الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شيطانة) هذا أحد الأحاديث التي انتقدها الحافظ سراج الدّين القزويني على المصابيح وزعم أنَّه موضوع، وقال الحافظ ابن حجر فيما تعقَّبه عليه: محمد صدوق، وحديثه في رتبة الحسن، وإذا تابعه مثله ارتقى الحديث إلى الصحة، وقد يتوقّف في حديثه إذا تفرّد ولم يكن له متابع ولا شاهد، لكن لا ينحطّ إلى مطلق الضعف فضلًا عن أن يحكم عليه بالبطلان، وقد أعلَّ بعضهم حديثه هذا بأنَّ بعضهم زاد في سنده رجلًا بين أبي سلمة وعائشة، فأخرجه ابن ماجة من طريق شريك بن عبد الله النخعي فقال: عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن عائشة، ومن طريق حمَّاد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وهذه ليست بعلة قادحة، فإنّ الروَّاة المذكورين موثوقون (1)، فلعلَّ أبا سلمة حدَّث به على الوجهين، وقد ورد له شاهد من حديث عثمان أخرجه ابن ماجة أيضًا من طريق يحيى بن سليم عن أبي جريج عن الحسن بن أبي الحسن عن عثمان، وأخرج له شاهدًا آخر من طريق أبي سعد الساعدي عن أنس مثله، وأبو سعد اسمه سعيد بن المرزبان ضعيف، ولكن كثرة الطرق يعضد بعضها بعضًا.
***
[باب في الرَّحمة]
(1) في أ: "يوثقون".
(حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة ومسدّد، المعنى، قالا: ثنا سفيان عن عمرو عن أبي قابوس) قال الذهبي في العذب السلسل: هذا الحديث في أفراد سفيان، وهو في رتبة من يحتجّ بما ينفرد به لحفظه وأمانته (1)، وكذلك شيخه عمرو بن دينار عالم أهل مكة مع عطاء متّفق على الاحتجاج بما ينفرد به، فأمَّا أبو قابوس فتابعي مقلّ محلّه الصدق، ما عنده غير هذا الحديث الواحد، ولجهالته لم يحتجّ به الشيخان ولا يعرف له اسم.
وقال ابن الصلاح: حدَّثني الثقة أبو رشيد بن أبي بكر قال: ذكر لي الحافظ أبو الفرج ثابت بن محمد المديني أنَّ أبا قابوس اسمه المبرّد وجعل يتبجَّح به، وليس هذا ممَّا يركن إليه، قال: وقابوس لا ينوَّن لأنَّه غير منصرف للعجمة مع العلمية، قطع بهذا غير واحد ممّن يعتمد عليه.
(الرّاحمون يرحمهم الرحمن) قال الذهبي: صحّف بعض الروَّاة الرَّحمن بالرَّحيم، قال: والرَّاحمون هم الذين فيهم رقّة وتحنّن في الجملة، وتعطّف وشفقة على خلق الله، وضدّهم الجبّارون القاسيّة قلوبهم المعذّبون خلق الله بالعسف والظلم، فقيل قد يكون الشخص رحيمًا من وجه، جبَّارًا عسوفًا من وجه، فالجواب أنَّ الحكم للغلبة وليس من شرط الرّاحم أن لا يكون في وقت منتقمًا، والله تعالى يقول في حقّ الصحابة:{أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} ، وقال:{فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} ، وقال تعالى:{وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} ، كانوا يقاتلون من كفر بالله ولا يخافون لومة لائم، ويقيمون الحدود على من سرق أو قتل أو زنى، فرحمة الخلق مقيدة باتّباع الكتاب والسنة، فبعض الرّاحمين يسرف في الرَّحمة حتى يخلّ بالجهاد ويهرب من إقامة الحدود، ولا ينتقم لحرمة الله، كما أنَّ بعض الجبارة وأولي القسوة يتجاوزون في الظلم وينتقم لنفسه أشدّ ممّا ينتقم لله، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ميزانًا عادلًا في ذلك، فما ضرب خادمًا ولا مملوكًا، ولا انتقم لنفسه، وكان يضرب بسيفه في
(1) في ب: "وإمامته".
أَعْداء الله ويقيم الحدود كما أمره الله، وقال لأسامة:"أتشفع في حدٍّ من حدود الله"، فدين الإسلام دين حنيفي لا كرقّة الرهبان المذمومة، ولا كقسوة اليهود الممقوتة. انتهى.
وقال القاضي تاج الدين السبكي في تذكرته ومن خطّه نقلتُ: سأل ابن الخويّ في كتابه ينابيع العلوم: ما الحكمة حيث أتى في هذا الحديث بالرَّاحمين وهو جمع راحم، ولم يأت بالرّحماء جمع رحيم، وإن كان غالب ما ورد من الرّحمة استعمال الرّحيم لا الرّاحم؟ قال: وأجاب: بأنّ الرّحيم صفة مبالغة، فلو أتى بجمعها لاقتضى الاقتصار عليه، فأتى بجمع راحم إشارة إلى أن عباد الله تعالى منهم من قلَّت رحمته فيصبح وصفه بالرَّاحم لا الرحيم فيدخل في ذلك.
ثمَّ أورد على نفسه قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما يرحم الله من عباده الرُّحماء"، وقال: إنَّ له جوابًا حقه أن يكتب بماء الذّهب على صفحات القلوب، وهو أن لفظ الجلالة دالّ على العظمة والكبرياء، ولفظ الرَّحمن دالّ على العفو، قال: وبالاستقراء حيث ورد لفظ الجلالة يكون الكلام مسوقًا للتعظيم، فلمَّا ذكر لفظ الجلالة في قوله:"إنّما يرحم الله" لم يناسب معها غير ذكر من كثرت رحمته وعظمت ليكون الكلام جاريًا على نسق العظمة، ولمَّا كان الرَّحمن يدلّ على المبالغة في العفو ذكر كلّ ذي رحمة وإن قَلَّت. انتهى.
(ارحموا (من في الأرض)(1) يرحمكم من في السماء) قال ابن الصلاح في إملائه: في هذا الحديث وأشباهه فرق ثلاث، فرقة تُأوَّل، وأخرى تشبَّه، وثالثة ترى أنَّه لم يطلق الشارع مثل هذه اللفظة إلَّا وإطلاقها سائغ وحسن، فنقولها (2) مطلقة كما قال مع التصريح بالتقديس والتنزيه، والتبرّي من التحديد والتشبيه، وتلهى عنها فلا تهتم (3) بشأنها ذِكرًا ولا
(1) في سنن أبي داود المطبوع: "أهل الأرض".
(2)
في ج: "فيقولها".
(3)
في أ: "تهم".