الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
-
منهاج السورة
-
1 -
تهديد اللَّه تعالى المطففين، الذي يعبثون بالكيل والميزان ولا يوفون.
2 -
تثبيت كتاب الفجار في سجين، في سجل أهل النار أسفل الأرضين.
3 -
طبع اللَّه على قلوب المكذبين، وحجبهم عن ربهم يوم الدين، ثم مصيرهم إلى الجحيم.
4 -
تثبيت كتاب الأبرار في عليين، وهم يوم القيامة في النضارة والنعيم.
5 -
نَعْت حال المجرمين في الدنيا وهم بالمؤمنين يسخرون، وانعكاس هذه الحال ليصبح المؤمنون يوم القيامة هم من الكفار يضحكون.
بسم الله الرحمن الرحيم
1 -
6. قوله تعالى: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6)}.
في هذه الآيات: التحذير الشديد والوعيد الأكيد للمطففين، الذين يعبثون بالكيل والميزان ويسلكون سبيل المنافقين، فالخزي والفضيحة والقصاص والعذاب يوم الدين، يوم يقوم الناس لرب العالمين.
فقوله تعالى: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ} . التطفيف: النقص من الكيل أو الوزن شيئًا طفيفًا، أي نزرًا حقيرًا. وربما كان لأحدهم صاعان يكيل للناس بأحدهما ويكتال لنفسه بِالآخر. قال الزجاج:(إنما قيل للفاعل من هذا مُطفِّف، لأنه لا يكاد يسرق من المكيال والميزان إلا الشيء الطفيف الخفيف، وإنما أخذ من طَفِّ الشيءِ وهو جانبه).
قال القرطبي: ({وَيْلٌ} أي شدة عذاب في الآخرة) - {لِلْمُطَفِّفِينَ} . وقال ابن عباس: (إنه وادٍ في جهنم يسيل فيه صديد أهل النار، فهو قوله تعالى: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ} أي الذين ينقصون مكاييلهم وموازينهم).
وقوله تعالى: {الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ} . يعني الذين إذا اشتروا لأنفسهم استوفوا في الكيل والوزن. قال الفراء: ({اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ}: أي من الناس، يقال: اكتلت منك: أي استوفيت منك، ويقال اكتلت ما عليك: أي أخذت ما عليك). وقال الزَّجاج: (أي إذا اكتالوا من الناس استوفوا عليهم الكيل). والمقصود: الذين إذا استوفوا أخذوا الزيادة، وإذا أوفوا أو وزنوا لغيرهم نقصوا، فلا يرضون للناس ما يرضون لأنفسهم. - ذكره القرطبي.
وقوله تعالى: {وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} . أي: وإذا كالوا لغيرهم من الناس ينقصون الكيل، وإذا وزنوا لغيرهم من الناس ينقصون الوزن.
قلت: والآيات في موضع التوبيخ الشديد، وتَحْمِلُ التهديد والوعيد الأكيد، فإن الأصل الوفاء في الكيل والميزان، وقد أهلك اللَّه تعالى قوم شعيب عبر الزمان، لما كانوا يبخسون الناس في المكيال والميزان.
ففي التنزيل:
1 -
قال تعالى: {فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 85].
2 -
وقال تعالى: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [الإسراء: 35].
3 -
وقال تعالى: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [الأنعام: 152].
4 -
وقال تعالى: {وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ} [الرحمن: 9].
ومن كنوز صحيح السنة في آفاق ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن سويد بن قيس قال: [جلبتُ أنا ومخرَفة العبدي بَزًّا من هَجَر. . . فجاءنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فساومنا سراويل. وعندنا وَزَّان
يزن بالأجر. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا وَزانُ! زِنْ وأرجِحْ] (1).
الحديث الثاني: أخرج ابن ماجة -كذلك- في الباب عن سِماك بن حرب قال: سمعت مالكًا، أبا صفوان بن عُمَيْرة، قال:[بعت من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم رِجْلَ سراويل قبل الهجرة. فوزن لي. فأرجح لي](2).
الحديث الثالث: أخرج ابن ماجة في الباب -أيضًا- بإسناد صحيح عن جابر بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [إذا وَزَنتم فَأَرْجِحُوا](3).
الحديث الرابع: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي هريرة: [أنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، مرَّ برجل يبيع طعامًا، فسأله: كيف تبيع؟ فأخبره، فأوحى إليه: أن أدخل يدك فيه، فأدخل يده فيه، فإذا هو مبلول، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: لَيْسَ منّا مَنْ غَشَّ](4).
وقوله تعالى: {أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ} . قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ألا يظن هؤلاء المطففون الناس في مكاييلهم وموازينهم، أنهم مبعوثون من قبورهم بعد مماتهم، ليوم عظيم شأنه، هائل أمره، فظيع هوله).
وقوله تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} . أي يوم يقوم الناس واقفين منتظرين لأمر رب العالمين، أو لجزائه، أو لحسابه. وفي الآية دلالة على عظم ذنب التطفيف، ومزيد إثمه وفظاعة عقابه.
وفي السنة الصحيحة من ذكر آفاق هذه الآية أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم ومالك، عن نافع، عن عبد اللَّه بن عمر رضي الله عنهما:[أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}: حتى يغيبَ أحَدُهم في رَشْحِهِ إلى أَنْصافِ أُذُنَيْه](5). وفي رواية: [يقوم أحدهم في رَشْحِه إلى أَنْصَاف أُذُنَيْه].
(1) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (2220) - كتاب التجارات. باب الرجحان في الوزن.
(2)
حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (2221) - الباب السابق. انظر صحيح سنن ابن ماجة (1806).
(3)
أخرجه ابن ماجة في السنن (2222) - الباب السابق. وانظر صحيح سنن ابن ماجة (1807).
(4)
حديث صحيح. أخرجه أبو داود (3452) - كتاب الإجازة. باب في النهي عن الغَشِّ. انظر صحيح سنن أبي داود (2946)، ونحوه في صحيح ابن ماجة (1809). وأصله في صحيح مسلم.
(5)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (4938) - كتاب التفسير، عند هذه الآية. وكذلك أخرجه برقم (6531) - كتاب الرقاق. وأخرجه مسلم (2862) خ (60)، والترمذي (2422)، و (3336)، والنسائي في "التفسير"(677)، وابن ماجة (4278).
الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن نافع، عن ابن عمر: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: [{يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}: لعظمة الرحمن عز وجل يوم القيامة، حتى إنَّ العرقَ لَيُلْجِمُ الرجالَ إلى أنصاف آذانهم](1).
الحديث الثالث: أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: [يَعْرَقُ الناس يوم القيامة حتى يذهبَ عَرَقُهُم في الأرض سبعين ذراعًا، ويُلجمهم حتى يَبْلغ آذانهم](2).
وله شاهد في صحيح مسلم من حديث المقداد قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: [إذا كان يوم القيامة أدنيت الشمس من العباد، حتى تكونَ قِيدَ مَيلٍ أو مَيلين. قال: فتصهرهم الشمس، فيكونون في العرقِ كقَدْرِ أعمالهم، وفي رواية: (فيكون الناس على قَدْر أعمالهم في العرق). فمنهم من يكون إلى كَعْبَيْهِ، ومنهم من يكون إلى رُكبَتَيْهِ، ومِنْهُم من يكونُ إلى حَقْوَيْهِ، ومنهم من يُلْجِمُهُ العَرَقُ إلجامًا. قال: وأشار رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بيده إلى فيه](3).
الحديث الرابع: أخرج أبو داود بسند صحيح عن عاصم بن حميد قال: سألت عائشة: بأي شيء كان يفتتح رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قيام الليل؟ فقالت: [لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قَبْلَكَ، كان إذا قام كبَّر عَشْرًا، وحمد اللَّه عشرًا، وسَبَّحَ عشرًا، وهَلَّلَ عشرًا، واستغفر عشرًا، وقال: "اللهم اغفِر لي، واهْدني، وارزقني، وعافني" ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة](4).
7 -
17. قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (7) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (8) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (9) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (10) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (11) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ
(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (2/ 31)، والطبري في "التفسير" (36582). وقوله:"لعظمة الرحمن" مدرج غالبًا.
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (6532) - كتاب الرقاق. عند تفسير هذه الآيات.
(3)
حديث صحيح. أخرجه مسلم (2864) - كتاب الجنة ونعيمها. باب في صفة يوم القيامة. وأخرجه أحمد (6/ 3 - 4)، والبغوي (4317)، وابن حبان (7330)، وغيرهم.
(4)
حسن صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (766)، والنسائي (3/ 208 - 209)، وأحمد في المسند (6/ 143)، وابن ماجة في السنن (1356)، وابن حبان فى صحيحه (2602)، وإسناده حسن، ورجاله ثقات. وانظر صحيح سنن أبي داود (693).
آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (13) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (16) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (17)}.
في هذه الآيات: تثبيتُ كتاب الفجار في سجين، في سجل أهل النار أسفل الأرضين، الذين يكذبون بيوم الدين، وقد طبع اللَّه على قلوبهم وهم عن ربهم يوم القيامة من المحجوبين، ثم مصيرهم ومستقرهم إلى نار الجحيم.
فقوله تعالى: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ} . قال قتادة: (في أسفل الأرض السابعة). وقال الضحاك: (يقول: في الأرض السفلى). وسِجِّين: فِعِّيلٌ من السِّجن، وهو الضيق، كما يقال: فِسِّيق وسِكِّير. والمقصود: حقًا إن كتاب أعمال الفجار مكتوب في سجل أهل النار في الأرض السفلى ليناسب سفالة نياتهم وتوجهاتهم.
وفي حديث البراء -في خروج روح الكافر والفاجر لا تفتح لها أبواب السماء- فيقول اللَّه عز وجل: [اكتبوا كتابه في سجين، في الأرض السفلى](1).
وقوله تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ} . تعظيم لأمر سجين، وتهويل لمصير أهله.
وقوله تعالى: {كِتَابٌ مَرْقُومٌ} . قال قتادة: (كتاب مكتوب). قال النسفي: (وفسّر سجينًا بكتاب مرقوم، فكأنه قيل: إن كتابهم في كتاب مرقوم فما معناه! قلت: سجين كتاب جامع هو ديوان الشّر دوّن اللَّه فيه أعمال الشياطين والكفرة من الجن والإنس، وهو كتاب مرقوم مسطور بيّن الكتابة، أو معلم يعلم من رآه أنه لا خير فيه، من رقم الثياب علامتها، والمعنى أنّ ما كتب من أعمال الفجار مثبت في ذلك الديوان، وسمي سجينًا فِعّيلًا من السجن، وهو الحبس والتضييق، لأنه سبب الحبس والتضييق في جهنم، أو لأنه مطروح تحت الأرض السابعة في مكان وحش مظلم).
وقوله تعالى: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} . أي: الهلاك والدمارُ للمكذبين، يوم يخرج المكتوب، وتصدر النتائج، ويحين وقت النكال والقصاص.
وقوله تعالى: {الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ} . أي: الذين يكذبون بيوم الحساب والمجازاة. قال ابن زيد: (أهل الشرك يكذبون بالدين).
وقوله تعالى: {وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ} . أي: فاجر جائر متجاوز في الإثم منهمك في أسبابه. قال قتادة: ({وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ} : أي بيوم الدين، إلا كل معتد في
(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد (4/ 287 - 288)، وأبو داود (2/ 281)، والحاكم (1/ 37 - 40).
قوله، أثيم بربه). وقال ابن كثير:(أي: مُعْتد في أفعاله، من تَعاطي الحرامِ والمجاوزةِ فِي تناول المُباح، والأثيم في أقواله إن حَدَّثَ كذب، وإن وعَدَ أخلف، وإن خاصَمَ فَجَر).
وقوله تعالى: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} . أي: إذا تتلى عليه آياتنا المنزلة على محمد صلى الله عليه وسلم قال: هذا ما سطّره الأولون فكتبوه في كتبهم، من أحاديثهم وأباطيلهم وخرافاتهم.
وقوله تعالى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} . -كلّا- رَدْعٌ وزجر، أي ليس الأمر كما يصف ذلك المعتدي الأثيم، وإنما هي المعاصي والذنوب والآثام، تزاحمت وتكاثرت فأحاطت بقلوبهم حتى غَطّاها الران.
أخرج الترمذي بسند حسن عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:[إنَّ العبدَ إذا أخطأ خطيئةً نُكِتَتْ في قلبه نُكْتَةٌ سَوْداء، فإذا نَزَعَ واستَغْفَر وتابَ صُقِلَ قَلبُهُ، وإنْ عادَ زيدَ فيها حتى تَعْلُو قلبَهُ، وهو الرّان الذي ذكر اللَّه {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}](1). قال ابن عباس: (طبع على قلوبهم ما كسبوا).
وعن الحسن: ({كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} قال: الذنب على الذنب، حتى يعمى القلب فيموت). وقال مجاهد: (العبد يعمل بالذنوب، فتحيط بالقلب، ثم ترتفع، حتى تغشى القلب). وقال أيضًا: (انبثت على قلبه الخطايا حتى غمرته). وقال الضحاك: (الرين موت القلب). وعن أبي سليمان: (الرين والقسوة زماما الغفلة). وقيل: الرينُ يعتري قلوبَ الكافرين، والغيمُ للأبرار، والغينُ للمقرَّبين.
وقوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} . أي: بل هم ممنوعون عن رؤيته تعالى يوم القيامة. قال قتادة: (هو لا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم). وقال الحسين بن الفضل: (كما حَجَبَهُم في الدنيا عن توحيده حَجَبَهُم في العقبى عن رؤيته). وقال الزجاج: (في الآية دليل على أن المؤمنين يرون ربهم، وإلا لا يكون التخصيص مفيدًا). وقال مالك بن أنس: (لما حجب أعداءه فلم يروه تجلّى لأوليائه حتى رأوه).
قلت: و {كَلَّا} رَدْعٌ عن الكسب الرائن على القلب، فهو الذي منعهم من رؤية
(1) حديث حسن. أخرجه الترمذي (3334)، والنسائي في "التفسير"(678)، وفي "السنن"(418)، ورواه ابن ماجة (4244)، والطبري (36623). وانظر صحيح سنن الترمذي (2654).
وجهه سبحانه يوم الحساب. وإلا فالمؤمنون ينعمون بلذة النظر إلى وجهه الكريم.
وفي التنزيل نحو ذلك:
1 -
قال تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22 - 23].
2 -
وقال تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26]. فالحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه اللَّه العظيم.
3 -
وقال تعالى هنا -في شأن الكفار-: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15].
قال الحاكم: حدثنا الأصم حدثنا الربيع بن سليمان قال: [حضرت محمد بن إدريس الشافعي وقد جاءته رقعة من الصعيد فيها: ما تقول في قول اللَّه عز وجل: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ}؟ فقال الشافعي: لما أن حُجب هؤلاء في السخط، كان في هذا دليل على أن أولياءه يرونه في الرضى]. وفي رواية: [ما حجب الفجار إلا وقد علم أن الأبرار يرونه عز وجل](1).
وفي صحيح مسلم ومسند أحمد وجامع الترمذي عن صهيب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول اللَّه تعالى: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار! قال: فيرفَعُ الحجاب، فينظرون إلى وجه اللَّه، فما أعطوا شيئًا أحبَّ إليهم من النظر إلى ربهم، ثم تلا: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}](2).
وفي أفراد مسلم عن جابر في حديثه: [إن اللَّه يتجلّى للمؤمنين يضحك](3) -يعني في عرصات القيامة- مما يدل أن المؤمنين ينظرون إليه سبحانه في العرصات وفي روضات الجنات.
وقوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ} . أي: ثم إنهم مع هذا الحرمان، عن رؤية وجه الرحيم المنّان، لواردو الجحيم فمشويون في النيران، ليجمعوا بذلك بين تعاسة النفس وعذاب الأبدان.
(1) انظر كتابي: أصل الدين والإيمان (1/ 206) - البحث العاشر - رؤية اللَّه يوم القيامة.
(2)
حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (181)، والترمذي (2552)، ورواه أحمد (4/ 333).
(3)
حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه -حديث رقم- (191) - في أثناء حديث مطول.
وقوله تعالى: {ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} . أي: ثم يقال لهم على وجه التقريع والتوبيخ، والتصغير والتحقير: هذا التكذيب للرسل في الدنيا أوصلكم إلى عذاب السعير.
18 -
28. قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (18) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (19) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (20) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (21) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (22) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (23) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (24) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (25) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (27) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (28)}.
في هذه الآيات: تثبيتُ كتاب الأبرار في عليين، وإثبات نضارة وجوههم يوم الدين، فهم في الملذات في جنات النعيم.
فقوله تعالى: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ} . أي حقًا إن كتاب الأبرار مختلف عن كتاب الفجار، فهؤلاء كتابهم في عليين، وأولئك كتابهم في سجين. والأبرار: جمع بَرّ، وهم الذين بروا اللَّه بأداء فرائضه، واجتناب محارمه. و {عليون} معناه علوّ في علوّ مضاعف، كأنه لا غاية له. قال النسفي:(هو علم لديوان الخير الذي دوّن فيه كل ما عملته الملائكة وصلحاء الثقلين، منقول من جمع عِلِّيّ، فِعِّيل من العلو، سمي به لأنه سبب الارتفاع إلى أعالي الدرجات في الجنة، أو لأنه مرفوع في السماء السابعة).
يروي ابن جرير بسنده عن هلال بن يساف، قال: سأل ابن عباس كعبًا وأنا حاضر عن العليين، فقال كعب:(هي السماء السابعة، وفيها أرواح المؤمنين). وقال قتادة: (في السماء العليا). وقال الضحاك: ({لَفِي عِلِّيِّينَ}: في السماء عند اللَّه).
وفي سنن أبي داود ومسند أحمد من حديث البراء مرفوعًا -في ارتفاع روح المؤمن بعد نزعها إلى طبقات السماء-: [فيشيعه من كل سماء مقربوها، إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي به إلى السماء السابعة، فيقول اللَّه عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، {وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (19) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (20) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ}، فيكتب كتابه في عليين](1).
وقوله تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ} . أي: وما أعلمك يا محمد أيّ شيء عِلّيون؟
(1) حديث صحيح. وهو جزء من حديث رواه أبو داود (2/ 281)، وأحمد (4/ 287 - 288)، والحاكم (1/ 37 - 40)، والطيالسي (753)، وقد مضى، وإسناده صحيح.
على جهة التفخيم والتعظيم لعليين في المنزلة العالية.
أخرج ابن ماجة والترمذي بسند صحيح عن أبي سعيد قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [إن أهل الدرجات العُلا ليَراهم من تَحْتَهم كما تَرَوْنَ النَّجْمَ الطالِعَ في أُفُقِ السَّماء، وإنَّ أبا بكرٍ وعُمَرَ منهم وأنْعَما](1).
وقوله تعالى: {كِتَابٌ مَرْقُومٌ} . أي: الكتاب الذي فيه أسماء الأبرار كتاب مسطور. وقوله تعالى: {يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ} . قال قتادة: (وهم الملائكة). وقال العوفي، عن ابن عباس:(يشهُده من كلِّ سماء مقرّبوها). والمقصود: أن الملائكة يحضرون ذلك الكتاب المرقوم ويرونه. وقيل: يشهدون بما فيه يوم القيامة.
وقوله تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (22) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ} . الأرائك: الأسِرّة التي في الحجال، وهي الكِلَل. قيل: ينظرون إلى ما أعدّ اللَّه لهم من الكرامات. وقيل: ينظرون إلى وجهه جل جلاله.
وقوله تعالى: {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ} . قال ابن كثير: (أي: تَعْرِفُ إذا نظرتَ إليهم في وجوههم نَضْرَة النعيم، أي: صِفَة الترافة والحِشْمَةِ والسُرور والدَّعةِ والرِّياسة، مما هم فيه من النعيم العظيم).
وقوله تعالى: {يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ} . أي: يُسْقون من خمر من الجنة. قال ابن عباس: (يعني بالرحيق: الخمر). قلت: والرحيق من أسماء الخمر، وهو من الخمر ما لا غش فيه ولا شيء يفسده (2). والمختوم الذي له ختام، فهو ممنوع من أن تمسه يد إلى أن يفك ختمه للأبرار.
وقوله: {خِتَامُهُ مِسْكٌ} . قال ابن مسعود: (أي: خَلْطُه مِسْكٌ). وقال ابن عباس: (طيَّبَ اللَّه لهم الخمر، فكانَ آخرَ شيء جُعِلَ فيها مسكٌ، خُتِمَ بِمِسْك). وقال الحسن: ({خِتَامُهُ مِسْكٌ}، أي: عاقِبتُه مِسْك). وقال مجاهد: (طِيْبُهُ مِسْك).
والمقصود: أنَّ آخر طعمه ريح المسك، فإذا رفع الشارب فاه من آخر شرابه وجد ريحه كريح المسك. وقيل: مختومة أوعيته بمسك، ليجمع بذلك بين الرائحة العطرة والمذاق اللذيذ.
(1) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (96)، والترمذي (3658). وانظر صحيح الترمذي (2892).
(2)
وفي الصحاح: (الرحيق: صَفْوةُ الخَمْر)، وهو من رَحَقَ - حكاه الرازي.
وقوله: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} . أي: وفي ذلك فليرغب الراغبون. والتنافس: التنازع في الشيء والتشاجر عليه، فيريده كل واحد لنفسه، وينفس به على غيره: أي يضنّ به. وهو مأخوذ من الشيء النفيمس، والذي تحرص عليه نفوس الناس وتطلبه وتشتهيه. قال القرطبي:(وقيل: الفاء (1) بمعنى إلى، أي: وإلى ذلك فليتبادر المتبادرون في العمل، نظيره:{لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ} [الصافات: 61]).
والمقصود: التنافس بالمسارعة إلى الخيرات والانتهاء عن السيئات، فهو التسابق المحمود إلى طاعة اللَّه ونيل رضاه.
وقوله تعالى: {وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ} . أي: ويمزج ذلك الرحيق من تسنيم، وهو شراب ينصبّ عليهم من علوّ، وهو أشرف شراب الجنة. فعن مجاهد:({تَسْنِيمٍ} قال: تسنيم، يعلو). وعن معمر، عن الكلبي قال:(تسنيم ينصب عليهم من فوقهم، وهو شراب المقربين).
والتسنيم مصدر سنّمه إذا رفعه. قال ابن جرير: (والتسنيم: التفعيل من قول القائل: سنمتهم العين تسنيمًا: إذا أجريتها عليهم من فوقهم، فكان معناه في هذا الموضع: ومزاجه من ماء ينزل عليهم من فوقهم فينحدر عليهم).
والخلاصة: ومزاج ذلك الرحيق من {تَسْنِيمٍ} وهو علم لعين بعينها، سميت بالتسنيم الذي هو مصدر سنّمه إذا رفعه، لأنها أرفع شراب في الجنة، أو لأنها تاتيهم من فوق وتنصب في أوانيهم - ذكره النسفي.
وقوله تعالى: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ} . عَيْنًا: حال، أو نصب على المدح. والمعنى: يسقون الرحيق من عين التسنيم يمزجون بها كؤوسهم. قال ابن عباس وابن مسعود: (عين في الجنة يشربها المقربون صرفًا، وتمزج لأصحاب اليمين).
29 -
36. قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (32) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (33) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى
(1) أي في قوله: {فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} .
الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (35) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36)}.
في هذه الآيات: نَعْتُ حال المجرمين في دار الدنيا وهم بالمؤمنين يسخرون، وإذا مروا بهم يتغامزون ويلمزون، ثم انعكاس هذه الحال ليصبح المؤمنون يوم القيامة هم من أعدائهم يضحكون، على الأرائك ينظرون، وقد نزل بالكفار سخط اللَّه ونالوا نكال ما كانوا يفعلون.
فقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ} . قال قتادة: (في الدنيا، يقولون: واللَّه إن هؤلاء لكذبة، وما هم على شيء، استهزاءً بهم).
وقوله تعالى: {وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ} . أي: وإذا مروا بالمؤمنين يتغامزون عليهم، بقصد احتقارهم. وهو من الغمز: الإشارة بالجفون والحواجب، فهم يعيِّرونهم بالإسلام ويعيبونهم به.
وقوله تعالى: {وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ} . أي: وإذا رجع الكفار إلى أهلهم من مجالسهم رجعوا معجبين بما هم فيه متلذذين به، يتفكهون بالطعن في المؤمنين، والاستهزاء بهم. قال ابن عباس:(فاكهين: معجبين). وقال ابن زيد: (انقلب ناعمًا، هذا في الدنيا، ثم أعقب النار في الآخرة). قال ابن كثير: (أي: وإذا انقلب، أي: رجع هؤلاء المجرمون إلى منازلهم، انقلبوا إليها فاكهين، أي: مهما طلبوا وجدُوا، ومع هذا ما شكروا نعمة اللَّه عليهم، بل اشتغلوا بالقوم المؤمنين يحتقِرونهم ويحسُدونهم).
وقوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ} . أي: لكونهم على غير دينهم. قال النسفي: ({وَإِذَا رَأَوْهُمْ} وإذا رأى الكافرون المؤمنين {قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ} أي خدع محمد هؤلاء فضلوا وتركوا اللذات لما يرجونه في الآخرة من الكرامات، فقد تركوا الحقيقة بالخيال، وهذا هو عين الضلال).
وقوله تعالى: {وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ} . أي: ولم يرسل هؤلاء الكفار على المسلمبن من جهة اللَّه موكلين بهم يحفظون عليهم ما يصدر من أعمالهم وأقوالهم، وإنما كُلِّفوا بالإيمان باللَّه والعمل بطاعته، ولم يجعلوا رقباء على غيرهم.
وفي التنزيل نحو ذلك:
قال تعالى: {قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (108) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ
تَضْحَكُونَ (110) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ} [المؤمنون: 108 - 111].
وقوله تعالى: {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ} . أي: ففي ذلك اليوم يضحك المؤمنون من الكفار حين يرونهم أذلاء مغلوبين، كما ضحك الكفار منهم في الدنيا، فقلب اللَّه الصورة وحاق المكر بأهله، فعزّ المؤمنين وأخزى الكافرين.
وقوله تعالى: {عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ} . أي: ينظرون إلى وجه ربهم وهم على سررهم، وإلى خزي وعذاب الكافرين. قال النسفي:({عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ} حال، أي يضحكون منهم ناظرين إليهم وإلى ما هم فيه من الهوان والصغار، بعد العزة والاستكبار، وهم على الأرائك آمنون). وقال ابن كثير: ({عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (35)}، أي: إلى اللَّه عز وجل في مُقابلةِ من زَعَم فيهم أنهم ضالّون، وليسوا بضالين، بل هم أولياء اللَّه المُقَرَّبين، ينظرون إلى ربهم في دار كرامته).
وقوله تعالى: {هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} . قيل معنى {هَلْ} التقرير. والتقدير: قد وقع الجزاء للكفار بما كان يقع منهم في الدنيا من الضحك من المؤمنين والاستهزاء بهم. وقيل: هو إضمار على القول. قال القرطبي: (والمعنى، يقول بعض المؤمنين لبعض {هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ} أي أثيب وجُوزي. وهو من ثاب يثوب أي رجع، فالثواب ما يرجع على العبد في مقابلة عمله، ويستعمل في الخير والشر).
وخلاصة القول: هل جوزي الكفار على استهزائهم بالحق والمؤمنين؟ ! نعم، قد جوزوا أتم الجزاء وأكمله، وقوبلوا في الآخرة بنقيض مسلكهم، وحصدوا نتاج زرعهم: البكاء بعد الضحك، والندم بعد الفرح، والحصار في عذاب النار، بعد الانطلاق بالفساد والإفساد في دار الاختيار.
تم تفسير سورة المطففين بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه صبيحة يوم السبت 17/ ذي القعدة/ 1426 هـ الموافق 17/ كانون الأول/ 2005 م