الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثالث: أخرج الحاكم وأبو الشيخ بسند صحيح عن عبد اللَّه مرفوعًا: [سورة تبارك هي المانعة من عذاب القبر](1).
الحديث الرابع: أخرج الترمذي بسند صحيح عن جابر: [أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان لا ينام حتى يقرأ {الم (1) تَنْزِيلُ}، و {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ}](2).
موضوع السورة
كمال الملك للَّه رب العالمين
-
منهاج السورة
-
1 -
البدء بتمجيد اللَّه تعالى خالق الموت والحياة، جاعل الكواكب زينة للسماوات، والشهب رجومًا للشياطين.
2 -
إعداد اللَّه نار جهنم ليعذب بها الكافرين، الذين كذبوا الرسل وعاندوا الوحي الكريم.
3 -
تخصيص رفيع الأجر لأهل الخشية والخوف من اللَّه العظيم، الذي ذلل الأرض لعباده ليسعوا في مناكبها ويكونوا من الشاكرين.
4 -
تنبيه اللَّه عباده أن لا يأمنوا عقابه إن اختاروا طريق المعصية والآثام، ودعوتهم لرؤية بديع قدرته في حركة الطير فوقهم ما يمسكهن إلا الرحمان.
5 -
تنبيه العباد أن النصر والرزق بيد اللَّه العلي الكريم، الذي إليه يرجع الخلق وتكون الندامة والخزي على الكافرين.
6 -
الثناء على المؤمنين في توكلهم على العزيز الرحيم، وتنبيه العباد إلى نعمة الماء الذي إن غار لا يأتيهم به إلا الرحمان الكريم.
* * *
(1) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (2/ 498)، وأبو الشيخ في "طبقات الأصبهانيين"(264) وهو صحيح الإسناد. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (1140).
(2)
حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي (2316) - أبواب فضائل القرآن. باب ما جاء في سورة الملك، من حديث جابر رضي الله عنه.
بسم الله الرحمن الرحيم
1 -
5. قوله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (4) وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (5)}.
في هذه الآيات: تمجيدُ اللَّه تعالى نفسه فهو الخالق القادر العزيز الغفور، الذي خلق الموت والحياة والسماوات وَزَيَّنَها بالكواكب وجعل الشهب رجومًا للشياطين، وأعدّ عذاب السعير للكافرين.
فقوله: {تَبَارَكَ} . تفاعل من البركة. قال الحسن: (تقدّس). وقال ابن جرير: (تعاظم وتعالى). فهو تمجيد من اللَّه تعالى لنفسه الكريمة.
وقوله: {الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} . قال ابن عباس: (بيده الملك يُعِزُّ من يشاء ويُذِلّ من يشاء، ويحيي ويميت، ويُغني ويُفقِر، ويُعطي ويمنع). وقال محمد بن إسحاق: (له ملك النبوّة التي أعزّ بها من اتبعه وذلّ بها من خالفه). والمقصود: بيده سبحانه مُلك الدنيا والآخرة وسلطانهما، وأمره وقضاؤه نافذ فيهما، فتعالى اللَّه الملك القهار.
وقوله: {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} . قال القرطبي: (من إنعام وانتقام). والمعنى: أمره نافذ في كل شيء لكمال قهره وقدرته، فلا يعجزه شيء.
وقوله: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} . قال قتادة: (أذلّ اللَّه ابن آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة ودار فناء، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء). والمقصود: أوجد سبحانه الخلائق من العدم ليختبرهم أيهم أفضل عملًا. قال النسفي:
(والمعنى: خلق موتكم وحياتكم أيها المكلفون {لِيَبْلُوَكُمْ} ليمتحنكم بأمره ونهيه فيما بين الموت الذي يعم الأمير والأسير والحياة التي لا تفي بعليل ولا طبيب، فيظهر منكم ما علم أنه يكون منكم، فيجازيكم على عملكم لا على علمه بكم).
وقدّم الموت على الحياة، لأن الموت إلى القهر أقرب، ولأن أقوى الناس داعيًا إلى العمل من نَصَبَ موته بين عينيه، وأَكْثَر من ذكر هادِم اللذات الذي يسحبه إلى قبره مما في يديه.
وعن الفضيل بن عياض: ({لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} قال: أخلصه وأصوبه، فإن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا، لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا. والخالص أن يكون للَّه. والصواب: أن يكون على السنة).
وقال شيخ الإسلام: (وإذا كانت جميع الحسنات، لا بد فيها من شيئين: أن يراد بها وجه اللَّه، وأن تكون موافقة للشريعة، فهذا في الأقوال والأفعال. في الكلم الطيب، والعمل الصالح، في الأمور العلمية، والأمور العملية العبادية).
أخرج الطبراني في "الكبير" بسند حسن عن عباد بن تميم عن عمه مرفوعًا: [يا نعايا العرب! يا نعايا العرب! يا نعايا العرب! إنَّ أخوف ما أخاف عليكم الرياء والشهوة الخفية](1).
وقوله: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} . أي: وهو الغالب الذي لا يعجزه من عصاه، الستور لمن تاب واستعتب والتمس رضاه.
وقوله: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا} . قال ابن جرير: (طبقًا فوق طبق، بعضها فوق بعض). قال القرطبي: (و {طِبَاقًا} نعت لـ {سَبْعَ} فهو وصف بالمصدر).
وقوله: {مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ} . قال قتادة: (ما ترى فيهم من اختلاف).
وقال ابن كثير: ({مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ}، أي: بل هو مُصْطَحِبٌ مُسْتَوٍ، ليس فيه اختلافٌ ولا تنافرٌ ولا مخالفة، ولا نقصٌ ولا عيبٌ ولا خَلَلَ).
وقوله: {فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ} . قال ابن عباس: (أي: شقوق). وفي
(1) أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح. انظر "المجمع"(6/ 655). ورواه أبو نعيم في "الحلية"(7/ 122). والبيهقي في "الزهد"(2/ 37/ 2). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (508).
رواية: (أي: وَهِيٍّ). وقال السدي: ({هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ} أي: من خُرُوق). وقال قتادة: (أي هل ترى خَلَلًا يا ابن آدم؟ ). والمقصود: اردد طرفك إلى السماء فقلِّب البصر في أرجائها فانظر متأملًا هل ترى فيها عيبًا أو نقصًا أو شقوقًا.
وقوله: {ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ} . قال قتادة: (مرتين). أي رجعتين مرة بعد مرة. فإن النظرة الأولى قد لا تكشف العيب، فانظر الثانية نظر الفاحص المستكشف.
وقوله: {يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا} . قال ابن عباس: (ذليلًا). وقال مجاهد: (صاغرًا). فأخبر اللَّه تعالى أنه وإن نظر في السماء مرة بعد مرة متفحصًا لا يرى فيها عيبًا بل يتحيّر بالنظر إليها، ويرجع البصر خاشعًا صاغرًا متباعدًا عن رؤية أي عيب أو نقص أو خلل. وفي لغة العرب: خَسَأ البصر أي سَدِر -يعني لم يكد يبصر- من باب قَطَع وخَضَع. وخسأت الكلبَ أي أبعدته وطردته.
وقوله: {وَهُوَ حَسِيرٌ} . الحسور: الإعياء. قال قتادة: ({وَهُوَ حَسِيرٌ} يقول: مُعْيٍ لم ير خللًا ولا تفاوتًا). والمقصود: عاد البصر بعد التأمل حسيرًا -أي كليلًا- قد انقطع من الإعياء من كثرة التكرُّر ولا يرى نقصًا ولا عيبًا.
وقوله: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} . بيان لكمال زينة السماء وتمام خلقها وحسن تلألئها بعد نفي النقص أو العيب في صرحها. والمصابيح: الكواكب التي وضعت فيها السيَّارات والثوابتِ. قال النسفي: ({بِمَصَابِيحَ} بكواكب مضيئة كإضاءة الصبح، والمصابيح السرج، فسميت بها الكواكب والناس يزينون مساجدهم ودورهم بإيقاد المصابيح، فقيل: ولقد زينا سقف الدار التي اجتمعتم فيها بمصابيح، أي بأي مصابيح لا توازيها مصابيحكم إضاءة).
وقوله: {وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ} . أي وجعلنا الشهب التي تصدر عن هذه المصابيح رجومًا لأعدائكم من الشياطين. والرجوم: جمع رجم، وهو مصدر سُمِّيَ به ما يرجم به. قال قتادة:(خلق اللَّه تعالى النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يُهتدى بها في البر والبحر والأوقات. فمن تأوّل فيها غير ذلك فقد تكلّف ما لا علم له به، وتعدّى وظلم).
أخرج البخاري عن ابن عباس قال: [انطلق رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين. فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء
وأرسلت علينا الشهب. قال: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا ما حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الأمر الذي حدث، فانطلقوا فضربوا مشارق الأرض ومغاربها ينظرون ما هذا الأمر الذي حال بينهم وبين خبر السماء. قال: فانطلق الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بنخلة وهو عامد إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر. فلما سمعوا القرآن تسمعوا له فقالوا: هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء] (1).
فهؤلاء الشياطين ما عادوا يَحْظَون اليوم بخبر كامل من السماء كما كانوا قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، فربما استرقوا جزءًا من الخبر لا تكتمل معه قصة أو خبر قبل أن تحرقهم الشهب وتقطع عليهم السبيل.
قال شيخ الإسلام: (وقد أخبر سبحانه في كتابه من منافع النجوم، فإنه يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، وأخبر أنها زينة للسماء الدنيا، وأخبر أن الشياطين تُرجم بالنجوم).
قلت: وأما ما يربط به المنجمون بعض ما يحدث في الدنيا في حياة الناس من موتِ أحد مشاهيرهم، أو ولادة مولود لبعضهم، أو مما ينتظر بعضهم من أماني وأحلام في المستقبل يزعمون أن الأفلاك توجبه، فكل ذلك من الكذب على اللَّه بغير علم.
قال محمد بن كعب: (واللَّه ما لأحد من أهل الأرض في السماء نجم، ولكنهم يتخذون الكهانة سبيلًا ويتخذون النجوم علة).
وقوله: {وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ} . أي: وأعتدنا لهؤلاء الشياطين أشدّ الحريق مقابل ما تعاطوا به من السحر والكفر والكذب على اللَّه ورسله.
6 -
11. قوله تعالى: {وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (6) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (7) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (4921) - كتاب التفسير. ورواه مسلم والترمذي وغيرهما.
كَبِيرٍ (9) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (11)}.
في هذه الآيات: إعدادُ اللَّه نار جهنم ليعذب بها الكافرين، الذين كذبوا الرسل وعاندوا الوحي الكريم، ليذوقوا الخزي والندامة والألم في مستقرهم في الجحيم.
فقوله: {وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ} . أي أَعَدَّ اللَّه لكل من كفر به من الشياطين وغيرهم عذاب النار في الآخرة.
وقوله: {وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} . أي: وبئس المرجع والمآل والمستقر والمنقلب.
وقوله: {إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا} . قال ابن جريج: (يعني الصياح). وقوله: {وَهِيَ تَفُورُ} . قال مجاهد: (يقول: تغلي كما يغلي القِدْر). وقوله: {تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ} . قال ابن عباس: (تكاد يفارق بعضها بعضًا وتنفطر). وقال: (يقول: تتفرّق). قال ابن زيد: (التميز: التفرّق من الغيظ على أهل معاصي اللَّه غضبًا للَّه، وانتقامًا له). والمقصود: تكاد جهنم ينفصل بعضها من بعض، مِنْ شدّة غيظها على أهلها وحنقها بهم.
أي: كلما ألقي فيها جماعة من الكفار سألهم خزنة جهنم -على جهة التوبيخ والتقريع-: ألم يأتكم رسول في الدنيا ينذركم لقاء يومكم هذا ويحذركم مآسيه؟ ! فأجابوا: {بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ} حذرنا وأنذرنا فقابلناه بالتكذيب وقلنا: {مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ} أي على ألسنتكم معشر الرسل {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ} أي: في ذهاب عن الحق بعيد.
وفي التنزيل نحو ذلك:
1 -
قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15].
2 -
وفي صحيح مسلم عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [ليسَ أحَدٌ
أحَبَّ إليه المدحُ من اللَّه عز وجل، مِنْ أجْلِ ذلك مَدَحَ نَفْسَهُ، وليسَ أحَدٌ أَغْيَرَ من اللَّه، مِنْ أَجْلِ ذلك حَرَّمَ الفواحِشَ، وليس أحَدٌ أحبَّ إليه العُذرُ من اللَّه، مِنْ أجْل ذلك أنزل الكِتابَ وأرسَلَ الرُّسُل] (1).
وفي سنن أبي داود بسَند صحيح عن أبي البَخْتَرِيِّ الطائي قال: أخبرني من سمع النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: [لَنْ يهلكَ الناس حتى يَعْذِروا، أو يُعْذِروا، من أنفسهم](2).
وقوله تعالى: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} .
إِخْبَارٌ من اللَّه عز وجل عن وقوع الكافرين يوم الحسرة بالندامة، ورجوعهم على أنفسهم بالملامة. قال ابن جرير:(يقول تعالى ذكره: وقال الفوج الذي ألقي في النار للخزنة {لَوْ كُنَّا} في الدنيا {نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ} من النذر ما جاؤونا به من النصيحة، أو نعقل عنهم ما كانوا يدعوننا إليه {مَا كُنَّا} اليوم {فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} يعني أهل النار). والمقصود: ما كانوا يسمعون الإنذار سماع طالب الحق، ولا يعقلون حجج الوحي عقل المتأمل المتدبر، وهذا ما وَرَّطهم في العذاب يوم القيامة. قال النسفي:(وفيه دليل على أن مدار التكليف على أدلة السمع والعقل وأنهما حجتان ملزمتان).
وقوله: {فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ} . أي: أقروا بكفرهم في تكذيب الرسل ومعاندة حجج الوحي. ووحّد الذنب وقد أضيف إلى الجمع لأن فيه معنى الفعل، فالذنب بمعنى الجمع، فأدّى الواحد عن الجميع، كما يقال: خرج عطاء الناس أي أعطيتهم.
وقوله: {فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ} . قال ابن عباس: (يقول: بُعْدًا). قال القرطبي: (أي فَبُعْدًا لهم من رحمة اللَّه).
12 -
15. قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (13) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (2760) ح (35) - كتاب التوبة. باب غيرة اللَّه تعالى، وتحريم الفواحش. قال القاضي:(يحتمل أن المراد الاعتذار، أي اعتذار العباد إليه من تقصيرهم، وتوبتهم من معاصيهم، كما قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ}).- يفسِّر "العُذْر".
(2)
حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (4347)، بإسناد حسن، وجهالة الصحابي لا تضرّ، فالإسناد رجاله ثقات. وانظر صحيح سنن أبي داود (3653).
اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15)}.
في هذه الآيات: إثباتُ رفيع الأجر والثواب لأهل الخشية والخوف من اللَّه العظيم، الذي يعلم السر وأخفى وهو اللطيف الخبير الكريم، والذي ذلَّل الأرض لعباده ليسعوا في مناكبها وليشكروه على نعمه وليستعدوا للقائه في يوم الحشر العظيم.
فقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ} . قال ابن جرير: (يخافون ربهم {بِالْغَيْبِ} يقول: وهم لم يَرَوْه).
قلت: بل الخشية أخص من الخوف، فالخشية للعلماء باللَّه، والخوف لعامة المؤمنين. كما قال تعالى:{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]. وكما قال نبيه صلى الله عليه وسلم: [إني أتقاكم للَّه وأشدكم له خشية]- رواه مسلم.
وقوله: {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} . أي لهم عفو من اللَّه عن ذنوبهم، وثواب جزيل على خشيتهم إياه -سبحانه- بالغيب.
وقوله: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ} . اللفظ لفظ الأمر والمراد به الخبر. والتقدير: سواء أخفيتم قولكم وكلامكم أيها الناس أو أعلنتموه فإن إسراركم وإجهاركم قد أحاط به اللَّه.
وقوله: {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} . أي: إنه تعالى محيط بضمائر الصدور لا يخفى عليه منها شيء، فغيرها أحرى أن لا يخفى عليه.
وقوله تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} . أي: ألا يعلم السر من خلق السر، وهو {اللَّطِيفُ} بعباده {الْخَبِيرُ} بهم وبأعمالهم.
واللطيف اسم من أسماء اللَّه تعالى. ومعناه: الذي يوصِلُ إليك أَرَبَك في رِفْق. وقيل: هو الذي لَطُفَ عن أن يُدْرَكَ بالكيفية.
قال تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103].
وقال تعالى: {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ} [الشورى: 19].
والخبير: العالم العارف بما كان وما يكون. قال تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 18].
وقوله: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا} . أي: سهلة تستقرون عليها، قد سَهّلَها لكم. والذلول في كلام العرب المنقاد الذي يَذِلّ لك. والمصدر الذُّلُ وهو اللين والانقياد.
وقوله: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا} . أىِ في أطرافها ونواحيها وأرجائها. قال ابن عباس: (يقول: امشوا في أطرافها). وقال مجاهد: (في طرقها وفجاجها).
قال ابن كثير: (أي: فَسَافِروا حيث شِئْتُم من أقطارها، وتردّدوا في أقاليمها وأرجائها في أنواع المكاسب والتجارات، واعلموا أن سَعْيَكُم لا يُجْدي عليكم شيئًا، إلا أن يُيَسِّره اللَّه لكم، ولهذا قال: {وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} - فالسعي في السبب لا ينافي التوكل).
وفي سنن ابن ماجة والترمذي بسند حسن عن عمر بن الخطاب يقول: إنه سمع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: [لو أنكم تَتَوَكّلون على اللَّه حق توكله لرزقكم كما يرزقُ الطير، تَغْدو خِماصًا وتروح بِطانًا](1).
وقوله: {وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} . أي: وإليه المرجع سبحانه يوم القيامة، هو ينشركم من قبوركم للقيام بين يديه في أرض المحشر.
16 -
19. قوله تعالى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (17) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (18) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (19)}.
في هذه الآيات: تنبيهُ اللَّه تعالى عباده أن لا يأمنوا عقابه إن اختاروا طريق المعصية والآثام، فلقد أهلك سبحانه من قبلهم من أهل الكفر والمكر والإجرام، فهلا نظروا إلى بديع قدرته في حركة الطير فوقهم ما يمسكهن إلا الرحمان.
فقوله: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} . أي: أأمنتم اللَّه الذي استوى على العرش فوق سبع سماوات أن ينزل نقمته بأهل المعاصي والآثام. قال ابن عباس: (أأمنتم عذاب من في
(1) حديث حسن. أخرجه الترمذي (2344)، وابن ماجة (4164)، وأحمد (1/ 30)، وغيرهم.
السماء إن عصيتموه). وقيل: تقديره أأمنتم من في السماء قدرته وسلطانه وعرشُه ومملكتُه. قال القرطبي: (وخَصَّ السماءَ وإن عَمَّ مُلكُهُ تنبيهًا على أن الإله الذي تنفذ قدرته في السماء لا من يعظّمونه في الأرض). وقال ابن جرير -شيخ المفسرين-: ({أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} وهو اللَّه).
قلت: والآية دليل ساطع من أدلة العلو وأن اللَّه تعالى في السماء -أي: على السماء- فإن {فِي} -في هذه الآية كما ذكر البيهقي والذهبي وأئمة السلف- تعني "على".
وفي التنزيل نحو ذلك:
1 -
قال تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10].
2 -
وقال تعالى: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} [السجدة: 5].
3 -
وقال تعالى: {تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (4) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 4 - 5].
ومن كنوز صحيح السنة في آفاق ذلك أحاديث، منها:
الحديث الأول: أخرج مسلم عن جابر: [-أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يوم عرفة-: ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. فجعل يرفع أصبعه إلى السماء وينكتها إليهم ويقول: اللهم اشهد). وفي رواية: [فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكُتُها إلى الناس، اللهم اشهد، اللهم اشهد، ثلاث مرات](1).
الحديث الثاني: أخرج أبو داود والترمذي بسند صحيح عن عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا: [الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء](2).
الحديث الثالث: أخرج مسلم في صحيحه عن أبي سعيد قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [ألا تأمنوني وأنا أمين مَنْ في السماء؟ يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً](3).
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (4/ 39 - 43). وانظر مختصر صحيح مسلم -حديث رقم- (707).
(2)
حديث صحيح. أخرجه أبو داود (4941)، والترمذي (1/ 350)، وأحمد (2/ 160)، وغيرهم.
(3)
حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم (514) ص (140)، وهو جزء من حديث طويل.
وقوله: {أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ} . أي كما خسف بقارون. {فَإِذَا هِيَ تَمُورُ} أي: تضطرب وتتحرك. والمَوْر: الاضطر اب بالذهاب والمجيء.
وقوله: {أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} -وهو اللَّه- {أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا} . قال ابن جرير: (وهو التراب فيه الحصباء الصغار). وقال القرطبي: (أي حجارة من السماء كما أرسلها على قوم لوط وأصحاب الفيل. وقيل: ريحٌ فيها حجارة وحَصْباء. وقيل: سحاب فيه حجارة).
وقوله: {فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ} . أي: فستعلمون كيف يكون إنذاري وعاقبة من كذّب به. قال النسفي: (أي إذا رأيتم المنذر به علمتم كيف إنذاري حين لا ينفعكم العلم).
وقوله: {وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} . أي: ولقد كذب -يا محمد- الذين من قبل هؤلاء المشركين من قريش من الأمم السالفة والقرون الخالية رسلهم.
وقوله: {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} . قال ابن كثير: (أي: فكيف كان إنكاري عليهم ومعاقبتي لهم؟ أي: عظيمًا شديدًا أليمًا).
وقوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ} . قال مجاهد: (بَسْطُهُنَّ أجنحتهنَّ وقبضهنّ). وقال قتادة: ({صَافَّاتٍ}: الطير يصف جناحه كما رأيت، ثم يقبضه). والمقصود: أولم ينظر هؤلاء القوم نظرة تأمل في جماعات الطير، تارة يَصْفُفْنَ أجنحتهنَّ في الهواء، وتارة تجمع جناحًا وتنشر جناحًا.
وقوله: {مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ} . أي: ما يمسك الطير في الجو فوقكم إلا الرحمن، بما سخّر لهن من الهواء، وبما دبّرَ لهن من بنية يتأتى منها الجري في الجوّ. كما قال تعالى:{أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل: 79].
وقوله: {إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ} . قال القاشاني: (أي فيعطيه ما يليق به، ويُسَوِّيه بحسب مشيئته، ويودع فيه ما يريده بمقتضى حكمته، ثم يهديه إليه بتوفيقه). وقال ابن جرير: (يقول: فلهم بذلك مذكر إن ذكروا، ومعتبر إن اعتبروا، يعلمون به أن ربهم واحد لا شريك له {إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ} يقول: إن اللَّه بكل شيء ذو بصر وخبرة، لا يدخل تدبيره خلل، ولا يُرى في خلقه تفاوت).
20 -
27. قوله تعالى: {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (20) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (21) أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (22) قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (23) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (25) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (26) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (27)}.
في هذه الآيات: تنبيهُ العباد أن النصر والرزق بيد اللَّه العلي الكريم، الذي خلق الأرض وبَثَّ فيها العباد وجعل لهم السمع والأبصار ليشكروه وإليه المرجع يوم الحشر العظيم، يوم يرسل اللَّه الخزي والندامة والمذلة على الكافرين.
فقوله: {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ} . تبكيت وتقريع بالمشركين الذين عبدوا مع اللَّه آلهة يبتغون بذلك النصر والرزق، ويظنون أنها تقربهم إلى اللَّه زلفى. قال ابن جرير:(يقول: من هذا الذي هو جند لكم أيها الكافرون به ينصركم من دون الرحمن إن أراد بكم سوءًا، فيدفع عنكم ما أراد بكم من ذلك).
وقول: {إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ} . قال القرطبي: (من الشياطين، تَغرّهم بأن لا عذاب ولا حساب).
وقوله: {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ} . أي: أم من هذا الذي هو يطعمكم ويسقيكم، ويأتي بأقواتكم ويغدق عليكم ويعطيكم حوائجكم، إن قطع اللَّه رزقه عنكم؟ !
وقوله: {بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ} . قال ابن عباس: (يقول: في ضلال). وقال جماهد: ({بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ} قال: في كفور). والمقصود: بل استمروا في طغيانهم وتماديهم وضلالهم وشرودهم عن الحق.
وقوله تعالى: {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} .
مثل ضربه اللَّه للمؤمن والكافر، فالكافر يمضي في ضلاله وتخبطه كالمنكِّس رأسه لا ينظر أمامه ولا يمينه ولا شماله، فهو لا يأمن من العثور والانكباب على وجهه، وأما المؤمن فهو يمضي في طريقه مطمئنًا يستضيء بنور إيمانه ويقينه، فهو كالذي يمشي سويًا معتدلًا ناظرًا ما بين يديه وعن يمينه وعن شماله، يبصر العقبات ويحذر العثرات.
وقوله: {قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ} . أي خلقكم ابتداء. قال القرطبي: (أمر نبيه أن يعرّفهم قبح شركهم مع اعترافهم بأن اللَّه خلقهم).
وقوله: {وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ} . قال النسفي: (خصّها لأنها آلات العلم). فالسمع تسمعون به، والأبصار تبصرون بها، والأفئدة تعقلون بها.
وقوله: {قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} . قال القاسمي: (أي باستعمالها فيما خلقت له).
وقوله: {قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ} . قال ابن عباس: (أي خلقكم في الأرض). وقال ابن شجرة: (نشركم فيها وفرّقكم على ظهرها).
وقوله: {وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} . أي: وإليه تجمعون من قبوركم لمشهد الحساب ونيل الثواب والعقاب.
وقوله تعالى: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} . استهزاء من المشركين بيوم المعاد. أي يقولون: متى يوم القيامة! ومتى هذا العذاب الذي تعِدوننا به إن كنتم صادقين في وعدكم! أعلمونا زمانه وميعاده؟ !
وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ} .
أي: قل لهم يا محمد: إن وقت قيام الساعة موكول أمره وعلمه إلى اللَّه، فلا يشاركه في علمه غيره، وإنما أنا {نَذِيرٌ} أي: مخوِّف ومعلم لكم، {مُبِينٌ}: أبيّن لكم الشرائع.
وقوله: {فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً} . أي قريبًا. فهو مصدر بمعنى مُزْدَلَفًا. قال مجاهد: ({زُلْفَةً}: قد اقترب). وقال الحسن: (لما عاينوه).
وقوله: {سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا} . قال قتادة: (لما رأوا عذاب اللَّه زلفة، يقول: سيئت وجوههم حين عاينوا من عذاب اللَّه وخزيه ما عاينوا). وقال ابن زيد: (الزلفة حاضر قد حضرهم عذاب اللَّه عز وجل.
وفي التنزيل: {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (47) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الزمر: 47 - 48].
وقوله: {وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ} . قال ابن زيد: (استعجالهم العذاب). أي: يقال لهم حينئذ على وجه التقريع والتوبيخ: هذا الذي كنتم تكذبون وتدّعون من أجله الأباطيل والأحاديث، هذا هو العذاب الذي كنتم به تذكرون ربكم أن يعجله لكم وتتمايلون مستهزئين.
28 -
30. قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (28) قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (29) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (30)}.
في هذه الآيات: إثباتُ مرجع الأمر كله للَّه العلي العظيم، فهو الرحمان عليه يتوكل المؤمنون وسيعلم الكفار أنهم أهل الضلال المبين. مَنْ يأتيكم أيها الناس بالماء إن غار في أرضكم سوى اللَّه الحكيم الكريم!
فقوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا} . أي: قل يا محمد للمشركين من قومك أرأيتم أيها الناس إن أماتني اللَّه وأصحابي أو أخّر آجالنا.
وقوله: {فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} . قال ابن كثير: (أي خَلِّصوا أنفسكم، فإنه لا مُنْقِذَ لكم من اللَّه إلا التوبةُ والإنابةُ، والرجوعُ إلى دينه، ولا ينفعكم وقوعُ ما تتمنون لنا من العذاب والنكال، فسواء عذبنا اللَّه أو رحِمنا، فلا مناصَ لكم من نكاله وعذابه الأليم الواقع بكم).
وقوله: {قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا} . قال النسفيّ: (أي الذي أدعوكم إليه الرحمان {آمَنَّا بِهِ} صدقنا به ولم نكفر به كما كفرتم {وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا} فوضنا إليه أمورنا).
وقوله: {فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} . أي: فستعلمون معشر المشركين إذا نزل العذاب بكم {مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} نحن أم أنتم، وسترون لمن تكون العاقبة في الدارين.
وقوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا} . الغائر: الذاهب في الأرض وهو ضد النابع. أي: قل يا محمد -يا معشر قريش- ماذا لو غار ماء آباركم وينابيعكم فذهب في الأرض
لا تناله الدلاء، ولا الفؤوس الحداد، ولا السواعد الشداد. قال القرطبي:(وكان ماؤهم من بئرين: بئر زمزم وبئر ميمون).
وقوله: {فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ} . إظهار بديع لرحمة اللَّه في خلقه، لعل المشركين يكفرون بالطواغيت ويعظمون أمره، وينصرفون إلى امتثال شرعه!
قال ابن عباس: ({فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ} يقول: بماء عذب). وقال قتادة: (الماء المعين: الجاري). وقال سعيد بن جبير: (الظاهر). وفي رواية أخرى عن ابن عباس: ({بِمَاءٍ مَعِينٍ} أي ظاهر تراه العيون).
وبناء على ذلك فإن {مَعِينٍ} أي ظاهر تراه العيون، فهو مفعول، أو هو من مَعَن الماء إذا كثُر فهو على وزن فعيل، أي هو كثير جار ونابع وسائح على وجه الأرض.
والمقصود: لابد لهم أمام هذا القرع الرائع أن يقولوا إنما يأتينا به اللَّه، فقل لهم يا محمد: فلم تشركون به من لا يقدر على التحكم بمياهكم وآباركم وينابيعكم! وليس له أمر إجرائها في سائر أقطار البلاد، حسب حاجة البهائم والعباد.
أخرج الحاكم على شرط الشيخين عن ابن عباس قال: [ما مِن عام بأكثر مطرًا من عام، ولكن اللَّه يصرفه بين خلقه حيث يشاء، ثم قرأ: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا} [الفرقان: 50]] (1).
وله شاهد عند البغوي عن ابن مسعود يرفعه: [ليس من سنة بأمَرَّ من أخرى، ولكن اللَّه قسم هذه الأرزاق، فجعلها في السماء الدنيا في هذا القطر، ينزل منه كل سنة بكيل معلوم ووزن معلوم، وإذا عمل قوم بالمعاصي حوّلَ اللَّه ذلك إلى غيرهم، فإذا عصوا جميعًا صرف اللَّه ذلك إلى الفيافي والبحار](2).
تم تفسير سورة الملك بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر الأحد 11 شوال 1426 هـ الموافق 13/ تشرين الثاني/ 2005 م
(1) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (2/ 403)، وابن جرير في "التفسير"(19/ 15)، وهو صحيح على شرط الشيخين. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (2461).
(2)
صحيح مرفوع. أخرجه البغوي في "معالم التنزيل"(6/ 184 - منار). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة ج (5) ص (593). وقوله: "بأمَرّ" أي بأسوأ.