الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كأنا وضوء الصبح يستعجل الدجى
…
نظير غراباً ذا قوادم جون
يعني بالجون بفتح الجيم الأبيض، ويطلق على الأسود أيضاً لأنه من أسماء الأضداد، فشبه ظلام الليل حين يظهر فيه ضوء الصباح بأشخاص الغربان، ثم شرط أن يكون قوادم ريشها بيضاً، لأن ذلك البياض يقع من الظلمة في حواشيها، من حيث يلي معظم الصبح. وعموده ولمع نوره يتخيل منها في العين كشكل قوادم بيض، وجعل ضوء الصبح، لقوة ظهوره ودفعه لظلام الليل كأنه يدفع الدجى ويستعجله، ولا يرضى بأن يتمهل في حركته.
وفيها السنة المذكورة توفي المحدث أبو جعفر محمد بن حماد.
وفيها توفي أحمد بن يعقوب القاضي، أحد من قام في خلع المقتدر، احتساباً ذبح صبراً.
وفيها توفي محمد بن داود بن الجراح الإخباري العلامة، صاحب المصنفات وكان أوحد زمانه في معرفة أيام الناس.
سبع وتسعين ومائتين
فيها توفي الحافظ ابن الحافظ ابن الحافظ: محمد بن أحمد بن زهير بن حرب كان أبوه يستعين به في تصنيف التاريخ.
وفيها توفي الشيخ الكبير العارف بالله الشهير إمام السالكين، وقدوة العارفين أبو عبد الله عمرو بن عثمان المكي، شيخ الصوفية، أحد الخمسة المقتدى بهم في زمانهم، الجامعين بين علم الباطن والظاهر، صاحب التصانيف في الطريقة، كبير الشأن في أسرار الحقيقة.
وفيها توفي الإمام البارع محمد بن داود بن علي الأصبهاني المعروف بالظاهري الفقيه أبو بكر، أحد أذكياء زمانه صاحب " كتاب الزهرة ". تصدر للإشتغال والفتوى. كان فقيها أديباً شاعراً ظريفاً وكان يناظر أبا العباس بن شريح. وسيأتي ذكر شيء من ذلك في ترجمة ابن شريح.
ولما توفي، أبوه داود جلس في حلقته، وكان على مذهبه، فاستصغروه فدشوا إليه
رجلاً وقالوا: سله عن حد الشكر، فسأله: متى يكون الإنسان في داخلاً في حد السكران؟ فقال: إذا ضربت عنه الهموم، وباح بسره المكتوم، فاستحسن منه ذلك، وعلم موضعه العلم.
قلت: وهذا الذي ذكره في حد السكر هو الذي نقله أصحابنا عن الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه وإن اختلفا في بعض اللفظ والعبارة، فعبارة الشافعي: إنه الذي اختل كلامه المنظوم، وانكشف سره المكتوم.
وروى الشيخ الإمام أبو إسحاق بسنده في الطبقات: إن ابن داؤد المذكور جاءته امرأة فقالت له: ما تقول في رجل له زوجة، لا هو يمسكها، ولا هو يطلقها؟. فقال: اختلف في ذلك أهل العلم، فقال قائلون: يؤمر بالصبر والإحتساب، وتبعث على التطلب والإكتساب وقال قائلون: تؤمر بالإتفاق، ولا يحمل على الطلاق. فلم تفهم المرأة قوله، وأعاد مسألتها فقال لها: يا هذه، قد أجبتك عن مسألتك، وأرشدتك إلى طلبتك، ولست بسلطان فأمضي، ولا قاض فأقضي، ولا زوج فأرضي، فانصرفت ولم تفهم جوابه.
وصنف ابن داود كتابه " الزهرة " المذكور في عنفوان شبابه، وهو مجموع أدب أتى فيه. بكل غريبة ونادرة وشعر رائق.
واجتمع يوماً، هو وأبو العباس بن شريح في مجلس الوزير ابن الجراح، فتناظرا في الإيلاء، فقال له ابن شريح: أنت تقول: من كثرت لحظاته دامت حسراته، أبصر منك بالكلام في الإيلاء. فقال له ابن داود: لئن قلت ذلك فإني أقول.
أنزه في روض المحاسن مقلتي
…
وأمنع نفسي أن تنال محرما
وأحمل من ثقل الهوى ما لو أنه
…
يصب على الصخر الأصم تهدما
وينطق طرفي عن مترجم خاطري
…
فلولا اختلاسي ورده لتكلما
رأيت الهوى دعوى من الناس كلهم
…
فما أن حيا صحيحاً مسلماً
فقال له ابن شريح: ولم تفخر علي؟. ولو شئت أنا أيضاً لقلت:
ومسامر بالفتح من لحظاته
…
قد بث أمنعه لذيذ سناته
ظناً بحسن حديثه وغنائه
…
وأكدر اللحظات في وجناته
حتى إذا ما الصبح لاح عموده
…
ولي بخاتم ربه وبراته
فقال ابن داود: نحفظ الوزير عليه ذلك حتى يقيم شاهدي عدل، أنه ولي بخاتم ربه، فقال ابن شريح: يلزمني في ذلك ما يلزمك في قولك.