الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
71 - سورة نوح
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (28).
موضوع السورة
خبر نوح عليه الصلاة والسلام وقصة إغراق اللَّه أهل الكفر والإجرام
-
منهاج السورة
-
1 -
إرسال اللَّه نبيه نوحًا عليه الصلاة والسلام، لينذر قومه مغبة الشرك باللَّه وتعظيم الشهوات والآثام.
2 -
صَبْرُ نوح صلى الله عليه وسلم على أذى قومه اللئام، وهو يدعوهم إلى تعظيم اللَّه وعبادته وشكره على جميل الإنعام، ونتائج ذلك عليهم برغد العيش وحياة الكرام.
3 -
بثُّ نوح الشكوى إلى اللَّه العظيم، عما يلقاه من تمرد قومه واتباعهم سبل الشياطين.
4 -
إغراق اللَّه قوم نوح الكافرين، ودعاء نوح ربه إهلاك من في الأرض من المجرمين، والمغفرة له ولوالديه ولجميع المؤمنين.
بسم الله الرحمن الرحيم
1 -
4. قوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (1) قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (4)}.
في هذه الآيات: إخبار اللَّه تعالى عن إرساله نبيّه نوحًا صلى الله عليه وسلم إلى قومه لينذرهم بأسه -جَلَّت عظمته- قبل حلوله، فإن تداركوا أنفسهم بالتوبة والإنابة وإفراده تعالى بالتعظيم ورسوله بالمتابعة رفع عنهم سخطه وكفّر عنهم سيئاتهم ومَدَّ في أعمارهم بالراحة والهناءة في العيش، ليوافقوا الأجل المسمى لهم في أم الكتاب.
فقوله: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} . نوح صلى الله عليه وسلم هو أول رسول إلى أهل الأرض.
ففي الصحيحين والمسند من حديث أبي هريرة -حديث الشفاعة- مرفوعًا: [فيقول آدم عليه السلام: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مِثْلَه، ولن يغضبَ بعدَه مِثْلَهُ، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي نفسي، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح. فيأتون نوحًا صلى الله عليه وسلم فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وسمّاك اللَّه عبدًا شكورًا فاشفع لنا إلى ربك. . .] الحديث (1).
وقوله: {أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ} . أي بأن أنذر قومك، فموضع {أَنْ} نصب بإسقاط الخافض. ويجوز {أَنْ} بمعنى المفإرة فلا محل لها من الإعراب. - حكاه القرطبي.
وقوله: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} . قال ابن عباس: (يعني عذاب النار في الآخرة).
وقال الكلبي: (هو ما نزل عليهم من الطوفان). وقيل: أي أنذرهم العذاب الأليم على الجملة إن لم يؤمنوا.
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه -حديث رقم- (3340)، كتاب أحاديث الأنبياء، وأخرجه مسلم (1/ 127 - 129). ورواه أحمد.
وقوله تعالى: {قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ} . أي مخّوف بَيِّن النذارة، ظاهر الأمر واضحه، ومظهره بلسانكم الذي تعرفونه.
وقوله تعالى: {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ} . قال قتادة: (أرسل اللَّه المرسلين بأن يُعْبَد اللَّهُ وحدَه، وأن تتقى محارمه، وأن يُطاع أمره).
وقوله: {يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ} . أي: إنْ أثبتّم للَّه تعالى وحده التعظيم، فأفردتموه بالعبادة وأفردتم رسوله بالمتابعة فيما جاءكم به من الوحي الكريم، غفر اللَّه لكم ذنوبكم.
وفي {مِنْ} أكثر من تأويل عند المفسرين:
التأويل الأول: {مِنْ} صلة زائدة. والتقدير: يغفر لكم ذنوبكم. قاله السدي.
التأويل الثاني: {مِنْ} للتبعيض. والتقدير: يغفر لكم بعض ذنوبكم، وهو ما لا يتعلق بحقوق المخلوقين. قال ابن كثير:(وقيل: إنها للتبعيض، أي: يغفر لكم الذنوب العِظام التي وعدكم على ارتكابكم إياها الانتقام).
التأويل الثالث: {مِنْ} بمعنى "عن". والتقدير: يصفح لكم عن ذنوبكم. واختاره ابن جرير. وقال زيد بن أسلم: (المعنى يخرجكم من ذنوبكم). وقال ابن شجرة: (يغفر لكم من ذنوبكم ما استغفرتموه منها).
وقوله: {وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} . فيه أقوال متكاملة.
1 -
قال ابن عباس: (أي ينسئ في أعماركم). ومفهومه: أن اللَّه تعالى كان قد قضى قبل خلقهم أنهم إن آمنوا بارك في أعمارهم، وإن لو يؤمنوا عوجلوا بالعذاب. - حكاه القرطبي.
2 -
قال مقاتل: (يؤخركم إلى منتهى آجالكم في عافية، فلا يعاقبكم بالقحط وغيره). ومفهومه: يؤخركم اللَّه بذلك من العقوبات والشدائد إلى آجالكم.
3 -
قال الزجاج: (أي يؤخركم عن العذاب فتموتوا غير موتة المستأصلين بالعذاب). وعن الفراء: ({أَجَلٍ مُسَمًّى} عندكم تعرفونه، لا يميتكم غَرَقًا ولا حَرقًا ولا قتْلًا).
قلت: وزيادة العمر في الطاعة والبر وصلة الرحم زيادة حقيقية، وهي في علم اللَّه تعالى ومكتوبة في اللوح المحفوظ، وقد ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة.
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك، أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:[مَنْ أحَبَّ أن يُبْسَطَ له في رزقه، ويُنْسَأَ له في أثرِه، فليصل رحِمه](1).
وفي رواية: [مَنْ سَرَّه أن يُبْسَطَ له في رزقه أو يُنْسَأَ له في أثرِهِ فليصل رَحِمَه](2).
قال الألباني رحمه الله: (هذا الحديث نص في أن صلة الرحم سبب للزيادة في الرزق وطول العمر، ولا ينافيه أن الرزق والعمر مقدران، فإنهما مقدران بأسبابهما. ألا ترى أن دخول الجنة أو النار مقدر أيضًا، ومع ذلك فدخولهما مربوط بالسبب من الإيمان أو الكفر. قال: فإذا قلنا طال عمره حقيقة بصلته للرحم فهو كما لو قلنا: دخل الجنة بإيمانه ولا فرق).
الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بإسناد صحيح عن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها:[إنّه من أعطي حظّه من الرفق، فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة، وصلة الرحم، وحسن الخلق وحسن الجوار، يعمران الديار، ويزيدان في الأعمار](3).
الحديث الثالث: أخرج الطبراني بسند حسن عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصدقة السر تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر](4).
وقوله: {إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} . قال ابن كثير: (أي: بادِرُوا بالطاعة قبل حلول النقمة، فإنه إذا أَمَرَ تعالى بِكَوْنِ ذلك لا يُرَدُّ ولا يُمانَعُ، فإنه العظيم الذي قَهَرَ كُلَّ شيءٍ، العزيزُ الذي دانت لعِزَّته جميع المخلوقات).
5 -
20. قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9)
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (5986)، كتاب الأدب. وأخرجه مسلم (8/ 8).
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (2067)، كتاب البيوع. باب من أحب البَسْطَ في الرزق. وانظر مختصر صحيح مسلم (1762) - تحقيق الألباني. وكذلك التعقيب عليه ص (470).
(3)
حديث صحيح. أخرجه أحمد (6/ 159) ورجاله ثقات. وله شاهد رواه الترمذي (1/ 362).
(4)
حديث حسن. انظر تخريج "الترغيب"(2/ 31)، وصحيح الجامع الصغير (3691). وسنده حسن.
فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (16) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (17) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (18) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (19) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (20)}.
في هذه الآيات: إخبارُ اللَّه تعالى عن صبر نبيِّه -نوح صلى الله عليه وسلم على دعوة قومه وأذاهم في تلك المدة الطويلة التي هي ألف سنة إلا خمسين عامًا وهو يدعوهم ليلًا ونهارًا وسرًا وجهارًا، فلم يزدادوا إلا عتوًا ونفورًا واستكبارًا، وأنه دعاهم إلى تعظيم اللَّه واستغفاره وشكره الذي ينعكس عليهم رزقًا وخيرًا وأنهارًا، ومع ذلك أصروا على الكفر والمنكر وتناسوا النعم فهم لا يرجون للَّه وقارًا.
فقوله تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا} . قال النسفي: (دائبًا بلا فتور).
والمقصود: واصلت لهم الدعاء ودأبت في ذلك بالليل والنهار حرصًا على نجاتهم.
وقوله تعالى: {فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا} . قال القرطبي: (أي تباعدًا من الإيمان).
وقال ابن جرير: (يقول: إلا إدبارًا عنه (1) وهربًا منه وإعراضًا عنه).
وقوله: {وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ} . أي: لئلا يسمعوا دعائي. قال ابن كثير: (أي سَدُّوا آذانهم لئلا يسمعوا ما أدعوهم إليه. كما أخبر تعالى عن كفار قريش: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت: 26]).
وقوله تعالى: {وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ} . قال ابن عباس: (تنكَّروا له لئلا يعرفهم).
وقال سعيد بن جبير: (غطوا رؤوسهم لئلا يسمعوا ما يقول).
وقوله: {وَأَصَرُّوا} . أي: ركبوا رؤوسهم بالاستمرار على ما هم عليه من الكفر والشّر فلم يتوبوا. والإصرار على الذنوب من أكبر الكبائر وفيه الوعيد الشديد.
فقد أخرج البخاري في "الأدب المفرد"، وأحمد في المسند، بإسناد صحيح، عن
(1) أي عن الحق الذي دعاهم إليه.
عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا: [ارْحَموا تُرْحموا، واغْفِروا يُغْفَر لكم، وويل لأقماع القول، وويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون](1).
قال الزمخشري: (من المجاز: "ويل لأقماع القول" وهم الذين يستمعون ولا يعون).
والمقصود: تشبيه الذين يستمعون القول فلا يعونه ولا يعملون به بالأقماع -جمع قِمْع، وهو الإناء الذي يجعل في رأس الظرف ليملأ بالمائع- لا تعي شيئًا مما يفرغ فيها، فكأنه يمر عليها مجتازًا كما يمر الشراب في القمع.
وقوله: {وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا} . {اسْتِكْبَارًا} تفخيم. قال ابن جرير: (يقول: وتكبروا فتعاظموا عن الإذعان للحقّ، وقبول ما دعوتهم إليه من النصيحة).
وقوله تعالى: {ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا} . أي جهرة بين الناس. قال مجاهد: (الجهار الكلام المعلن به).
وقوله: {ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ} . أي صرخت لهم ورفعت صوتي بإنذارهم.
قال مجاهد: ({أَعْلَنْتُ لَهُمْ} يقول: صحت بهم).
وقوله: {وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا} . قال مجاهد: (فيما بيني وبينهم).
أي: أخفيت دعوتي بيني وبين بعضهم، وأتيتهم في منازلهم، فنَوّعت في أساليب تلطَّفي لهم، لقبول دعوتي حرصًا على نجاتهم.
وقوله تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} . أي: فقلت لهم: سلوا اللَّه المغفرة من ذنوبكم السالفة وما اجترحتم من الآثام، بإخلاصكم إليه التقرب والتوسل بصحيح الإيمان، إنه سبحانه هو السِّتير الغفار صاحب الغفران.
قال الفضيل: (يقول العبد: أستغفر اللَّه. وتفسيرها أَقِلْني).
وقوله تعالى: {يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} . قال البخاري: قال ابن عباس: ({مِدْرَارًا}: يتبع بعضها بعضًا). أي: إنكم إن أخلصتم التعظيم والعبادة للَّه العظيم،
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في "الأدب المفرد"(380)، وأحمد (2/ 165)، (2/ 219)، وأخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند"(1/ 42). وإسناده صحيح رجاله كلهم ثقات. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (482).
وأحسنتم الاستغفار والإنابة إليه سقاكم من غيث كثير متتابع إنه هو البرّ الرحيم. وقال النسفي: ({مِدْرَارًا} كثيرة الدّرور).
يروي ابن جرير بإسناده عن الشعبي قال: (خرج عمر بن الخطاب يستسقي، فما زاد على الاستغفار، ثم رجع فقالوا: يا أمير المؤمنين ما رأيناك استسقيت، فقال: لقد طلبت المطر بمجاديح (1) السماء التي يستنزل بها المطر، ثم قرأ:{فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} ، وقرأ الآية التي في سورة هود حتى بلغ:{وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ} [هود: 52]).
وقال الأوزاعي: (خرج الناس يستسقون، فقام فيهم بلال بن سعد فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال: اللهم إنا سمعناك تقول: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} [التوبة: 91] وقد أقررنا بالإساءة، فهل تكون مغفرتك إلا لمثلنا؟ ! اللهم اغفر لنا وارحمنا واسقنا! فرفع يديه ورفعوا أيديهم فَسُقوا).
وقوله تعالى: {وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} .
قال قتادة: (علم نبي اللَّه صلى الله عليه وسلم أنهم أهل حرص على الدنيا فقال: هلمّوا إلى طاعة اللَّه، فإن في طاعة اللَّه درك الدنيا والآخرة).
وقال ابن صبيح: (شكا رجل إلى الحسن الجدوبة فقال له: استغفر اللَّه. وشكا آخر إليه الفقر فقال له: استغفر اللَّه. وقال له آخر: ادع اللَّه أن يرزقني ولدًا، فقال له: استغفر اللَّه. وشكا إليه آخر جفاف بستانه، فقال له: استغفر اللَّه. فقلنا له في ذلك؟ فقال: ما قلت من عندي شيئًا، إن اللَّه تعالى يقول في سورة "نوح": {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا}).
قال ابن كثير: (أي: إذا تُبْتم إلى اللَّه واستغفرتموه وأطعتموه كَثُرَ الرزقُ عليكم، وأسقاكم من بَرَكات السماء، وأنبت لكم من بركات الأرض، وأنبتَ لكم الزرعَ، وأدرَّ لكم الضَّرعَ، وأمدَّكم بأموال وبنينَ، أي: أعطاكمُ الأموالَ والأولادَ، وجعل لكم جناتٍ فيها أنواع الثمار، وخَلَّلهَا بالأنهار الجارية بينها).
وقوله تعالى: {مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} . ترهيب بعد ترغيب. وفيه أقوال متقاربة:
(1) المجدح: نجم من النجوم، وهو عند العرب من الأنواء الدالة على المطر، فجعل الاستغفار مشبهًا بالأنواء مخاطبة بما يعرفونه لا قولًا بالأنواء. اهـ ابن الأثير.
1 -
قال ابن عباس: ({مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} يقول: عظمة). وقال مجاهد: (لا تبالون للَّه عظمة). أو قال: (لا تبالون عظمة ربكم. قال: والرجاء: الطمع والمخافة).
2 -
قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس:(ما لكم لا تعظمون اللَّه حق عظمته).
3 -
قال ابن عباس في رواية أخرى: (ما لكم لا تعلمون للَّه عظمة).
4 -
قال قتادة: ({مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا}: لا ترجون للَّه عاقبة).
5 -
قال ابن زيد: ({مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} قال: الوقار الطاعة).
والخلاصة: عدل القرآن بهم من دعوتهم بمقام الترغيب إلى دعوتهم بمقام الترهيب من اللَّه وبأسه ونقمته وجبروته.
وقوله تعالى: {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا} . أي: وقد خلقكم سبحانه حالًا بعد حال، طورًا نطفة، وطورًا علقة، وطورًا مضغة. قال ابن عباس:({وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا}. يقول: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة). قال مجاهد: (من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم ما ذكر حتى يتمّ خلقه). وقال قتادة: (طورًا نطفة، وطورًا علقة، وطورًا عظامًا، ثم كسا العظام لحمًا، ثم أنشأه خلقًا آخر، أنبت به الشعر، فتبارك اللَّه أحسن الخالقين).
وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا} . هو دليل آخر يقرع اللَّه به آذان وأبصار المشركين: أنَّ الذي قدّر هذا التركيب العلوي العجيب يجب أن يُعْبَد. وعن ابن عباس: ({طِبَاقًا}. بعضها فوق بعض، كل سماء مطبقة على الأخرى كالقباب). قال القرطبي: (وقوله {أَلَمْ تَرَوْا} على جهة الإخبار لا المعاينة. قال: {طِبَاقًا} نصب على أنه مصدر، أي مطابقة طباقًا. أو حال بمعنى ذات طباق، فحذف ذات وأقام طِباقًا مقامه).
وقوله تعالى: {وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا} . هو كقوله جلت عظمته: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [يونس: 5].
قال ابن كثير: ({وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا} . أي: فاوت بينهما في الاستنارة، فجعل كُلًا منهما أُنموذَجًا على حِدَةٍ، لِيُعْرَفَ الليلُ والنهار بمطلَع الشمس
وَمَغيبها، وقدَّر القمر منازلَ وبُروجًا، وفاوت نورَهُ، فتارةً يزدادُ حتى يتناهى ثم يشرع في النقص حتى يسْتَسِرَّ، ليدلَّ على مضي الشهور والأعوام).
وقوله تعالى: {وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا} . قال ابن جريج: (يعني آدم عليه السلام خلقه من أديم الأرض كلها). وقال النسفي: ({وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} أنشأكم، استعير الإنبات للإنشاء {نَبَاتًا} فنبتم نباتًا). وقال ابن جريج: (أنبتهم في الأرض بالكِبَر بعد الصِّغَر وبالطول بعد القِصَر).
قلت: وقد ثبت في السنة الصحيحة أن اللَّه تبارك وتعالى قبض قبضة من جميع ترب الأرض فخلق منها آدم، فجاء نسله متفاوتًا حسب طبيعة تلك الترب، فأشبه خلق الإنسان خلق النبات وترعرعه.
فقد أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [إنَّ اللَّه خلقَ آدَمَ من قُبْضَةٍ قَبَضَها من جميع الأرض، فجاءَ بنو آدَمَ على قَدْر الأرض، فجاءَ مِنهم الأحْمَرُ، والأبيضُ، والأسودُ، وبين ذلك، والسَّهْلُ، والحَزْنُ، والخبيثُ، والطيِّبُ](1).
وقوله تعالى: {ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا} . أي: ثم يعيدكم في الأرض عند موتكم فتدفنون فيها، إلى أن يخرجكم من قبوركم بالنشور للبعث يوم القيامة.
وقوله تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا} . أي مبسوطة تستقرون عليها، فقد مَهَّدَها لكم لتصلح لانتشاركم في معايشكم، وقرَّرها وثَبَّتها بالجبال الراسيات والشمِّ الشامخات.
وقوله تعالى: {لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا} . قال ابن عباس: (يقول: طرقًا مختلفة).
وقال قتادة: (طرقًا وأعلامًا). والفجاج: جمع فجّ: وهو الطريق. والمعنى: يقول نوح لقومه -في معرض تذكيرهم نعم ربه عليهم-: إن اللَّه تعالى قد مهّدَ لكم هذه الأرض وبسطها لتستقروا عليها، ولتسلكوا منها طرقًا صعابًا متفرقة في أرجائها وأطرافها ونواحيها لالتماس مصالحكم. فجمع لكم بذلك بين تسخير المنشآت العلوية والسفلية، لتنالوا من الفوائد والمنافع السماوية والأرضية. أفلا يحملكم هذا على إفراده تعالى بالعبادة والتعظيم، فتعبدوه ولا تشركوا به شيئًا؟ !
(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد والترمذي من حديث أبي موسى. انظر صحيح سنن الترمذي -حديث رقم- (2355)، أبواب تفسير القرآن. والسلسلة الصحيحة (1630).
21 -
24. قوله تعالى: {قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (21) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (22) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (24)}.
في هذه الآيات: بثُّ نوحٍ عليه السلام الشكوى إلى اللَّه العظيم، عما يلقاه من عصيان قومه واتباعهم الهوى وتعظيم الأصنام وما يملي لهم الشيطان الرجيم، وأهل الدنيا والشهوات وَمَنْ مُتِّعَ بأموال وبنين.
فقوله تعالى: {قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي} . قال القرطبي: (شكاهم إلى اللَّه تعالى، وأنهم عصوه ولم يتّبعوه فيما أمرهم به من الإيمان).
وقوله: {وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا} . أي واتبعوا ساداتهم وأغنياءهم وكبراءهم من أبناء الدنيا والشهوات ممن لم يزدهم كفرهم وأموالهم وأولادهم إلا ضلالا في الدنيا وهلاكًا في الآخرة.
وقوله تعالى: {وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا} . قال مجاهد: (عظيمًا). وقال ابن زيد: (كثيرًا).
قال المبرد: ({كُبَّارًا} بالتشديد للمبالغة)(1).
والمقصود: مكروا مكرًا كبيرًا عظيمًا، في إصرارهم على الكفر والكبر، وتحريشهم السفلة على قتل نوح ومحاصرة دعوته.
وقوله تعالى: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} .
أي: وقال الرؤساء لسفلتهم حافظوا على آلهتكم ولا تتركوا هذه الأنصاب وعظموها.
قال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى: أخبرنا هشامٌ عن ابنِ جُرَيجٍ. وقال عطاءٌ عن ابن عباس رضي الله عنهما: [صارت الأوثان التي كانت في قوم نوحٍ في العرب بعْدُ، أَمَّا وَدٌّ: فكانت لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الجَنْدَل، وأما سُوَاعٌ: فكانت لِهُذَيْلٍ، وأمّا يغوثُ:
(1) وفي لغة العرب: أمر عجيب وعُجَاب وعُجَّاب، ورجل طويل وطُوَال وطوَّال، وشاب حسن وحُسَّان، وجميل وَجُمَّال، ونحو ذلك بالتخفيف والتشديد، بمعنى واحد.
فكانت لِمُرادٍ ثُمَّ لبني غُطَيْفٍ، بالجُرْفِ عِنْدَ سَبَأٍ، وأمّا يعوقُ: فكانت لِهَمْدانَ، وأَمَّا نَسْرٌ: فكانَتْ لِحِمْيَرَ، لآلِ ذِي الكَلاع، أسماء رجالٍ صالحين مِنْ قومِ نوح، فلما هَلَكُوا أوْحى الشيطان إلى قومهم أن انْصِبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنْصابًا وسَمّوها بأسْمائهم، فَفَعَلُوا، فلم تُعْبَدْ، حتى إذا هلك أولئِكَ وتَنَسَّخَ العِلْمُ عُبِدَتْ] (1).
وقال ابن جرير: حَدَّثَنَا ابن حُمَيد، حدَّثنا مهرانُ، عن سفيان، عن موسى، عن محمد بن قيس {وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} قال:(كانوا قومًا صالحين بين آدم ونوح. وكان لهم أتباعٌ يقتدون بهم، فلما ماتُوا قال أصحابهُم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صَوَّرناهم كان أشوق لنا إلى العبادةِ إذا ذكرناهم. فصَوَّروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دَبَّ إليهم إبليسُ فقال: إنما كانوا يعبدُونهم وبهم يُسْقَون المطرَ. فعبدوهم).
والخلاصة: هذه كانت أكبر أصنامهم التي صوَّروها وأوحى الشيطان إليهم فنصبوا لها أنصابًا وعبدوها. فودّ صنم على صورة رجل، وسواعٌ على صورة امرأة، ويغوث على صورة أسد، ويعوق على صورة فرس، ونسرٌ على صورة نسر. وقد انتقلت هذه الأصنام عن قوم نوح إلى العرب، فكان ودّ لكلب، وسواع لهمدان، ويغوث لمذحج، ويعوق لمراد، ونسر لحمير.
وقوله: {وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا} . أي: وقد ضلّ بعبادة هذه الأصنام خلق كثير، فاستمرت عبادتها في العرب والعجم إلى الأزمنة التي بعدها إلى يومنا هذا.
قال ابن جرير: (فَنُسِبَ الضلال إذ ضَلَّ بها عابدوها إلى أنها المُضِلّة).
وقد قال الخليل عليه السلام في دعائه: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ} [إبراهيم: 35 - 36].
وقوله: {وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا} . قال ابن كثير: (دعاءٌ منه على قومه لِتَمرّدهم وكُفرهم وعِنادهم، كما دعا موسى عليه السلام على فرعون وملئِه في قوله: {رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [يونس: 88]. وقد استجاب اللَّه لكل من النَّبِيَّيْنِ في قومه، وأغرق أمَّته بتكذيبهم لما جاءهم به).
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (4920)، كتاب التفسير. سورة نوح، آية (23).
25 -
28. قوله تعالى: {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (25) وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (28)}.
في هذه الآيات: إغراقُ اللَّه قوم نوح الكافرين بالطوفان، ليدخلوا بعد ذلك عذاب نار القبر ضريبة الآثام. ودعاء نوح ربه إهلاك مَنْ في الأرض مِن الكافرين، والمغفرة له ولوالديه ولجميع المؤمنين.
فقوله: {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا} . أي: فمن إصرارهم على الكفر ومخالفة رسولهم أغرقوا بالطوفان ثم أدخلوا في النيران. قال سفيان: ({مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا} قال: بخطيئاتهم أُغرقوا). وقال الفراء: (المعنى: من أجل خطاياهم). وقال القرطبي: ({مَا} صلة مؤكدة، والمعنى من خطاياهم. {فَأُدْخِلُوا نَارًا} أي بعد إغراقهم).
قال القشيريّ: (وهذا يدل على عذاب القبر). وقال ابن كثير: ({أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا}، أي: نُقِلوا من تَيَّار البحار إلى حرارة النار). قلت: والقول بأنه عذاب القبر قبل عذاب جهنم قول سديد.
وفي التنزيل نحو ذلك:
1 -
قال تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} [غافر: 46].
2 -
وقال تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} [الأعراف: 167].
وفي سنن أبي داود ومستدرك الحاكم بسند صحيح من حديث البراء: [فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فينادي مناد من السماء: أن كذب، فافرشوه من النار وافتحوا له بابًا إلى النار، فيأتيه من حرِّها وسمومها ويضيق عليه قبره، حتى تختلف أضلاعه. . .] الحديث (1).
(1) حديث صحيح. وهو جزء من حديث طويل. أخرجه أبو داود (2/ 281)، والحاكم (1/ 37 - 40).=
وقوله: {فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا} . قال ابن جرير: (تقتص لهم ممن فعل ذلك بهم، ولا تحول بينهم وبين ما فعل بهم).
وقوله تعالى: {وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} . هو دعاء نوح صلى الله عليه وسلم على قومه حين يئس من اتباعهم إياه. قال قتادة: (دعا عليهم بعد أن أوحى اللَّه إليه). وقال السدي: ({دَيَّارًا}: أي من يسكن الديار). وقال الضحاك: (واحدًا).
وأصل {دَيَّارًا} الذي يدور في الأرض فيذهب ويجيء، وهو فيْعال من الدوران ديوارًا، فاجتمعت الياء والواو فأدغمت الواو فيها وصيرتا ياء مشددة، كما قيل: الحيّ القيام من قمت، وإنما هو قيوام. ذكره ابن جرير ثم قال:(والعرب تقول ما بها ديار ولا عريب، ولا دوي، ولا صافر، ولا نافخ ضرمة، يعني بذلك كله: ما بها أحد). وقال القُتَبيّ: (أصله من الدار، أي نازل بالدار. يقال: ما بالدار ديار، أي أحد).
وفي صحيح مسلم -كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم على الأحزاب يوم الخندق-: [اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم](1).
وقوله: {إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ} . أي: إن تركتهم ولم تهلكهم يضلوا عبادك الذين قد آمنوا بك، ومَنْ سيجيء بعدهم.
وقوله: {وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا} . أي: ولا يكون في عقبهم ونسلهم {إِلَّا فَاجِرًا} في دينك {كَفَّارًا} لنعمتك. قال النسفي: ({وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا} إلا من إذا بلغ فجر وكفر، وإنما قال ذلك لأن اللَّه تعالى أخبره بقوله: لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن).
وقوله: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ} . قال القرطبي: (دعا لنفسه ولوالديه وكانا مؤمنين.
وهما: لمك بن مُتَوَشْلِخ، وشمخى بنت أنوش، ذكره القشيري والثعلبي).
وقيل: ({وَلِوَالِدَيَّ}: آدم وحواء). والأول أقرب، واللَّه أعلم.
وقوله: {وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا} . قال الضحاك: (يعني مسجدي). وظاهر الآية يشمل كل من دخل منزله وهو مؤمن، فهو داخل في دعوته.
وفي سنن أبي داود والترمذي بسند حسن عن أبي سعيد: أنه سمع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم
= والطيالسي (753)، وأحمد (4/ 287 - 288)، وروى النسائي (1/ 282) نحوه.
(1)
حديث صحيح. أخرجه مسلم (3/ 1363). وانظر كتابي: السيرة النبوية (2/ 919) لتفصيل ذلك.
يقول: [لا تَصْحَبْ إلا مؤمنًا، ولا يأكُلْ طعامَكَ إلا تقِيّ](1).
وقوله: {وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} . دعوة تشمل كل مؤمن ومؤمنة.
قال الضحاك: (عامة إلى يوم القيامة). وقال ابن كثير: (دعاء لجميع المؤمنين والمؤمنات، وذلك يَعُمُّ الأحياء منهم والأموات، ولهذا يُسْتَحبُّ مثلُ هذا في الدعاء، اقتداء بنوع عليه السلام، وبما جاء في الآثار والأدعية المشروعة).
قلت: ومن ذلك ما أخرج الطبراني بسند حسن عن عبادة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[من استغفر للمؤمنين وللمؤمنات، كتبَ اللَّه له بكلِّ مُؤمنٍ ومؤمنةٍ حسنة](2).
وقوله: {وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا} . قال مجاهد: (إلا خسارًا). وقال السُدِّي: (إلا هلاكًا). والتبار: الهلاك والدمار.
والمقصود: دعا نوح عليه الصلاة والسلام على الكافرين أن لا يزدادوا في إصرارهم على كفرهم إلا دمارًا وهلاكًا وخسارًا في الدنيا والآخرة، وهي دعوة تشمل كل كافر ومشرك إلى يوم القيامة.
تم تفسير سورة نوح بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه صبيحة يوم الجمعة 23 - شوال - 1426 هـ الموافق 25 - تشرين الثاني - 2005 م
* * *
(1) حديث حسن. أخرجه أبو داود في السنن (4832)، والترمذي (2395)، ورواه أحمد (3/ 38).
(2)
حديث حسن. أخرجه الطبراني بسند حسن من حديث عبادة مرفوعًا. انظر: "مجمع الزوائد"(10/ 210) وقال: "وإسناده جيد". وصحيح الجامع الصغير (5902).