المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أربع وثمانين ومائتين - مرآة الجنان وعبرة اليقظان - جـ ٢

[اليافعي]

فهرس الكتاب

- ‌اثنتين ومائتين

- ‌ثلاث ومائتين

- ‌أربع ومائتين

- ‌خمس ومائتين

- ‌ست ومائتين

- ‌سبع ومائتين

- ‌ثمان ومائتين

- ‌تسع ومائتين

- ‌عشرة ومائتين

- ‌إحدى عشرة ومائتين

- ‌اثنتي عشرة ومائتين

- ‌ثلاث عشرة ومائتين

- ‌أربع عشرة ومائتين

- ‌خمس عشرة ومائتين

- ‌سبع عشرة ومائتين

- ‌ثمان عشرة ومائتين

- ‌تسع عشرة ومائتين

- ‌عشرين ومائتين

- ‌إحدى وعشرين ومائتين

- ‌اثنتين وعشرين ومائتين

- ‌ثلاث وعشرين ومائتين

- ‌أربع وعشرين ومائتين

- ‌خمس وعشرين ومائتين

- ‌ست وعشرين مائتين

- ‌سبع وعشرين ومائتين

- ‌ثمان وعشرين ومائتين

- ‌تسع وعشرين ومائتين

- ‌ثلاثين ومائتين

- ‌إحدى وثلاثين ومائتين

- ‌اثنتين وثلاثين ومائتين

- ‌ثلاث وثلاثين ومائتين

- ‌أربع وثلاثين ومائتين

- ‌خمس وثلاثين ومائتين

- ‌ست وثلاثين ومائتين

- ‌سبع وثلاثين ومائتين

- ‌ثمان وثلاثين ومائتين

- ‌تسع وثلاثين ومائتين

- ‌أربعين ومائتين

- ‌إحدى وأربعين ومائتين

- ‌اثنتين وأربعين ومائتين

- ‌ثلاث وأربعين ومائتين

- ‌أربع وأربعين ومائتين

- ‌خمس وأربعين ومائتين

- ‌ست وأربعين ومائتين

- ‌سبع وأربعين ومائتين

- ‌ثمان وأربعين ومائتين

- ‌تسع وأربعين ومائتين

- ‌خمسين ومائتين

- ‌إحدى وخمسين ومائتين

- ‌اثنتين خمسين ومائتين

- ‌ثلاث وخمسين ومائتين

- ‌أربع وخمسين ومائتين

- ‌خمس وخمسين ومائتين

- ‌ست وخمسين ومائتين

- ‌سبع وخمسين ومائتين

- ‌ثمان وخمسين ومائتين

- ‌تسع وخمسين ومائتين

- ‌ستين ومائتين

- ‌إحدى وستين ومائتين

- ‌اثنتين وستين ومائتين

- ‌ثلاث وستين ومائتين

- ‌أربع وستين ومائتين

- ‌خمس وستين ومائتين

- ‌ست وستين ومائتين

- ‌سبع وستين ومائتين

- ‌ثمان وستين ومائتين

- ‌تسع وستين ومائتين

- ‌سبعين ومائتين

- ‌إحدى وسبعين ومائتين

- ‌اثنتين وسبعين ومائتين

- ‌ثلاث وسبعين ومائتين

- ‌أربع وسبعين ومائتين

- ‌خمس وسبعين ومائتين

- ‌ست وسبعين ومائتين

- ‌سبع وسبعين ومائتين

- ‌ثمان وسبعين ومائتين

- ‌تسع وسبعين ومائتين

- ‌ثمانين ومائتين

- ‌إحدى وثمانين ومائتين

- ‌اثنتين وثمانين ومائتين

- ‌ثلاث وثمانين ومائتين

- ‌أربع وثمانين ومائتين

- ‌خمس وثمانين ومائتين

- ‌ست وثمانين ومائتين

- ‌سبع وثمانين ومائتين

- ‌ثمان وثمانين ومائتين

- ‌تسع وثمانين ومائتين

- ‌تسعين ومائتين

- ‌إحدى وتسعين ومائتين

- ‌اثنتين وتسعين ومائتين

- ‌ثلاث وتسعين ومائتين

- ‌أربع وتسعين ومائتين

- ‌خمس وتسعين ومائتين

- ‌ست وتسعين ومائتين

- ‌سبع وتسعين ومائتين

- ‌ثمان وتسعين ومائتين

- ‌تسع وتسعين ومائتين

- ‌ثلاث مائة

- ‌إحدى وثلاث مائة

- ‌أثنتين وثلاث مائة

- ‌ثلاث وثلاث مائة

- ‌خمس وثلاث مائة

- ‌ست وثلاث مائة

- ‌سبع وثلاث مائة

- ‌ثمان وثلاث مائة

- ‌تسع وثلاث مائة

- ‌عشر وثلاث مائة

- ‌إحدى عشرة وثلاث مائة

- ‌اثنتي عشرة وثلاث مائة

- ‌ثلاث عشرة وثلاث مائة

- ‌أربع عشرة وثلاث مائة

- ‌خمس عشرة وثلاث مائة

- ‌ست عشرة وثلاث مائة

- ‌سبع عشرة وثلاث مائة

- ‌ثمان عشرة وثلاث مائة

- ‌تسع عشرة وثلاث مائة

- ‌عشرين وثلاث مائة

- ‌إحدى وعشرين وثلاث مائة

- ‌اثنتين وعشرين وثلاث مائة

- ‌ثلاث وعشرين وثلاث مائة

- ‌أربع وعشرين وثلاث مائة

- ‌خمس وعشرين وثلاث مائة

- ‌ست وعشرين وثلاث مائة

- ‌سبع وعشرين وثلاث مائة

- ‌ثمان وعشرين وثلاث مائة

- ‌تسع وعشرين وثلاث مائة

- ‌ثلاثين وثلاث مائة

- ‌إحدى وثلاثين وثلاث مائة

- ‌اثنتين وثلاثين وثلاث مائة

- ‌ثلاث وثلاثين وثلاث مائة

- ‌أربع وثلاثين وثلاث مائة

- ‌خمس وثلاثين وثلاث مائة

- ‌ست وثلاثين وثلاث مائة

- ‌سبع وثلاثين وثلاث مائة

- ‌ثمان وثلاثين وثلاث مائة

- ‌تسع وثلاثين وثلاث مائة

- ‌أربعين وثلاث مائة

- ‌إحدى وأربعين وثلاث مائة

- ‌اثنتين وأربعين وثلاث مائة

- ‌ثلاث وأربعين وثلاث مائة

- ‌أربع وأربعين وثلاث مائة

- ‌خمس وأربعين وثلاث مائة

- ‌ست وأربعين وثلاث مائة

- ‌سبع وأربعين وثلاث مائة

- ‌ثمان وأربعين وثلاث مائة

- ‌تسع وأربعين وثلاث مائة

- ‌خمسين وثلاث مائة

- ‌إحدى وخمسين وثلاث مائة

- ‌اثنتين وخمس وثلاث مائة

- ‌ثلاث وخمسين وثلاث مائة

- ‌أربع وخمسين وثلاث مائة

- ‌خمس وخمسين وثلاث مائة

- ‌ست وخمسين وثلاث مائة

- ‌سبع وخمسين وثلاث مائة

- ‌ثمان وخمسين وثلاث مائة

- ‌تسع وخمسين وثلاثين ومائة

- ‌ستين وثلاث مائة

- ‌إحدى وستين وثلاث مائة

- ‌اثنتين وستين وثلاث مائة

- ‌ثلاث وستين وثلاث مائة

- ‌أربع وستين وثلاث مائة

- ‌خمس وستين وثلاث مائة

- ‌ست وستين وثلاثمائة

- ‌سبع وستين وثلاثمائة

- ‌ثمان وستين وثلاثمائة

- ‌تسع وستين وثلاثمائة

- ‌إحدى وسبعين وثلاثمائة

- ‌اثنتين وسبعين وثلاثمائة

- ‌ثلاث وسبعين وثلاثمائة

- ‌أربع وسبعين وثلاثمائة

- ‌خمس وسبعين وثلاثمائة

- ‌ست وسبعين وثلائمائة

- ‌سبع وسبعين وثلاثمائة

- ‌ثمان وسبعين وثلائمائة

- ‌تسع وسبعين وثلاثمائة

- ‌ثمانين وثلاثمائة

- ‌إحدى وثمانين وثلاثمائة

- ‌اثنتين وثمانين وثلاثمائة

- ‌ثلاث وثمانين وثلاثمائة

- ‌أربع وثمانين وثلاثمائة

- ‌خمس وثمانين وثلاثمائة

- ‌ست وثمانين وثلاثمائة

- ‌ثمان وثمانين وثلاثمائة

- ‌تسع وثمانين وثلاثمائة

- ‌تسعين وثلاثمائة

- ‌إحدى وتسعين وثلاثمائة

- ‌اثنتين وتسعين وثلاثمائة

- ‌ثلاث وتسعين وثلاثمائة

- ‌أربع وتسعين وثلاثمائة

- ‌خمس وتسعين وثلاثمائة

- ‌ست وتسعين وثلاثمائة

- ‌سبع وتسعين وثلاثمائة

- ‌ثمان وتسعين وثلاثمائة

- ‌تسع وتسعين وثلاثمائة

- ‌أربع مائة

الفصل: ‌أربع وثمانين ومائتين

اثنتي عشرة سنة، فوقعت لي مسألة وأنا ابن ثلاث عشرة سنة، فسألت أن يبعثوا بي إلى بصرة أسأل عنها. فجئت البصرة، وسألت علماءها، فلم يشفني ما سمعت، فخرجت إلى عبادان إلى رجل يعرف بأبي حبيب حمزة بن عبد الله العبادي. فسألته عنها، فأجابني، أقمت عنده مدة أنتفع بكلامه، وأتأدب بأدبه. ثم رجعت إلى تستر فجعلت قوتي اقتصاراً على أن يشتري لي بدرهم، فرق من الشعير، فيطحن ويختبز، فأفطر عند السحر كل ليلة على أوقية واحدة بغير ملح ولا أدام. وكان يكفيني ذلك الدرهم سنة، ثم عزمت على أن أطوي ثلاث ليال، ثم جعلتها خمساً ثم سبعاً حتى بلغت خمسة وعشرين ليلة، وكنت على ذلك عشرين سنة ثم خرجت أسيح في الأرض سنين، ثم عدت إلى " تستر "، وكنت أقوم الليل كله.

قلت: وله من الكرامات الشهيرات ما يطول ذكره، بل يشق ويتعذر حصره، من ذلك قصته المشهورة مع يعقوب بن الليث حين أصابته علة أعضلت الأطباء، فقيل له: ولايتك رجل صالح، يقال له سهل بن عبد الله، فلو استدعيت به لعلة يدعو لك، فاستدعى به، فلما حضر قال: ادع لي، فقال: كيف يستجاب دعائي فيك، وفي سجنك محبوسون؟ . فأطلق كل من في السجن، فقال سهل: اللهم كما أريته ذل المعصية فأره عز الطاعة، فعوفي في وقته، فعرض مالاً على سهل، فأبى أن يقبل، فقيل له: لو قبلته وفرقته على الفقراء. فنظر إلى الحصى في الصحراء، فإذا هي جواهر فقال: من أعطي مثل هذا أيحتاج إلى مال يعقوب بن الليث؟ وفيها توفي قاضي القضاه أبو الحسن علي بن محمد بن أبي الشوارب الأموي بصري. وكان رئيساً معظماً ديناً خيراً، روى عن أبي الوليد الطيالسي.

‌أربع وثمانين ومائتين

قال محمد بن جرير: فيها عزم المعتضد على لعن معاوية على المنابر، فخوفه الوزير من اضطراب العامة، فلم يلتفت. ومنع القصاص من الكلام ومن اجتماع الخلق في جوامع، وكتب كتاباً فيه مصائب ومعائب. فقال القاضي يوسف بن يعقوب: يا أمير مؤمنين، أخاف الفتنة عند سماعه. فقال: إن تحركت العامة وضعت فيهم السيف. قال:

ص: 150

فما تصنع بالعلوية الذين هم في كل ناحية قد خرجوا عليك؟. وإذا سمع الناس هذا من فضائل أهل البيت مالوا إليهم، وصاروا أبسط الألسنة. فأمسك المعتضد.

وفيها توفي محدث نيسابور ومفيدها الحافظ أحمد بن المبارك المستملي، سمع قتيبة وطبقته، وكان مع سعة روايته راهب عصره مجاب الدعوة.

وفيها توفي أبو عبادة البحتري " بضم الموحدة والمثناة من فوق وسكون الحاء " المهملة بينهما وكسر الراء "، منسوب إلى " بحتر " أحد أجداده. أمير شعراء العصر وحامل لواء القريض الوليد بن عبيد الطائي. أخذ عن أبي تمام الطائي، ولما سمع أبو تمام قال: نعيت إلى نفسي. وممن ذكره المبرد وقال: أنشدنا شاعر دهره ونسيج وحده أبو عبادة البحتري، ومدح براعته المؤرخون، وذكروا أنه ولد بمنبج ونشأ بها، ثم خرج إلى العراق ومدح جماعة من الخلفاء، أولهم المتوكل على الله وخلقاً كثيراً من الأكابر والرؤساء، ببغداد دهراً طويلاً ثم عاد إلى الشام. وله أشعار كثيرة ذكر فيها حلب وضواحيها، ويتغزل بها. وقد روي عنه أشياء من شعره أبو العباس المبرد، ومحمد بن أحمد الحليمي، وأبو بكر الصولي وغيرهم. قال صالح بن الأصبغ التنوخي المنبجي: رأيت البحتري ها هنا عندنا أن يخرج إلى العراق، اجتاز بنا في الجامع من هذا الباب، وأومى إلى جنبتي المسجد يمدح أصل البصل والباذنجان، وينشد الشعر في ذهابه ومجيئه، ثم كان منه ما كان. وحكي بكر الصولي في كتابه الذي وضعه في أخبار أبي تمام الطائي أن البحتري كان يقول: أول أمري في الشعر ونباهتي فيه أني ذاهب إلى أبي تمام وهو بحمص فعرضت عليه شعري وكان يجلس فلا يبقى شاعر إلا قصده، وعرض عليه شعره. فلما سمع شعري، أقبل وترك سائر الناس. فلما تفرقوا قال لي، أنت أشعر من أنشدني، فكيف حالك؟. فشكوت فكتب إلى أهل معرة النعمان، وشهد لي بالحذق، وشفع لي إليهم وقال: امتدحهم فصرت إليهم فأكرموني بكتابه، وقطعوا لي أربعة آلاف درهم، وكانت أول مال أصبته. وقال عبادة المذكور: أول ما رأيت أبا تمام، وما كنت رأيته قبلها، أني دخلت إلى أبي محمد بن يوسف فامتدحته بقصيدتي التي أولها.

لا فاق صب من هوى فأفيقا

أم خان عهداً أم أطاع شفيقاً

فأنشدته، فلما أتممتها سر بها وقال لي: أحسن الله إليك يا فتى، فقال له رجل المجلس: هذا أعزك الله شعري بحلقته، فسبقني به إليك. فتغير أبو سعيد وقال لي: يا

ص: 151

فتى، قد كان في نسبك وقرابتك ما يكفيك أن نمت به إلينا، ولا تحمل نفسك على هذا، فقلت: هذا شعري أعزك الله فقال الرجل: سبحان الله يا فتى، لا تقل هذا. ثم ابتدأ فأنشد القصيدة أبياتاً، فقال لي أبو سعيد: نحن نبلغك ما تريد ولا تحمل نفسك على هذا. فخرجت متحيزاً لا أدري ما أقول، ونويت أن أسأل عن الرجل من هو، فما أبعدت حتى ردني أبو سعيد ثم قال لي: جنيت عليك فاحتمل. أتدري من هذا؟ قلت: لا. قال لي: هذا ابن عمك حبيب بن أوس الطائي أبو تمام، قم إليه، فقمت إليه فعانقته، ثم أقبل يقرطني ويصف شعري وقال: إنما فرجت معك. فلزمته بعد ذلك، وكبر عجبي من سرعة حفظه. ومعنى يقرظني أي: يمدحني. قال في الصحاح: والتقريظ مدح الإنسان وهو حي والتأبين: مدحه ميتاً. وقولهم فلان يقرظ صاحبه تقريظاً " بالظاء والضاد المعجمتين جميعاً " عن أبي زيد إذا مدحه بباطل أو حق. وهما يتقارظان المدح، إذا مدح كل منهما صاحبه.

وقيل للبحتري: أيما أشعر أنت أم أبو تمام؟ فقال: جيده خير من جيدى، ورديئي خير من رديئه وقال: يقال لشعر البحتري: سلاسل الذهب. وهو في الطبقه العليا، ويقال أنه قيل لأبي العلاء المعري: أي الثلاثة أشعر، أبو تمام أم البحتري أم المتنبي. فقال: حكيمان، والشاعر البحتري. قيل وما أنصفه ابن الرومي في قوله:

والفتى البحتري يسوق ما قال

ابن أوس في المدح والتشبيب

كل بيت له يجود معناه

فمعناه لإبن أوس حبيب

وقال ابن البحتري: أنشدت أبا تمام شيئاً من شعرى، فأنشد بيت أوس بن حجر " بفتح الحاء والجيم ":

إذا مقرم منا ذرا حدنا به

تحمط فينا تاب آخر مقرم

وقال: نعيت إلى نفسي، فقلت: أعيذك بالله من هذا، فقال: إن عمري ليس يطول، وقد نشأ لطي مثلك. أما علمت أن خالد بن صفوان المنقرى رأى شبيب بن شيبه وهو من رهطه يتكلم فقال: يا بني، نعي إلى نفسي بإحسانك في كلامك، لأنا أهل بيت، ما نشأ فينا خطيب إلا مات من قبله. قال: فمات أبو تمام بعد سنة من هذا. وقوله: ذر أحدنا به، أي: سقط، وذروت الشيء أي: طيرته وأذهبته. وذرت الريح التراب وغيره تذروه ذرواً وتذريه ذرياً أي سفته. وأذريت الشيء إذا ألقيته كإلقاء الحب للزرع. وطعنه فأذراه عن ظهر دابته أي ألقاه. وتخمط بالخاء المعجمه والطاء المهملة يقال في الفحل إذا هدر، وفي الإنسان إذا تغضب وتكبر، وفي البحر إذا التطم " والمقرم " بضم الميم وسكون القاف وفتح الراء: المكرم، وكذلك القرم بفتح القاف. ومنه قيل سيد قوم مقرم وقال البحتري: أنشدت أبا تمام شعراً في بني حميد ووصلت به إلى مال خطير، فقال لي: أحسنت، أنت أمير الشعراء

ص: 152

بعدي، وكان قوله هذا أحب إلي من جميع ما حويته. وقال ميمون بن مهران: رأيت أبا جعفر أحمد بن يحيى البلاذري المؤرخ فسألته عن حاله فقال: كنت من جلساء المستعين بالله، يقصده الشعراء فقال: لست أقبل إلا ممن قال مثل البحتري في المتوكل.

لو أن مشتاقاً تكلف غير ما

في وسعه لسعى إليك المنبر

قال فرجعت إلى بيتي وأتيته وقلت: قد قلت فيك أحسن مما قاله البحتري، فقال: هاته، فأنشدته:

ولو أن برد المصطفى إذ لبسته

يظن لظن البرد أنك صاحبه

وقال فقد أعطيته ولبسته

نعم، هذه أعطافه ومناكبه

فقال ارجع إلى منزلك وافعل ما آمرك به. فرجعت فبعث إلي بسبعة الألف دينار وقال ادخر هذه لحوادث من بعدي، ولكن على الجزاية والكفاية ما دمت حياً. قلت: ولا يخفى ما في بيتيه المذكورين من الخروج إلى حيز الكفر من تشيهه بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم. وللمتنبي في معنى قول البحتري في المنبر.

لو تعقل الشجر التي قابلتها

مدت محبتها إليك الأغصنا

وسبقهما أبو تمام بقوله:

لوسعت نفقة لإعظام نعمي

لسعى نحوك المكان الجديد

والبيت الذي للبحتري من جملة قصيدة طويلة أحسن فيها يمدح بها المتوكل على الله ويذكر خروجه لصلاة عيد الفطر وأولها.

أخفي هوى في الضلوع وأظهر

وألام من كمد عليك وأعذر

والأبيات التي يرتبط بها البيت المقدم ذكر للبحتري.

بالبر صمت وأنت أفضل صائم

وبسنة الله الرضية تفطر

فانعم بيوم الفطر عيداً إنه

يوم أعز من الزمان مشهر

أظهرت عز الملك فيه بجحفل

لجب يحاط الدين فيه وينصر

خلنا الجبال تسير فيه وقد غدت

عدداً يسيرها العديد الأكبر

فالخيل تصهل والفوارس تدعي

والبيض تلمع والأسنة تزهر

والأرض خاشعة تميد بنقلها

والجو معتكر الجوانب أغبر

والشمس طالعة توقد في الضحى

طوراً ويطفئها العجاج الأكدر

ص: 153

حتى طلعت بضوء وجهك فانجلى

ذاك الدجى وانجاب ذلك العثير

وافتن فيك الناظرون فإصبع

يومي إليك بها وعين تنظر

يجدون رؤيتك التي فازوا بها

من أنعم الله التي لا تكفر

ذكروا طلعتك التي قد هللوا

لما طلعت من الصفوف وكبروا

حتى انتهيت إلى المصلى لابساً

نور الهدى يبدو عليك ويظهر

ومشيت مشية خاشع متواضع

لله لا تزهو ولا تتكبر

فلو أن مشتاقاً تكلف غير ما

في وسعه لمشى إليك المنبر

أبديت من فصل الخطاب بحكمة

تنبي عن الحق المبين وتخبر

ووقفت في برد النبي مذكراً

بالله تنذر تارة وتبشر

وقوله: وانجاب ذلك العثير هو بكسر العين المهملة وسكون المثلثة وفتح المثناة من تحت والمراد به: الغبار. قال بعض الفضلاء: وهذا الشعر هو السحر الحلال على الحقيقة، والسهل الممتنع، فلله دره ما أسلس قياده، وأعذب ألفاظه، وأحسن سبكه، وألطف مقاصده. وليس فيه من الحشو شيء، بل جميعه تحت، وديوانه موجود، وشعره سائر، فلا حاجة إلى الإكثار منه ها هنا لكن تذكر من وقائعه ما يستطرف.

فمن ذلك أنه كان بحلب شخص يقال له أحمد بن طاهر الهاشمي، مات أبوه وخلف له مقدار مائة ألف دينار، فأنفقها على الشعراء والوزراء وفي سبيل الله، فقصده البحتري من العراق. فلما وصل إلى حلب قيل له: إنه قد قعد في بيته لديون ركبته، فاغتم البحتري لذلك غماً شديداً، وبعث المدحة إليه مع بعض مواليه. فلما وصلته ووقف عليها بكى، ودعا بغلام له وقال له: بع داري، فقال له: لا تبع دارك، وتبقى على رؤوس الناس، فقال له: لا بد من بيعها، فباعها بثلاث مائة دينار وأنفذها إلى البحتري وكتب إليه معها هذه الأبيات:

لو يكون الحياء حسب

أنت لدينا به محل وأهل

لحثيت اللجين والدر والياً

قوت حثواً وكأن ذلك بقل

والأديب الأريب يسمع بالعذر

إذا قصن الصديق المقل

فلما وصلت الرقعة للبحتري رد الدنانير وكتب إليه:

بأبي أنت أنت للبر أهل

والمساعي بعد سعيك قبل

والنوال القليل يكثر إن شاء

مرجيك والكثير يقل

غير أني رددت برك إذ كان

ربا منك والربا لا يحل

فإذا ما جزيت شعراً بشعر

قضي الحق والدنانير فضل

ص: 154

فلما عادت الدنانير إليه حل الصرة وضم إليها خمسين ديناراً أخرى، وحلف إنه يردها عليه، وسيرها إليه، فلما وصلت إلى البحتري أنشأ يقول:

شكرتك إن الشكر للسيد نعمة

ومن يشكر المعروف بالله زائده

لكل زمان واحد يقتدى به

وهذا زمان أنت لا شك واحده

قلت: وحكي أن هذين البيتين كتبهما الشيخ الإمام محيي الدين النووي، وأرسل بهما إلى الشيخ الإمام تقي الدين ابن دقيق العيد، رضي الله تعالى عنهما، لما بلغه أنه قيل دقيق " العيد "، لم لا تصنف في الفقه؟ فقال: قد صنف الشيخ محيي الدين النووي ما فيه كفاية، أو كما قال: ومثل هذا ما حكي أيضاً أن الإمام حجة الإسلام أبا حامد الغزالي قيل له: لم لا تصنف في التفسير؟. فقال: يكفي ما صنف فيه شيخنا الإمام أبو الحسن الواحدي رحمة الله عليهما. وكان البحتري قد اجتاز بالموصل وقيل برأس عين، فمرض مرضاً شديداً. وكان الطبيب يختلف إليه ويداويه، فوصف له يوماً مزورة، ولم يكن عنده من يخدمه سوى غلامه، فقال الغلام: أصنع هذه المزورة؟. وكان بعض رؤساء البلد حاضراً عنده، وقد جاء يعوده فقال ذلك الرئيس: هذا الغلام ما يحسن يطبخها، وعندي طباخ من نعته وصفته كيت وكنت، وبالغ في حسن صفته، فترك الغلام عملها اعتماداً على قوله، البحتري ينتظر، واشتغل الرئيس عنها ونسي أمرها. فلما أبطأت عليه وفات وقتها وصولها إليه، كتب إلى الرئيس:

وجدت وعدك زوراً في مزورة

حلفت مجتهداً إحكام طاهيها

فلا شفى الله من يرجو الشفاء

ولا علت كفه ملق كفه فيها

فاحبس رسولك عني أن يجيء بها

فقد حبست رسولي عن تقاضيها

قوله: طاهيها أي طابخها، فالطهي: الطبخ صرح به في ديوان الأدب. وأخباره ومحاسنه كثيرة، ولم يزل شعره غير مرتب حتى جمعه أبو بكر الصولي، ورتبه على الحروف. وجمعه أيضاً علي بن حمزة الأصبهاني، ولم يرتبه على الحروف، بل على الأنواع كما صنع بشعر أبي تمام.

وللبحتري أيضاً كتاب حماسة على مثال حماسة أبي تمام، وله " كتاب معاني الشعر " وكانت ولادته سنة ست وقيل خمس ومائتين. قال ابن الجوزي، وتوفي وهو ابن ثمانين سنة. وقال الذهبي: ابن بضع وسبعين سنة، وقيل توفي في السنة التي قبل هذه، وقيل في التي بعدها، وقيل في سنة ست وثمانين. وقال الخطيب: كان يكنى أبا الحسن وأبا عبادة

ص: 155