المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ منهاج السورة - التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون - جـ ٨

[مأمون حموش]

فهرس الكتاب

- ‌60 - سورة الممتحنة

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌61 - سورة الصف

- ‌فضائلها وما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌62 - سورة الجمعة

- ‌فضائلها وما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاح السورة

- ‌آداب خاصة بيوم الجمعة:

- ‌الأدب الأول: الغُسْل لصلاة الجمعة:

- ‌الأدب الثاني: التبكير لصلاة الجمعة:

- ‌الأدب الثالث: لبس أحسن الثياب والتسوك والتماس أجمل الطيب:

- ‌ما يستحب من الأذكار والأدعية يوم الجمعة:

- ‌أولًا: الإكثار من الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌ثانيًا: قراءة سورة الكهف:

- ‌ثالثًا: الإكثار من الدعاء رجاء مصادفة ساعة الإجابة:

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌63 - سورة المنافقون

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌64 - سورة التغابن

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌65 - سورة الطلاق

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌66 - سورة التحريم

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌أسباب نزول هذه الآيات:

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌67 - سورة الملك

- ‌ذكر ما جاء في فضلها من أحاديث:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌68 - سورة القلم

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌69 - سورة الحاقة

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌70 - سورة المعارج

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌71 - سورة نوح

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌72 - سورة الجن

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌73 - سورة المزمل

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌74 - سورة المدثر

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌75 - سورة القيامة

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌76 - سورة الإنسان

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌77 - سورة المرسلات

- ‌الأحاديث الواردة في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌78 - سورة النبأ

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌79 - سورة النازعات

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌80 - سورة عبس

- ‌سبب نزول السورة:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌81 - سورة التكوير

- ‌ما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌82 - سورة الانفطار

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌ دروس ونتائج وأحكام

- ‌83 - سورة المطففين

- ‌ما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌84 - سورة الإنشقاق

- ‌الأحاديث الواردة في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌85 - سورة البروج

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌86 - سورة الطارق

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌87 - سورة الأعلى

- ‌فضائلها وما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌88 - سورة الغاشية

- ‌فضائلها وما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌89 - سورة الفجر

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌90 - سورة البلد

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌91 - سورة الشمس

- ‌فضائلها وما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌92 - سورة الليل

- ‌فضائلها وما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌93 - سورة الضحى

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌94 - سورة الشرح

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌95 - سورة التين

- ‌فضائلها وما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌96 - سورة العلق

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌97 - سورة القدر

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌فضائل ليلة القدر وما ورد في تعيينها من أحاديث:

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌98 - سورة البينة

- ‌فضائلها وما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌99 - سورة الزلزلة

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌100 - سورة العاديات

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌101 - سورة القارعة

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌102 - سورة التكاثر

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌103 - سورة العصر

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌104 - سورة الهمزة

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌105 - سورة الفيل

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌106 - سورة قريش

- ‌فضائلها وما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌107 - سورة الماعون

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌108 - سورة الكوثر

- ‌فضائلها وما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌109 - سورة الكافرون

- ‌فضائلها وما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌110 - سورة النصر

- ‌فضائلها وما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌111 - سورة المسد

- ‌أسباب النزول:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌112 - سورة الإخلاص

- ‌فضائلها وما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌113 - سورة الفلق

- ‌فضائل المعوذتين وما ورد في ذكرهما:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌114 - سورة الناس

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

الفصل: ‌ منهاج السورة

‌79 - سورة النازعات

وهي سورة مكية، وعدد آياتها (46).

‌موضوع السورة

نزع النازعات أرواح العباد وتقريع المشركين وتفصيل الحياة في دار المعاد

-‌

‌ منهاج السورة

-

1 -

قسم اللَّه تعالى بالملائكة النازعات أرواح العباد، الناشطات السابحات السابقات المدبرات الأمر من السماء إلى الأرض، على وقوع المعاد.

2 -

القلوب يومئذ خائفة، والأبصار خاشعة، والمنكرون للحساب في حالة خاسرة.

3 -

ذكر قصة موسى مع الطاغية فرعون للاعتبار، ليتعظ بها كفار قريش ويدعوا الاستكبار.

4 -

إظهار بدائع قدرة اللَّه العظيم، في السماء والأرض والليل والنهار والجبال مما فيه تقريع للمشركين، الذين يشركون بعبادة اللَّه المنعم الرحمان الرحيم.

5 -

وقوع الإنسان في شباك كسبه وعمله يوم الدين، وبروز جهنم أمام الخلق لتكون مثوًى للمتكبرين، ومن آثر طاعة اللَّه ونهى النفس عن الهوى فالمأوى جنات النعيم.

6 -

أمر الساعة أمر مباغت لا يعلمه إلا رب العالمين.

ص: 326

بسم الله الرحمن الرحيم

1 -

14. قوله تعالى: {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (1) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (2) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (3) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (4) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (5) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (7) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (8) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (9) يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (10) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (11) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (12) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (13) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (14)}.

في هذه الآيات: يقسم سبحانه بالملائكة التي تنزع أرواح العباد من أجسادهم كما ينزع النازع في القوس فيبلغ بها غاية المدّ، {غَرْقًا} أي: إغراقًا في النزع من أقاصي الأجساد، كما يقسم سبحانه بالملائكة الناشطات السابحات السابقات المدبرات على وقوع المعاد، والقلوب يومئذ خائفة، والأبصار خاشعة، والمنكرون للحساب في حالة خاسرة.

فقوله تعالى: {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا} . قال ابن عباس ومجاهد: (هي الملائكة تَنْزعُ نفوس بني آدم). وقال علي وابن مسعود رضي الله عنهما: (النازعات: الملائكة التي تنزع أرواحَ الكفار). قلت: والمقصود بالإغراق المبالغة في النزع، وهو حال أرواح الكفار عند نزعها.

ففي حديث أحمد وأبي داود عن البراء -في نزع روح الكافر أو الفاجر- قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [وإنّ العبد الكافر (وفي رواية: الفاجر) إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة غلاظ شداد، سود الوجوه، معهم المسوح من النار، فيجلسون منه مدّ البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من اللَّه وغضب، قال: فتفرّق في

ص: 327

جسده، فينتزعها كما يُنْتَزع السَّفُود الكثير الشعب من الصوف المبلول، فتقطع معها العروق والعصب] (1).

وقوله تعالى: {وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا} . قال ابن عباس: (يعني الملائكة تنشط نفس المؤمن، فتقبضها كما يُنْشَط العِقال من يد البعير: إذا حُلَّ عنه). وقال أيضًا: (هي أنفس المؤمنين عند الموت تَنْشَطُ للخروج، وذلك أنه ما من مؤمن يحضره الموت إلا وتُعرض عليه الجنة قبل أن يموت، فيرى فيها ما أعدّ اللَّه له من أزواجه وأهله من الحور العين، فهم يدعونه إليها، فنفسه إليهم نشطَة أن تخرج فتأتيهم).

قلت: والمقصود الملائكة حين تأخذ أرواح المؤمنين عند الاحتضار فتجذبها برفق. فالنزع جذب بشدة و {وَالنَّازِعَاتِ} للكافرين. والنشط جذب برِفق {وَالنَّاشِطَاتِ} للمؤمنين.

وفي حديث البراء السابق: [إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مدّ البصر، ثم يجيء ملك الموت عليه السلام حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من اللَّه ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها] الحديث.

وقوله تعالى: {وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا} . قال علي رضي الله عنه: (هي الملائكة تسبح بأرواح المؤمنين). وقال مجاهد: (هي الملائكة ينزلون من السماء مسرعين لأمر اللَّه، كما يقال للفرس الجواد سابح: إذا أسرع في جريه). وعن مجاهد أيضًا: (الملائكة تسبح في نزولها وصعودها).

والمقصود: هم الملائكة ينزلون من السماء مسرعين لأمر اللَّه، يسبحون في الهواء كما يسبح الغواص في الماء.

وقوله تعالى: {فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا} . قال علي رضي الله عنه: (هي الملائكة تسبق الشياطين بالوحي إلى الأنبياء عليهم السلام. وقال مجاهد: (هي الملائكة تسبق ابن آدم بالخير والعمل الصالح). وقيل: تسبق ابن آدم إلى العمل الصالح فتكتبه.

(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد (4/ 287 - 288)، وأبو داود (2/ 281)، والحاكم (1/ 37 - 40).

ص: 328

والمقصود: هي الملائكة تسبق إلى تنفيذ أمر اللَّه، كما تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة.

وقوله تعالى: {فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا} . قال القشيري: (أجمعوا على أن المراد الملائكة). قال الحسن: (تدبّر الأمر من السماء إلى الأرض). والمقصود: تدبير الملائكة للأمر وهو نزولها بالحلال والحرام وتفصيلهما، وبقضاء اللَّه إلى أهل الأرض في الرياح والأمطار والنوازل وغير ذلك. قال النسفي:(وجواب القسم محذوف، وهو لتبعثن، لدلالة ما بعده عليه من ذكر القيامة).

وقوله تعالى: {يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ} . الرجف: شدة الحركة. والردف المتابعة.

يروي البخاري عن ابن عباس: [الراجفة النفخة الأولى. والرادفة: الثانية](1).

والمقصود: وصفت النفخة الأولى وهي {الرَّاجِفَةُ} بما يحدث بحدوثها من رجف تضطرب به الأرض حتى يموت كل من عليها، ثم تجيء النفخة الثانية وهي {الرَّادِفَةُ} التي تردف {الرَّاجِفَةُ} والتي يكون عندها البعث.

وقوله تعالى: {قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ} . قال ابن عباس: (يعني خائفة). وقال السُّدي: (زائلة عن أماكنها). وقال المؤرِّج: (قلقة مُسْتَوْفِزة، مرتكضة (2) غير ساكنة). وفي لغة العرب: وجَفَ القلب يَجفُ وجِيفًا إذا خفق. والمقصود: القلوب يوم الحشر خائفة وجلة مضطربة تخفق من هول الموقف.

وقوله تعالى: {أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ} . أي: أبصار أصحابها منكسرة ذليلة من معاينة هذا الحدث الجلل. وهو كقوله تعالى: {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} [القلم: 43].

وقوله تعالى: {يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ} . استفهام بمعنى الإنكار، والحافرة: القبور. وقيل: الحالة الأولى. قال ابن كثير: (يعني مشركي قريش ومن قال بقولهم في إنكار المعادِ، يستبعدون وقوعَ البعثِ بعد المصير إلى الحافرة، وهي القبور، قاله مجاهد. وبعد تمزّق أجسادهم وتفتُّت عظامهم ونُخُورها). وقال النسفي: (أي أنرد بعد موتنا إلى أول الأمر فنعود أحياء كما كنا، والحافرة الحالة الأولى، يقال لمن كان في

(1) حديث صحيح. رواه البخاري في ترجمة باب. وانظر كتابي: أصل الدين والإيمان (725) لتفصيل البحث.

(2)

مرتكضة: مضطوبة.

ص: 329

أمر فخرج منه ثم عاد إليه رجع إلى حافرته، أي إلى حالته الأولى. ويقال النقد عند الحافرة، أي عند الحالة الأولى وهي الصفقة).

وقوله تعالى: {أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً} . قال ابن عباس ومجاهد: (أي بالية). وقال ابن عباس: (وهو العظم إذا بَلِيَ ودخَلت الريحُ فيه). وفي لغة العرب: نَخِرَ العظم: أي بلِيَ وتفتت. والمقصود: استبعاد المشركين البعث بعد الموت وقد صارت العظام بالية متفتِّتة.

وقوله تعالى: {قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ} .

قال محمد بن كعب: (قالت قريش: لئن أحيانا اللَّه بعد أن نموت لنخسَرنَّ). والمقصود: قال منكرو البعث: لئن رددنا بعد الموت لنخسرنّ بما يصيبنا مما يقوله محمد.

وقوله تعالى: {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ} . قال مجاهد: (صيحة واحدة). وقال الحسن البصري: (زَجْرَةٌ من الغَضَب). وقال إبراهيم التَّيْمِيُّ: (أشَدُّ ما يكون الربُّ غَضَبًا على خَلْقِهِ يومَ يَبْعَثهم). وقال الربيع بن أنس: (زَجْرةٌ واحدة: هي النفخة الآخرة).

والمقصود: فإنما هو -معشر المُنكرين للمعاد والحساب- أمرٌ واحد من الواحد القهار لا مَثْنَوية فيه ولا تأكيد، فإذا جميع الناس قيام ينظرون. وذلك حين يأمر الجبار إسرافيل لينفخ نفخة البعث.

وقوله تعالى: {فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ} . الساهرة في كلام العرب: وجه الأرض. قال مجاهد: (كانوا بأسفلها، فَأُخرجوا إلى أعلاها). وقال قتادة: (لما تباعد البعث في أعين القوم، قال اللَّه: {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (13) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ} يقول: فإذا هم بأعلى الأرض، بعدما كانوا في جوفها). وقال أيضًا:(فإذا هم يخرجون من قبورهم فوق الأرض).

15 -

26. قوله تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (15) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (16) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ

ص: 330

الْأَعْلَى (24) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (25) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (26)}.

في هذه الآيات: ذكر قصة موسى مع فرعون الطاغية للاعتبار، ليتعظ بذلك كفار قريش ومن مضى على سبيلهم بالكفر والاستهتار، فقد أهلك اللَّه الطاغية وجنوده وكان للنبوة الظفر والانتصار.

فقوله تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى} . تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عما يلقاه من أذى قومه وتكذيبهم. قيل: {هَلْ أَتَاكَ} أي قد جاءك وبَلَغَك {حَدِيثُ مُوسَى} . قال القرطبي: (أي إن فرعون كان أقوى من كفار عصرك، ثم أخذناه، وكذلك هؤلاء). وقيل: "هل" بمعنى "ما" أي ما أتاك، ولكن أخبرت به، فإن فيه عبرة لمن يخشى. وقال النسفي:({هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى} استفهام يتضمن التنبيه على أن هذا مما يجب أن يشيع، والتشريف للمخاطب به).

وقوله تعالى: {إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى} . أي: حين ناجاه ربه بالوادي المطهر الذي اسمه {طُوًى} . قال ابن جرير: (يعني بالمقدس: المطهَّر المبارك). وعن مجاهد: (قوله {طُوًى} اسم الوادي). قال الفرّاء: (طوَى: واد بين المدينة ومصر. قال: وهو معدول عن طاوٍ، كما عدل عمر عن عامر). وفي الصحاح: (طُوى: بضم الطاء وكسرها اسم موضع بالشأم يُصْرَفُ ولا يُصْرف: فمن صَرَفه جعله اسمَ وادٍ ومكانٍ وجَعَله نكرة. ومن لم يَصْرِفْه جَعَلَهُ بَلْدَةً وبُقْعَة وجعله معرفة). قال الرازي: (وقال بعضهم: طُوًى هو الشيء المثنيُّ، وقال في قوله تعالى: {الْمُقَدَّسِ طُوًى} طُوِيَ مرتين أي قُدِّسَ مرتين). وقال الحسن: (ثُنِيَت فيه البركة والتقديس مرتين).

وقوله تعالى: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى} . أي: ناداه ربه أن اذهب إلى فرعون فقد عتا وتجاوز حدّه في العدوان، والتكبر على ربه.

وقوله تعالى: {فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى} . قال ابن عباس: (هل لك أن تشهد أن لا إله إلا اللَّه). وقال ابن زيد: (إلى أن تسلم). قال النسفي: ({فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى} هل لك ميل إلى أن تتطهر من الشرك والعصيان بالطاعة والإيمان). والمقصود: دعا موسى فرعون ليكون زكيًا مؤمنًا.

وقوله تعالى: {وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى} . أي: وأرشدك إلى تعظيم ربك والتزام طاعته فتخافه وتتقيه. قال ابن كثير: (أي: أدُلّكَ إلى عبادة ربك، {فَتَخْشَى}، أي: فيصيرَ قلبُكَ خاضعًا له مطيعً خاشعًا بعد ما كان قاسيًا خبيثًا بعيدًا من الخير).

ص: 331

وقوله تعالى: {فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى} . قال الحسن: (يده وعصاه). وقال ابن زيد: (العصا والحية). والمقصود: أظهر له موسى حجة بالغة تدل على صدق النبوة.

وقوله تعالى: {فَكَذَّبَ وَعَصَى} . أي فكذب بالآيات والنبوة، وعصى ربه عز وجل.

وقوله تعالى: {ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى} . أي: ثم ولّى معرضًا عن الحق الذي أُظهر له، ومضى يسعى في معصية اللَّه وفيما يسخطه عليه. قال مجاهد:({ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى} قال: يعمل بالفساد). وقيل: مضى في مقابلة الحق بالباطل، فجمع السحرة ليقابلوا معجزة موسى الباهرة.

وقوله تعالى: {فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} . قال ابن زيد: (صرخ وحشر قومه، فنادى فيهم، فلما اجتمعوا قال: أنا ربكم الأعلى، فأخذه اللَّه نكال الآخرة والأولى). وقيل: جمع جنوده للقتال والمحاربة، والسَّحرة للمعارضة. وقيل: حشر الناس للحضور فقال لهم بصوت عال {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} أي لا رب لكم فوقي، يحاول تثبيت اهتزاز سلطانه. قال القاضي:(وقد كان الأليق به، بعد ظهور خزيه عند انقلاب العصا حية، أن لا يقول هذا القول. لأن عند ظهور الذلة والعجز كيف يليق أن يقول {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى}؟ فدلت هذه الآية على أنه في ذلك الوقت صار كالمعتوه الذي لا يدري ما يقول).

وقوله تعالى: {فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى} . أي: فعاقبه اللَّه وانتقم منه انتقامًا جعله به عبرةً ونكالًا لأمثاله من الطغاة والمتمردين في الدنيا، وإمامًا إلى النار يوم القيامة.

وفي التنزيل نحو ذلك:

1 -

قال تعالى: {وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ} [هود: 99].

2 -

وقال تعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ} [القصص: 41].

فيكون قوله: {نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى} يعني الدنيا والآخرة. وقيل المراد بذلك كلمتاه الأولى والثانية. وقيل: كفره وعصيانه. والراجح الأول، لدلالة الآيات السابقة على ذلك، فهو ملعون في الدنيا والآخرة.

أخرج الترمذي بسند صحيح عن شعبة قال: أخبرني عدي بن ثابت، وعطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، ذكر أحدهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: [أَنَّهُ ذكرَ

ص: 332

أنَّ جِبرئيل جَعَلَ يَدُسُّ في فِي فرعون الطِّين، خَشْيَةَ أن يقولَ: لا إله إلا اللَّه فَيَرْحَمَهُ اللَّه، أو خَشية أنْ يَرْحَمَهُ] (1).

وروى الترمذي -كذلك- عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[لما أَغْرَقَ اللَّه فرعون قال: آمنتُ أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل. فقال جبرئيلُ: يا محمدُ لو رأيتني وأنا آخُذُ من حالِ البحر وأدُسُّهُ في فيه مَخافةَ أنْ تدرِكَهُ الرحمة](2).

وقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى} . أي إن في ذلك الخزي والعقاب لفرعون وجنده اعتبارًا وعظة من يخاف اللَّه عز وجل ويخشى عقابه.

27 -

33. قوله تعالى: {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (31) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (33)}.

في هذه الآيات: إظهارُ بدائع قدرة اللَّه العظيم، وتقريعٌ بذلك وتوبيخ للمشركين، الذين يغفلون عن آلاء ونعم الرحمان الرحيم.

فقوله تعالى: {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا} . تقريع وتوبيخ للمشركين. قال القرطبي: (يريد أهل مكة، أي أخلقكم بعد الموت أشدّ في تقديركم {أَمِ السَّمَاءُ} فمن قدَر على السماء قَدَرَ على الإعادة، كقوله تعالى: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} [غافر: 57] وقوله تعالى: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ} [يس: 81]. قال: ثم وصف السماء فقال: {بَنَاهَا} أي رفعها فوقكم كالبناء).

قلت: وقد أثبت التقدم العلمي والكشوف العلمية الحديثة أن أجرام السماء كأحجار في بناء واحد يشد بعضه بعضًا، ويقوم كل على الآخر في انسجام وتناسق عجيب، فإذا اختل النظام في جرم أو أجرام اختل البناء كله.

وقوله تعالى: {رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا} . قال ابن عباس: ({رَفَعَ سَمْكَهَا} يقول بُنيانها).

(1) صحيح الإسناد. أخرجه الترمذي في السنن (3108). انظر صحيح سنن الترمذي (2484).

(2)

صحيح بما قبله. أخرجه الترمذي (3107) - كتاب التفسير - سورة يونس. وانظر كذلك: صحيح سنن الترمذي -حديث رقم- (2483).

ص: 333

وقال مجاهد: ({رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا}: رفع بناءها بغير عمد). وقال قتادة: (يقول: رفع بناءها فسواها).

قلت: ومن الإعجاز العلمي المعاصر الذي تعكسه دقة هذه الألفاظ القرآنية: أَنَّ الإنسان لم يعرف مقدار ارتفاع السماء إلا بعد كشف العلم عن مواقع بعض النجوم، فعرفنا أن السماء مرتفعة وليست قريبة كما يظن بالنظر المجرد، فسبحان اللَّه الذي {رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا} .

وقوله تعالى: {وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا} . أي أظلم ليلها ونوّر نهارها. قال ابن عباس: ({وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا} يقول: أظلم ليلها). وهو من غَطِشَ الليل أي ظَلِم، والغَطَش والغَبَشُ الظلمة. وعن قتادة:({وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا} يقول: نوّر ضياءها). وقال الضحاك: ({وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا} قال: نهارها). وقال ابن زيد: (ضوء النهار).

ويؤكد الباحثون المعاصرون أن الأرض والشمس والنجوم كانت جميعًا شيئًا واحدًا لا يتميز عليه ليل أو نهار، فلما حدث الانفصال وأخذت بعض الكواكب تبرد وتدور حول نفسها فببرودتها أصبحت معتمة، وبدورانها أمام الشمس والنجوم المضيئة تميز عليها النهار، كما تميز الليل. وهكذا تبين لنا دقة هذا التعبير القرآني المعجز:{وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا} .

وقوله تعالى: {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} . أي بسطها. من دَحَوْتُ الشيء دحوًا: إذا بسطته. قال القاسمي: ({وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ} أي بعد تسوية السماء على الوجه السابق، وإبراز الأضواء {دَحَاهَا} أي بسطها ومهّدها لسكنى أهلها، وتقلبهم في أقطارها).

يقول الشيخ عبد المجيد الزنداني في كتابِه "توحيد الخالق"(ص 355): (دحاها: أي بسطها لتكون صالحة للإنبات ونفع الإنسان. ومن معاني الأدحية: البيض، ومن معاني دحا: دحرج. ويظهر أن الأرض عند انفصالها أخذت تدور وتتدحرج في مسارها ولا تزال تتدحرج وتتقلب وهي تجري في فلكها ومسارها، فهل تلقى هذه الحقيقة العلمية أوضح معنى من قوله تعالى: {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا}).

وقوله تعالى: {أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا} . قال ابن عباس: (ودَحْيُها أن أخرج منها الماء والمرعى، وشقَّق فيها الأنهار، وجعل فيها الجبالَ والرِّمالَ والسُّبُلَ والآكام). وقال الضحاك: ({وَمَرْعَاهَا}: ما خلق اللَّه فيها من النبات، و {مَاءَهَا}: ما فجّر فيها من الأنهار). قال القُتَبي: (دَلَّ بشيئين على جميع ما أخرجه من الأرض قوتًا ومتاعًا

ص: 334

للأنام من العشب والشجر والحب والتمر والعصف والحطب واللباس والنار والملح، لأن النار من العيدان والملح من الماء). وقال القرطبي:({أَخْرَجَ مِنْهَا} أي أخرج من الأرض {مَاءَهَا} أي العيون المتفجرة بالماء {وَمَرْعَاهَا} أي النبات الذي يُرْعى).

ومن آفاق العلم الحديث أن الأرض يخرج منها ماء المطر، ولا يزال بعض الناس يظنون أن ماء المطر يسكب من خزانات في السماء. وماء البحار الأول كان جزءًا من الأرض نتج عن التفاعلات الكيماوية أثناء تصلب القشرة الأرضية. ولقد كانت هذه التفاعلات بقدر معلوم لتنتج ماء بقدر مناسب (1).

وقوله تعالى: {وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا} . قال قتادة: (أي أثبتها لا تميد بأهلها). وتقدير الكلام: والجبال أرساها فيها، أي قرّرها وأثبتها وأكّدها في أماكنها.

وقوله تعالى: {مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} . قال ابن كثير: (أي: دَحَا الأرض فأنْبَعَ عُيونها، وأظهَرَ مكنونها، وأجْرَى أنهارها، وأنْبَتَ زُروعها وأشجارها وثِمارها، وثَبَّتَ جِبَالها لتستقر بأهلِها ويَقِرَّ قرارُها، كلَّ ذلك متاعًا لخلقه ولما يحتاجون إليه من الأنعام التي يأكُلَونها ويركَبُونَها مدّةَ احتياجهم إليها في هذه الدار إلى أن ينتهي الأمدُ، ويَنْقَضِيَ الأجلُ).

34 -

46. قوله تعالى: {فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (34) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (35) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (36) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (42) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (43) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (44) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (45) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (46)}.

في هذه الآيات: وقوعُ الإنسان في شباك كسبه وعمله يوم الدين، وقد أُظهرت أمام الخلق نار الجحيم، فأما من آثر طاعة ربه ورضاه فهو في روضات النعيم، وأما من آثر طاعة الشيطان واتباع الشهوات فهو في العذاب الأليم، وأمر الساعة أمر مباغت لا يعلمه إلا رب العالمين.

(1) انظر تفصيل البحث في: "كتاب توحيد الخالق" - عبد المجيد الزنداني - ص (350 - 355).

ص: 335

فقوله تعالى: {فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى} . أي: الداهية العظمى. قال ابن عباس: (من أسماء يوم القيامة، عظّمه اللَّه وحذَّره عباده). وسميت كذلك لأنها تطمّ على كل هائلة من الأمور، فتغمر ما سواها بعظيم هولها. كما قال تعالى:{وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} [القمر: 46]. وجواب "إذا" محذوف يدل عليه التقسيم بعده. والتقدير: ظهرت الأعمال. أو انقسم الناس قسمين.

وقوله تعالى: {يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى} . أي: وحينئذ يتذكر الإنسان جميع أعماله، مما عمل من خير أو شر، وذلك بعرضه عليه. كما قال تعالى:{يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى} [الفجر: 23].

وقوله تعالى: {وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى} . أي: وأظهرت نار اللَّه للناظرين فرآها الناس بيانًا.

وقوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى} . قال مجاهد: ({طَغَى}: عصى). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: فأما من عتا على ربه، وعصاه واستكبر عن عبادته).

وقوله تعالى: {وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} . أي: وقدّم متاعَ الحياة الدنيا وشهواتها، على كرامة الآخرة ونعيمها، فعمل لدنياه، على حساب دينه وأخراه.

وقوله تعالى: {فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى} . أي: فإن المنزل والمقام في الآخرة في الجحيم، حيث طعام الزقوم، وشراب الحميم.

وقوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} . قال ابن كثير: (أي: خاف القيامَ بين يدي اللَّه عز وجل وخاف حُكْمَ اللَّه فيه، ونهى نفسه عن هواها، ورَدَّها إلى طاعة مولاها).

وقوله تعالى: {فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} . أي: فإن المنزل والمقام يوم القيامة في جنة السُّرور والنعيم، حيث الحفاوة والتكريم، والخلود في نعيم مقيم.

وقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا} . قال القاسمي: (أي إقامتها. أي متى يقيمها اللَّه ويكوّنها. قال الناصر: وفيه إشعار بثقل اليوم كقوله: {وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا} [الإنسان: 27]، ألا تراهم لا يستعملون الإرساء إلا فيما له ثقل، كمرسى السفينة وإرساء الجبال). وقال الفراء: (رُسُوّها قيامها كرسوّ السفينة). وقال أبو عبيدة: (أي منتهاها، ومرسى السفينة حيث تنتهي). وقال الربيع بن أنس: (متى زمانها)، والمعنى متقارب.

ص: 336

وقوله تعالى: {فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (43) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا} .

أخرج الحاكم في المستدرك بسند صحيح على شرط الشيخين عن عائشة قالت: [لم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يسأل عن الساعة حتى أنزل اللَّه عز وجل: {فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (43) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا}](1).

وأخرج البزار ورجاله رجال الصحيح عن طارق بن شهاب قال: [كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يزال يذكر شأن الساعة حتى نزلت: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا} إلى قوله: {مَنْ يَخْشَاهَا}](2).

قال القرطبي: (ويجوز أن يكون إنكارًا على المشركين في مسألتهم له، أي فيم أنت من ذلك حتى يسألوك بيانَه، ولست ممن يعلمه. رُوي معناه عن ابن عباس. والذكْرَى بمعنى الذكر. {إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا} أي منتهى علمها، فلا يوجد عند غيره علم الساعة).

وفي التنزيل نحو ذلك:

1 -

قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} [لقمان: 34].

2 -

وقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي} [الأعراف: 187].

وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: [قال -جبريل- يا رسول اللَّه! متى تقوم الساعة؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل](3).

وقوله تعالى: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا} . قال النسفي: (أي لم تبعث لتعلمهم بوقت الساعة وإنما بعثت لتنذر من أهوالها من يخاف شدائدها).

وقوله تعالى: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} . قال قتادة: (وقت الدنيا في أعين القوم حين عاينوا الآخرة).

والمعنى: كأن هؤلاء المكذبين بها، وبما فيها من الجزاء والحساب، يوم

(1) حديث صحيح. أخرجه الحاكم في المستدرك وقال: هذا حديث صحيح على شرطهما، وأقرّه الذهبي. وأخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" (3492) عن عروة به. وانظر:"الصحيح المسند من أسباب النزول" - الوادعي - سورة النازعات، الآيات (41 - 45). وأخرجه الطبري (36314).

(2)

حديث صحيح. أخرجه البزار (2279)، والطبري (36315) - عن طارق بن شهاب مرسلًا.

(3)

حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (10) - كتاب الإيمان. باب: الإسلام ما هو وبيان خصاله، من حديث أبي هريرة.

ص: 337