الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اثنتين وثلاثين ومائتين
فيها توفي الواثق بالله أبو جعفر، وقيل أبو القاسم هارون بن المعتصم بن الرشيد بن المهدي العباسي، وكان أديباً شاعراً أبيض تعلوه صفرة، حسن اللحية، دخل في القول بخلق القرآن، وامتحن الناس وقوى عزمه القاضي أحمد بن أبي داود ولما احتضر ألصق وجهه بالأرض، وجعل يقول: يا من لا يزول ملكه، أرحم من قد زال ملكه. واستخلف بعده أخوه المتوكل، وأظهر السنة، ودفع المحنة، وأمر بنشر أحاديث الروية والصفات.
وفيها وقيل: في سنة ستين توفي الشريف العسكري الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى الرضى بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم أحد الأئمة الإثني عشر على اعتقاد الإمامية وهو والد المنتظر صاحب السرداب.
وفيها توفي عبد الله بن عوف الخزاز الزاهد البغدادي المحدث، وكان يقال: إنه من الأبدال.
وتوفي الإمام أبو يحيى هارون بن عبد الله الزهري العوفي المالكي، وقال أبو إسحاق الشيرازي: هو أعلم من صنف الكتب في مختلف قول مالك.
ثلاث وثلاثين ومائتين
فيها كانت الزلزلة المهولة بدمشق، ودامت ثلاث ساعات، وسقطت الجدران، وهرب الخلق، إلى المصلى يجأرون إلى الله، ومات كثير من الناس تحت الردم، وامتدت إلى أنطاكية، وذكروا أنه هلك من أهلها عشرون ألفاً، ثم امتدت إلى الموصل، وزعم بعضهم أنه هلك بها تحت الردم خمسون ألفاً.
وفيها توفي سهل بن عثمان العسكري الحافظ أحد الأئمة " والإمام " أبو زكريا يحيى بن معين الحافظ أحد الأعلام، توفي بمدينة النبي صلى الله عليه وآله وسلم متوجهاً إلى الحج، وغسل على الأعواد التي غسل عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، سئل: كم كتبت من الحديث؟. فقال: كتبت بيدي هذه ست مائة ألف حديث، روى عنه كبار أئمة الحديث، منهم البخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم، وكان بينه وبين الإمام أحمد صحبة
وإلفة، واشتراك في الإشتغال بعلوم الحديث، وكان ينشد:
المال يذهب حله وحرامه
…
طراً ويبقى في غد آثامه
ليس التقي بمتق لإلهه
…
حتى يطيب شرابه وطعامه
ويطيب ما يحوي ويكتب كفه
…
ويكون في حسن الحديث كلامه
نطق النبي كتابه عن ربه
…
فعلى النبي صلاته وسلامه
وقد ذكره الدارقطني فيمن روى عن الإمام الشافعي، وقد سبق في ترجمة الشافعي، ما جرى منه في حقه بينه وبين الإمام أحمد في مشية تحت ركاب بغلة الشافعي، وقول الإمام أحمد له: لو لزمت البغلة لانتفعت، وقيل: إنه لما خرج من المدينة سمع في النوم هاتفاً يقول: يا أبا زكريا أترغب عن جواري؟. فرجع وأقام بها ثلاثة، ثم توفي رحمة الله عليه.
وفي السنة المذكورة، وقيل في سنة سبع وأربعين، وهو اختيار الذهبي، توفي الإمام النحوي أبو عثمان بكر بن محمد المازني البصري، وكان إمام عصره في النحو والأدب، أخذ الأدب من أبي عبيدة والأصمعي وأبي زيد الأنصاري وغيرهم، وأخذ عنه أبو العباس المبرد، وانتفع به، وله تصانيف في فنون من العربية. قال أبو جعفر الطحاوي: سمعت القاضي بكار بن قتيبة قاضي مصر يقول: ما رأيت نحوياً يشبه الفقهاء إلا حيان بن هرمة المازني، وكان في غاية الورع بما روى عنه المبرد: أن بعض أهل الذمة قصده ليقرأ عليه كتاب سيبويه، وبذل له مائة دينار في تدريسه إياه، فامتنع أبو عثمان من ذلك، قال: فقلت: جعلت فداك، أترد هذه المنفعة مع فاقتك وشدة حاجتك. فقال: إن هذا الكتاب يشتمل على ثلاث مائة وكذا وكذا آية من كتاب الله عز وجل، ولست أرى أن أمكن منها ذمياً، غيرة على كتاب الله عز وجل وحمية له.
قال فاتفق أن غنت جارية بحضرة الواثق بقول العرجي " بفتح العين المهملة وسكون الراء وقيل ياء النسبة جيم ".
أظلوم أن مصابكم رجلاً
…
رد السلام تحية ظليم
فاختلف من في الحضرة في إعراب " رجل "، فمنهم من نصبه وجعله اسم إن، ومنهم رفعه على أنه خبرها، والجارية مصرة على أن شيخها أبا عثمان المازني لقنها إياه بالنصب، فأمر الواثق بإشخاصه، قال أبو عثمان: فلما مثلت بين يديه قال: ممن الرجل؟ قلت: من بني مازن، قال: أي الموازن. أمازن تميم أم مازن قيس أم مازن ربيعة؟. ولم يذكر في الأصل مازن اليمن وهو مازن ابن الأزد بن الغوث، ونسبه معروف، إلى قحطان قال: قلت من مازن ربيعة، فكلمني بكلام قوم، فقال: ما إسمك؟ لأنهم كانوا يقلبون الميم باء،
والعكس قال: فكرهت أن أجيبه على لغة قومي لئلا أواجهه بالمكر، فقلت: بكر، يا أمير المؤمنين، ففطن لما قصدته، وأعجب به، ثم قال: ما تقول في قول الشاعر، " أظلوم إن مصابكم رجلاً " أترفع رجلاً أم تنصبه؟ فقلت: بل الوجه النصب يا أمير المؤمنين، فقال: ولم ذلك؟ فقلت: لأن مصابكم مصدر بمعنى أصابتكم، فأخذ اليزيدي في معارضتي، فقلت: هو بمنزلة قولك إن ضربك زيداً الظلم، فالرجل مفعول مصابكم، وهو منصوب به، والدليل على أنه معلق إلى أن يقول: ظلم، فيتم، قال: فاستحسنه الواثق، وقال: هل لك من ولد؟ فقلت بنية لا غير، قال: ما قالت لك حين ودعتها؟ قلت: أنشدت قول الأعشى:
أيا أبتا لا ترم عندنا
…
فإنا بخير؟ إذا لم ترم
أدانا إذا أضمرتك البلاد
…
يخفى ويقطع منا الرحم
قال: فما قلت لها. قال: قلت قول جرير:
ثقي بالله ليس له شريك
…
ومن عند الخليفة بالنجاح
فقال ثق بالنجاح إن شاء الله تعالى وأمر لي بألف دينار، وردني مكرماً، ويروي أول البيت الأول، شعر:" أبانا فلا رمت من عندنا "، ويروي أيضاً " أبانا إلا لا ترم عندنا "، يقال: رام يريم ريماً أي برح يبرح، وقولها: فلا رمت أي: فلا برحت، وعلى رواية لا ترم بكسر الراء: لا تبرح، هذا من رام يريم ريماً، وأما رام يروم روماً. فإن معناه طلب يطلب طلباً، قال المبرد: فلما عاد إلى البصرة قال لي: كيف رأيت يا أبا العباس؟ رددنا لله مائة فعوضنا ألفاً.
قلت: هذا مختصر القصة وفيها كلام طويل، أنشد في آخره:
إن المعلم لا يزال مضعفاً
…
ولرأيتني فوق السماء بناء
من علم الصبيان صبوا عقله
…
حتى الخلفاء والأمراء
فقال لي: لله درك، كف لي بك؟. فقلت: يا أمير المؤمنين، إن الغنم والفوز في قربك والنظر إليك، ولكني ألفت الوحدة، وأنست بالإنفراد، ولي أهل يوحشني البعد عنهم، ويضربهم ذلك، ومطالبة العادة أشد منه مطالبة الطبع، فأمر لي بألف دينار وكسوة وطيب وقال: لا تقطعنا.
وفي السنة المذكورة مات وزير المعتصم المعروف بابن الزيات أبو جعفر محمد بن عبد الملك بن أبان، كان جده أبان يجلب الزيت من مواضعه إلى بغداد، فدعي بابن
الزيات، وكان من أهل الأدب الظاهر والفضل الباهر، أديباً فاضلاً بليغاً عالماً بالنحو واللغة، وكان أبو عثمان المازني، إذا اختلف أصحابه في مسألة يأمرهم أن يسألوه، ويعرفوا جوابه، فيجيب: إن الصواب الذي يرضاه أبو عثمان.
وقد ذكر فضله غير واحد من المؤرخين، وأوردوا له من شعره عدة مقاطيع، وكان في أول أمره من جملة الكتاب، فسأل المعتصم وزيره أحمد بن عمار البصري يوماً عن الكلأ، ما هو؟ قال: لا أعلم، وكان قليل المعرفة بالأدب، فقال المعتصم: خليفة أمي ووزير كلامي، وكان المعتصم ضعيف الكتابة، ثم قال: أبصروا من بالباب من الكتاب، فوجدوا ابن الزيات المذكور فأدخلوا إليه فقال: ما الكلأ. فقال: الكلأ العشب على الإطلاق، فإن كان رطباً فهو الخلا، وإن كان يابساً فهو الحشيش. وشرع في تقسيم أنواع النبات، فعلم المعتصم فضله فاستوزره وحكمه وبسط يده، وجرت بينه وبين القاضي أحمد بن أبي داود أشياء مذكورة في ترجمة ابن أبي داود المذكور.
وحكي أن أبا حفص الكرماني كاتب عمرو بن مسعدة، كتب إلى ابن الزيات: أما بعد: فإنك ممن إذا غرس سقى، وإذا أسس بنى، وبناؤك في وذي قد شارف الدروس، وغرسك عندي قد عطش وأشفى على البؤس، فتدارك بناء ما أسست وسقي ما غرست. فبلغ ذلك أبا عبد الرحمن العطوي فقال: في هذا المعنى يمدح محمد بن عمران بن موسى بن يحيى بن خالد بن برمك.
إن البرامكة الكرام تعلموا
…
فعل الجميل وعلموه أناساً
كانوا إذا غرسوا سقوا وإذا بنوا
…
لا يهدمون لما بنوه أساساً
وإذا هم صنعوا الصنائع في الورى
…
جعلوا لها طول البقاء لباساً
فعلام تسقيني وأنت سقيتني
…
كأس المودة من جفائك كأساً
آنسني منفصلاً أفلا ترى
…
أن القطيعة توحش الإيناسا؟
قلت: يعني بالبيت الذي قبل الأخير: فعلام تسقيني من جفائك كأساً وأنت تسقيني كأس المودة.
ولإبن الزيات المذكور أشعار رائقة فمن ذلك قوله:
سماعاً يا عباد الله مني
…
وكفوا عن ملاحظة الملاح
فإن الحب آخره المنايا
…
وأوله يهيج بالمزاح
وقالوا دع مراقبة الثريا
…
ونم فالليل مسود الجناح
فقلت وهل أفاق القلب حتى
…
أفرق بين ليلي والصباح