الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يتعوذ من أعين الجان وأعين الإنس، فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما وترك ما سوى ذلك](1).
الحديث العاشر: يروي النسائي بسند صحيِح عن عبد اللَّه بن خبيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}، ما تعوذ الناس بأفضلَ منهما](2).
موضوع السورة
الاستعاذة باللَّه رب الفلق من الشياطين والسحرة والحساد وشر ما خلق
-
منهاج السورة
-
1 -
أمر اللَّه رسوله بالاستعاذة به -تعالى- رب الفلق، من شر ما خلق.
2 -
الأمر بالاستعاذة باللَّه تعالى من شر الغاسق إذا وقب.
3 -
الأمر بالاستعاذة باللَّه تعالى من شر السحرة والسواحر الذين ينفثون ويعقدون في العقد.
4 -
الأمر بالاستعاذة باللَّه تعالى من شر كل حاسد وما حسد.
(1) حديث صحيح. رواه ابن ماجة والترمذي من حديث أبي سعيد، ورواه النسائي، وقال الترمذي:"حسن". انظر حديث (7613) -تفسير ابن كثير-، وكذلك آخر سورة القلم.
(2)
صحيح الإسناد. انظر صحيح سنن النسائي -حديث رقم- (5018) - كتاب الاستعاذة.
بسم الله الرحمن الرحيم
1 -
5. قال تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5)}.
في هذه الآيات: أمْرُ اللَّه تعالى نبيّه -وهو أمر لأمته- بالاستعاذة به من شر ما خلق، ومن شر ما يكون من انتشار للفواحش والآثام إذا دخل الليل ووقب، ومن شر السواحر والسحرة الذين يعقدون العقد، ومن شر كل حاسد إذا أصاب بعينه أو حسد.
فقوله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} . أي: قل يا محمد أستجير وأستعيذ برب الفلق من شر ما خلق. وفي تفسير الفلق أكثر من قول:
الأول: الفلق هو الصبح. قال ابن عباس: (الفلق: الصُّبح). وعن القرظي: (أنه كان يقول في هذه الآية: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} يقول: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى}، قال: {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ}).
وقال قتادة: (الفلق: فلق النهار)، وفي رواية عنه:(فلق الصبح).
وقيل لابن زيد: فلق الصبح؟ قال: نعم، وقرأ:{فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا} .
الثاني: الفلق هو الخلق. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (الفلق: الخلق). وقال الضحاك: (أمر اللَّه نبيه أن يتعوذ من الخلق كله).
الثالث: الفلق سجن في جهنم.
فعن ابن إسحاق بن عبد اللَّه قال: (الفلق: سجن في جهنم). وقال سفيان: (سمعت السدي يقول: (الفلق جب في جهنم). وعن العوّام بن عبد الجبار الجولاني قال: (قدم رجل من أصحاب رسول اللَّه الشام، فنظر إلى دور أهل الذمة، وما هم فيه من العيش والنضارة، وما وسَّع عليهم في دنياهم، قال: فقال: لا أبا لك، أليس من ورائهم الفلق؟ قال: قيل: وما الفلق؟ قال: بيت في جهنم، إذا فتحَ هَرَّ أهل النار).
وعن كعب: (أنه دخل كنيسة فأعجبه حسنها، فقال: أحسن عمل وأضل قوم، رضيت لكم الفلق، قيل وما الفلق؟ قال: بيت في جهنم إذا فتح صاح جميع أهل النار من شدة حرّه). ذكره والأثر الذي قبله ابن جرير.
الرابع: الفلق اسم من أسماء جهنم.
فعن ابن وهب قال: سمعت خيثم بن عبد اللَّه يقول: (سألت أبا عبد الرحمن الحيلي عن الفلق، قال: (هي جهنم).
ورجح ابن جرير أن المراد فلق الصبح. قال: (والفلق في كلام العرب: فلق الصبح، تقول العرب: هو أبين من فلق الصبح، ومن فَرَق الصبح).
وقال الحافظ ابن كثير: (والصواب القول الأول إنه فلق الصبح وهذا هو الصحيح، وهو اختيار البخاري في صحيحه رحمه اللَّه تعالى).
فيكون المعنى: قل يا محمد أستجير وأستعيذ برب الفلق من شر ما خلق من الخلق.
وقوله تعالى: {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} . أمر بالاستعاذة باللَّه من شر كل شيء خلقه في هذا الكون.
قال الحسن البصري: (جهنم وإبليس وذريته مما خلق).
فيكون المعنى: تعوذ باللَّه يا محمد من شر كل المخلوقات فإنه لا يصرف شرها عنك إلا اللَّه.
ثم قال جل ذكره: {وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} . وفي تفسيرها أقوال متقاربة:
الأول: الغاسق هو الليل إذا أظلم. قال ابن عباس: ({وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} قال: الليل). وقال الحسن: (أول الليل إذا أظلم). وقال القرطبي: (النهار إذا دخل في الليل). وقال مجاهد: (قوله: {غَاسِقٍ} قال: الليل، {إِذَا وَقَبَ} قال: إذا دخل).
قال قتادة والحسن: (إنه الليل إذا أقبل بظلامه).
الثاني: الغاسق هو غروب الشمس.
فعن محمد بن كعب قال: (هو غروب الشمس إذا جاء الليل، إذا وقب).
وقال الزهري: (الشمس إذا غربت). وقال مجاهد: (غاسق الليل إذا وقب غروب الشمس).
الثالث: الغاسق هو كوكب الثريا.
قال ابن زيد: (كانت العرب تقول: الغاسق: سقوط الثريا، وكانت الأسقام والطواعين تكثر عند وقوعها، وترتفع عند طلوعها).
وقال أبو المهزم عن أبي هريرة: (ومن شر غاسق إذا وقب: الكوكب).
الرابع: قيل بل الغاسق هو القمر.
فقد أخرج الإمام أحمد والترمذي والحاكم بسند صحيح عن عائشة رضي الله عنها: [أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أخذ بيدها فأشار بها إلى القمر فقال: يا عائشة! استعيذي باللَّه من شرِّ هذا، فإن هذا هو الغاسِقُ إذا وقبَ. يعني القمر](1).
وفي لفظ للترمذي: [استعيذي باللَّه من هذا (يعني القمر)، فإنه الغاسق إذا وقب].
قال الألباني: (وفي الحديث دلالة على جواز الإشارة باليد إلى القمر خلافًا لما نقل عن بعض المشايخ من كراهة ذلك، والحديث يرد عليه).
ولفظ أحمد عنها قالت: [أخذ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بيدي فأراني القمر حين طلع وقال: تعوذي باللَّه من شر هذا الغاسق إذا وقب]. ولفظ النسائي: [تعوذي باللَّه من شر هذا، هذا الغاسق إذا وقب].
قلت: ويمكن الجمع بين هذه التفاسير وجعل عمدتها حديث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فإن القمر أكبر آية من آيات الليل، وتليه الكواكب والنجوم التي تظهر بعد غروب الشمس، فإذا دخل الليل وذهب النهار تعاقبت هذه الآيات بالظهور، فجاء الأمر من اللَّه بالاستعاذة من هذا الغاسق إذا دخل وأقبل وما يصاحب ذلك من حركة شياطين الإنس والجن بالمعاصي والفواحش.
ثم قال سبحانه: {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَد} . وفيه أقوال متكاملة:
الأول: المراد الرقى من طريق السحر. قال ابن عباس: ({وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي
(1) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (2/ 241)، وأحمد (6/ 61)، والحاكم (2/ 540).
الْعُقَدِ} قال: ما خالط السحر من الرقى). وقال قتادة: (إياكم وما خالط السِّحر من هذه الرقى).
الثاني: قيل بل المراد السحرة والسواحر. قال الضحاك: (يعني السواحر).
وقال الحسن: (السواحر والسّحرة). وقال ابن زيد: (السواحر في العقد).
الثالث: قيل بل المراد النفث في العقد. قال مجاهد: (إذا رقين ونفثن في العقد). وفي رواية عنه قال: (الرقى في عقد الخيط). وقال عكرمة: (الأخذ في عقد الخيط).
الرابع: قيل بل المراد رقية الحية والمجانين.
يروي ابن جرير بسنده إلى طاووس قال: (ما من شيء أقرب من الشرك من رقية الحية والمجانين).
وقد ثبت في صحيح الإمام البخاري وصحيح الإمام مسلم ومسند الإمام أحمد كيف سحر اليهود النبي صلى الله عليه وسلم حتى رقاه جبريل عليه الصلاة والسلام.
فقد أخرج البخاري في كتاب الطِّب من صحيحه عن عائشة قالت: [كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سُحِرَ حتى كان يرى أنه يأتي النساءَ ولا يأتيهنَّ، فقال يا عائشةُ! أَعَلِمْتِ أن اللَّه قد أفتاني فيما استَفْتَيْتُه فيه؟ أتاني رجلان فقَعدَ أحدُهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال الذي عندَ رأسي للآخر: ما بالُ الرجُل؟ قال: مطبوبٌ. قال: ومَنْ طَبَّهُ؟ قال: لبيد بن أَعْصَمَ -رجلٌ من بني زُريق حليف ليهود، كان منافقًا- قال: وفيم؟ قال: في مُشْط ومُشاطةٍ، قال: وأيْنَ؟ قال: في جُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ تَحْتَ رَعُوفَةٍ في بئْرِ ذَرْوانَ. قالت: فأتى النبي صلى الله عليه وسلم البِئْرَ حتى استَخْرَجَهُ، فقال: هذهِ البِئْرُ التي أُريتُها وكأنَّ ماءَها نُقاعَةُ الحِنَّاء، وكأنَّ نَخْلَها رؤوس الشَياطين. قال: فاستُخْرِجَ، قالت: فقلتُ: أفلا؟ -أيْ تنَشَّرْتَ- فقال: أمَا واللَّه فَقَدْ شَفانِي وأكْرَهُ أنْ أُثِيرَ على أحدِ من الناس شرًا](1).
وجاء في رواية أخرى: [حتى كانَ يُخَيَّلُ إليه أنه فَعَل الشيء ولم يَفْعَلْهُ].
وفي رواية: [فأمر بالبئر فَدُفِنت](2).
قلت: وإنما كان سحره صلى الله عليه وسلم كالمرض، ولم يؤثر على عصمة النبوة وتبليغ الرسالة، وكُلُّ ما كان يُخَيّل إليه أنه أتى أهله أو فعل الشيء من أمور الدنيا ولم يَفْعَلْهُ.
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (5765) -كتاب الطب-، باب: هَلْ يَسْتخرِجُ السِّحْرَ؟
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (5766)، (6063)، (6391)، ومسلم (2189) ح (43).
يروي الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت قال: [دخلت على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أعودُه وبه من الوجَعِ ما يعلم اللَّه تبارك وتعالى بشدة، ثم دخلت عليه من العشي وقد برئ أحسن بُرْءٍ فقلت له: دخلت عليك غدوةً وبك من الوجع ما يعلم اللَّه بشدة، ودخلت عليك العشية وقد برئت فقال: يا ابن الصامت إن جبريل عليه السلام رقاني برُقية برئتُ ألا أُعَلّمكَهَا؟ قلت: بلى. قال: بِاسْمِ اللَّه أَرْقيكَ، من كل شيء يؤذيكَ، من حَسد كل حاسدٍ وعينٍ، باسم اللَّه يشفيك].
وله شاهدٌ في المسند عن عبادة يحدث عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [أن جبريل أتاه وهو يُرْعِدُ فقال: باسم اللَّه أرقيك من كل شيء يؤذيك، من حَسَدِ حاسدٍ، وكُلِّ عين، واسْمُ اللَّه يشفيك].
وشاهد آخر فيه أيضًا من حديث أبي سعيد الخدري: [أن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اشتكيت يا مُحمد؟ ! قال: نعم قال: باسم اللَّه أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس وعين يشفيك، باسم اللَّه أرقيك].
وفي رواية: [باسم اللَّه أرقيك، من كل شيء يُؤذيك، من كل عَيْن وحاسد، يشفيك، أو قال: اللَّه يَشْفيك].
وهو من حديث عائشة عنده بلفظ: [كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى رقاه جبريل عليه السلام فقال: باسم اللَّه أرقيك، من كل داء يشفيك، من شر حاسدٍ إذا حسد، ومن شر كل ذي عين](1).
ثم قال سبحانه: {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} . قال قتادة: (من شر عينه ونفسه).
وقال ابن زيد: (يهود لم يمنعهم أن يؤمنوا به إلا حسدهم).
فأمر اللَّه نبيه أن يستعيذ به من شر كل حاسد إذا حسد، فعابه أو سحره، أو نظر إليه نظرة بغي وسوء، وهذا ما رقاه به جبريل عليه الصلاة والسلام.
يروي ابن ماجة بإسناد صحيح عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [استعيذوا باللَّه تعالى
(1) حديث صحيح. انظر الروايات المختلفة في صحيح مسلم (2186)، ومسند أحمد (3/ 28)، (3/ 56 - 58)، (3/ 75)، وسنن الترمذي (972).