدادهم طول. وكانت ولادته يوم الأحد سابع عشر ذي الحجة، سنة ثلاث وثلاث مائة، وقيل سنة إحدى وثلاث مائة. وتوفي يوم الجمعة ثالث ساعة وقيل رابع ساعة، لخمس بقين من صفر، السنة المذكورة بحلب وقد نقل إلى فارقين ودفن في تربة.
وكان قد جمع له من بعض الغبار الذي يجتمع عليه في غزواته شيئاً وعمله بقدر الكف، وأوصى أن يوضع خده عليها في لحده، فنفذت وصيته في ذلك، وكان تملكه بحلب في سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، انتزعها من يد أحمد بن سعيد الكلابي صاحب الإخشيذ: قلت ولعله المراد بقول الشاعر:
ما زلت أسمع والركبان تخبرني
…
عن أحمد بن سعيد أطيب الخبر
حتى التقينا فلا والله ما سمعت
…
أذني بأحسن مما قد رأى بصري
على ما ذكر بعض أهل المعاني والبيان، أنه أحمد بن سعيد، والذي ذكره ابن خلكان وغيره أنه جعفر بن فلاح، وإن قائلهما ابن هانىء الأندلسي، وغلط من قال خلاف هذا، والبيتان المذكوران في ترجمة جعفر المذكور في سنة ستين وثلاثمائة.
وملك بعد سيف الدولة ولده سعد الدولة أبو المعالي شريف بن سيف الدولة. وطالت مدته أيضاً في المملكة، ثم عرض له قولنج أشرف منه على التلف، وفي اليوم الثالث من عافيته واقع جاريته، فلما فرغ منها سقط عنها، وقد جف شقه الأيمن، فدخل عليه طبيبه، فأمر أن يسحق عنده الند والعنبر، فأفاق قليلاً، فقال الطبيب له: أرني مجسك، فناوله يده اليسرى، فقال: أريد اليمنى، فقال: ما تركت اليمين يميناً، وكان قد حلف وغدر.
وتوفي ليلة الأحد لخمس بقين من شهر رمضان سنة إحدى وثمانين وثلاث مائة، وعمره أربعون سنة وست أشهر وعشرة أيام، وتولى بعده ولده أبو الفضل سعد ولم يذكروا تاريخ وفاته، وبموته انقرض ملك بني سيف الدولة.
وفي السنة المذكورة، وقيل في العام الآتي توفي أبو المسك كافور الحبشي الأسود الخادم الإخشيذي، صاحب الديار المصرية. اشتراه الإخشيذ صاحب مصر والحجاز والشام، فتقدم عنده حتى صار من أكبر قواده، لعقله ورأيه وشجاعته، ثم صار أتابك ولده الأكبر أبي القاسم بعده وكان صبياً فبقي الاسم لأبي القاسم ولد الكافور، فأحسن سياسة الأمور إلى أن مات أبو القاسم سنة تسع وأربعين وثلاث مائة. وأقام كافور في الملك بعده وتولى بعده أخوه أبو الحسن علي، فاستمر كافور على نيابته وحسن سيرته إلى أن توفي علي المذكور سنة خمس وخمسين ثلاث مائة، وقيل بل أربع وخمسين.
ثم استقل كافور بالمملكة من هذا التاريخ وكان وزيره أبو الفضل جعفر ابن الفرات وكان يرغب في أهل الخير ويعظمهم، وكان شديد السواد، اشتراه الإخشيذ بثمانية عشر ديناراً على ما قيل.
وكان أبو الطيب المتنبي قد فارق سيف الدولة بن حمدان مغاضباً كما تقدم وقصد مصر وامتدح كافوراً بمدائح حسان، فمن ذلك قوله في أول قصيدة، وقد وصف الخيل:
قواصد كافور تدارك غيره
…
ومن قصد البحر استقل السواقيا
فجاءت بنا إنسان عين زمانه
…
فحقت بياضاً خلفها ومآقيا
فأحسن في هذا إحساناً بلغ الغايات القصوى، قلت: ولدي أنه لو قال: " يومين بحراً تاركين سواقيا " ومن قصد البحر إلى آخره، كان أحسن وأنشد أيضاً القصيدة التي يقول فيها:
وأخلاق كافور إذا شئت مدحه
…
وإن لم أشأ تملى علي فأكتب
إذا ترك الإنسان أهلاً وراءه
…
ويم كافوراً فما يتغرب
ومن جملتها:
ويصلحك في ذي العبد كل حبيبة
…
خلاني فأبكي من أحب وأندب
أحسن إلى أهلي وأهوى لقاءهم
…
وأين من المشتاق عنقاء مغرب
فإن لم يكن إلا أبو المسك أوهم
…
فإنك أحلى في فؤادي وأعذب
وكل امرىء يؤتى الجميل يحبه
…
وكل مكان ينبت العز أطيب
ومن قصيدة هي آخر شيء أنشده:
أرى لي بقربي منك عيناً قريرة
…
وإن كان قرباً بالبعاد خباب
وهل نافعي أن ترفع الحجب بيننا
…
ودون الذي أمليت منك حجاب
وفي النفس حاجات وفيك فطانة
…
سكوتي بيان عنهما وخطاب
وما أنا بالباغي على الحب رشوة
…
ضعيف هوى يبغى عليه ثواب
وما شئت إلا أن أدل عواذلي
…
على أن رأيي في هواك صواب
وأعلم قوماً خالفوني فشرقوا
…
وغربت إني قد ظفرت وخابوا
جرى الخلف إلا فيك أنك واحد
…
وأنك ليث والملوك ذباب
وأن مديح الناس حق وباطل
…
ومدحك حق ليس فيه كذاب
إذا نلت منك الود فالمال هين
…
وكل الذي فوق التراب تراب
وما كنت لولا أنت إلا مهاجراً
…
له كل يوم بلدة وصحاب
ولكنك الدنيا إليك حبيبة
…
فما عنك لي إلا إليك ذهاب
وأقام المتنبي بعد إنشاد هذه القصيدة بمصر سنة لا يلقى كافوراً غضباً عليه، يركب في خدمته خوفاً منه، ولا يجتمع به، واستعد للرحيل في الباطن، وجهز جميع ما يحتاج إليه، وقال في يوم عرفة سنة خمسين وثلاثمائة قبل مفارقته مصر بيوم واحد قصيدته الدالية التي هجا كافوراً فيها، وفي أخرها:
من علم الأسود المخصي تكرمة
…
أأمه البيض أم آباؤه الصيد
وله فيه من الهجو كثير، تضمنه ديوانه، ثم فارقه، وبعد ذلك دخل إلى عضد الدولة.
وذكر بعضهم قال: حضرت مجلس كافور الإخشيذي، فدخل رجل ودعا له، فقال في دعائه: أدام الله تعالى أيام مولانا " بكسر الميم " من أيام، فتكلم جماعة من الحاضرين في ذلك وعلبوه، فقام رجل من أوساط الناس، وأنشد مرتجلاً:
لا غرو إن لحن الداعي لسيدنا
…
أو غض من دهش بالريق أو نهر
فتلك هيبة حالت جلالتها
…
بين الأديب وبين القول بالحصر
وإن يكن خفض الأيام من غلط
…
في موضع النصب لا عن قلة النظر
فقد تفاءلت من هذا لسيدنا
…
والفأل مأثورة عن سيد البشر
بأن أيامه خفض بلا نصب
…
وأن أوقاته صفو بلا كدر
قوله بالحصر " بفتح الحاء والصاد المهملتين ": العي، وهو أيضاً ضيق الصدر وأخبار كافور كثيرة، ولم يزل مستقلاً بالأمر بعد أمور يطول شرحها إلى أن توفي يوم الثلاثاء لعشر بقين من جمادى الأولى من السنة المذكورة بمصر على القول الصحيح، ودفن بالقرافة، وقبته هناك مشهورة، ولم تطل مدته في الاستقلال على ما ظهر من تاريخ موت علي بن