الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فدخلت فسلمت عليه فرد علي رداً جميلاً وقال: من تكون أعزك الله تعالى؟ فانتسبت له فقال: رحم الله أسلافك وآباءك السمحاء، فلقد كانت أيامهم رياض الأزمنة، ولقد انجيز بهم خلق كثير، فسقياً لهم ورعياً. فدعوت له وقلت له: أسألك أن تنشدني شيئاً من الشعر فأنشدني:
لئن قدمت قبلي رجال، فطالما
…
شئت على رسلي فكنت المقدما
ولكن هذا الدهر تأتي صروفه
…
فتبرم منقوضاً وتنقض مبرما
ثم نهضت، فلما قاربت الدهليز قال: يا فتى، أرأيت مفلوجاً ينفعه الإهليلج؟ قلت لا، قال: إن الإهليلج الذي معك ينفعني، فابعث لي منه، فقلت: نعم، وخرجت متعجباً من وقوفه على خبري مع كتماني. وبعثت إليه مائة إهليلجة، وقال أبو الحسن البرمكي أنشدني الجاحظ:
وكان لنا أصدقاء مضوا
…
تفانوا جميعاً فما خلدوا
سقاهم جميعاً كؤوس المنون
…
فمات الصديق ومات العدو
قلت: كان المناسب لقوله: " فمات الصديق ومات العدو " أن يذكر الأعداء الأصدقاء في البيت الأول، فيقال لنا: أصدقاء مضوا مع أعداء، فيكون قوله في آخر البيت الأخير: فمات الصديق ومات العدو مطابقاً لأول الأول.
ست وخمسين ومائتين
كان صالح بن وصيف التركي قد ارتفعت منزلته، وقتل المعتز وظفر بأمه، فصادر حتى استصفى نعمتها، وأخذ منها نحو ثلاثة آلاف ألف دينار، ونفاها إلى مكة، ثم صادر خاصة المعتز وكتابه، وقتل بعضهم.
فلما دخلت السنة المذكور أقبل موسى بن بغا وعبأ جيشه، ودخلوا سامراء ملبسين مجمعين على قتل صالح بن وصيف، وهم يقولون: قتل المعتز وأخذ أموال أمه وأموال الكتاب. وصاحت العامة: يا فرعون، جاءك موسى. ثم هجم بمن معه على المهتدي وأركبوه فرساً، وانتهبوا القصر، ثم أدخلوا المهتدي دار ناجور " بالنون والجيم والراء على ما ضبطه في الأصل المنقول منه "، وهو يقول: يا موسى، ويحك ما تريد؟ فيقول: وتربة المتوكل لا ينالك سوء. ثم حلفوه لا يمالىء صالح ابن وصيف عليهم، وبايعوه فطلبوا صالحاً ليناً، ظروه على أفعاله فأخرج، وردوا المهتدي إلى داره، وبعد شهر قتل صالح.
وفي رجب قتل المهتدي بالله أمير المؤمنين محمد بن الواثق بالله هارون بن المعتصم محمد بن الرشيد العباسي. وكانت دولته سنة، وعمره نحو ثمان وثلاثين سنة. وكان مليح، الصورة ورعاً تقياً متعبداً عادلاً شجاعاً قوياً في أمر الله تعالى خليقاً للإمارة، لكنه لم يجد ناصراً ولا معيناً على الخير. وقيل: إنه سرد الصوم مدة أمرته، وكان يقنع بعض الليالي بخبز وخل، وزيت، وكان يشبه بعمر بن عبد العزيز، وورد أنه كان له جبة صوف وكساء يتعبد، فيهما لله، وكان قد سد باب الملاهي والغناء، وحسم الأمراء عن الظلم. وكان يجلس بنفسه، لعمل حساب الدواوين، ثم إن الأتراك خرجوا عليه، فلبس السلاح وشهر سيفه وحمل عليهم فأسروه وخلعوه، ثم قتلوه إلى رحمة الله، وأقاموا بعده المعتمد على الله.
وفيها توفي أبو عبد الله الزبير المعروف بابن بكار القرشي الأسدي الزبيري كان من أعيان العلماء، تولى قضاء مكة، وصنف الكتب النافعة منها " كتاب أنساب قريش " جمع فيه كثيراً، وعليه إعتماد الناس في معرفة أنساب القرشيين. وله مصنفات غيره دلت على فضله واطلاعه. روى عن ابن عيينة ومن في طبقته، وروى عنه ابن ماجة القزويني وابن أبي الدنيا وغيرهما، وتوفي بمكة وهو قاض عليها وعمره أربع وثمانون سنة.
وفي ليلة عيد الفطر منها توفي البخاري الحافظ الإمام قدوة الأنام وعالي المقام جامع أصح الكتب المصنفة في السنن والأحكام، إمام المحدثين وشيخ الإسلام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزية البخاري مولى الجعفيين صاحب الجامع الصحيح وغيره من التصانيف، ولد سنة أربع وتسعين ومائة، ورحل سنة عشرة ومائتين، فسمع مكي بن إبراهيم وأبا عاصم النبيل وخلائق عدتهم ألف شيخ، وكتب بخراسان والجبال والعراق والحجاز والشام ومصر، وقدم بغداد فاجتمع إليه أهلها واعترفوا بفضله بفضله وشهدوا بتفرده في علم الرواية والدراية.
وحكى أبو عبد الله الحميدي في كتاب " جذوة المقتبس " والخطيب في " تاريخ بغداد " البخاري لما قدم بغداد سمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا وأعدوا له مائة حديث، متونها وأسانيدها، وجعلوا متن كل واحد لإسناد آخر، ودفعوها إلى عشرة أنفس إلى كل واحد عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضروا المجلس يلقون ذلك على البخاري، وعين الموعد للمجلس، فحضر المجلس جماعة من أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خرسان وغيرها. ومن البغداديين، فلما اطمأن المجلس بأهله انتدب أو قال: ابتدر واحد لعشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر فقال: لا أعرفه، فما زال يلقي عليه واحد بعد واحد حتى فرغ من عشرة، ثم كذلك كل واحد من العشرة جعلوا يسألونه عن الأحاديث المذكورة واحد بعد واحد والبخاري يقول: لا