الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
-
منهاح السورة
-
1 -
اشتراك جميع الكائنات بتسبيح اللَّه الملك القدوس العزيز الحكيم.
2 -
امتنان اللَّه تعالى على عباده ببعث رسوله الكريم، يعلمهم الكتاب والسنة ومنهاج هذا الدين القويم.
3 -
متابعة الأخيار في هذه الأمة نبيهم وأصحابه على منهاج الحق منهاج الرسول الكريم.
4 -
تشبيهُ الذين نقضوا عهد التوراة بالحمار يحمل كتبًا لا ينتفع بها، ودعوة اليهود لتصديق ادعائهم أنهم أبناء اللَّه وأحباؤه بتمني الموت في سبيل اللَّه.
5 -
الأمْرُ بالسعي إلى صلاة الجمعة وتأجيل الصفق في الأسواق وتعظيم هذه الشعيرة العظيمة.
6 -
إباحة العودة بعد الصلاة لابتغاء الرزق والفضل من اللَّه، والأمر بالتماس ذكره تعالى دومًا فعليه الفلاح في الدنيا والآخرة.
7 -
عتاب لطيف من اللَّه تعالى لأصحاب نبيه الكرام، في انشغالهم بالعير عن متابعة خطبة نبيهم عليه الصلاة والسلام.
8 -
ما عند اللَّه خير وأبقى واللَّه خير الرازقين.
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
1 -
4. قوله تعالى: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (4)}.
في هذه الآيات: تسبيحُ جميع الكائنات للَّه الملك القدوس العزيز الحكيم، الذي امتن على عباده بإرسال هذا النبي الكريم، يعلمهم الكتاب والسنة ويتابعهم الأخيار من بعدهم على هذا المنهاج القويم.
فقوله: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} . إخبارٌ من اللَّه تعالى أنه يسبح له كل من في السماوات والأرض من جميع المخلوقات ناطقها وجامدها، كما قال تعالى:{وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44].
وقوله: {الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ} . الملك: هو المالك لكل شيء المتصرف فيه. والقدّوس: هو الطاهر من العيوب المتنزِّه عنها. قال تعالى: {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ} [طه: 114]. وقال تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ} [الحشر: 23].
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [يقبض اللَّه الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض](1).
وفي سنن أبي داود عن عائشة: [أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في ركوعه وسجوده: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، ربُّ الملائكة والروح](2).
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (4812)، (6519)، (7382)، ورواه مسلم (8/ 126).
(2)
حديث صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود (1/ 165) من حديث عائشة، ورواه مسلم بنحوه.
وقوله: {الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} . العزيز: الغالب القاهر، والعِزَّة: الغَلَبة. والحكيم: العالم وصاحب الحكمة والمتقن للأمور. وفي التنزيل: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118].
وفي الصحيحين عن ابن عباس: أن نبي اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يدعو عند الكرب: [لا إله إلا اللَّه الحليم الحكيم، لا إله إلا اللَّه ربُّ العرش العظيم. لا إله إلا اللَّه ربُّ السماوات والأرض ورب العرش الكريم](1).
وقوله: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ} . قال ابن عباس: (الأميّون العرب كلهم، من كتب منهم ومن لم يكتب، لأنهم لم يكونوا أهل كتاب). وقيل: الأميّون الذين لا يكتبون. وكذلك كانت قريش. وقوله: {رَسُولًا مِنْهُمْ} يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم. وما من حَيّ من العرب إلا ولرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فيهم قرابة وقد وَلدوُه. قال ابن إسحاق: (إلا حيّ تَغْلِب، فإن اللَّه تعالى طَهَّر نبيّه صلى الله عليه وسلم منهم لِنَصْرانِيَّتهم، فلم يجعل لهم عليه ولادة. وكان أميًا لم يقرأ من كتاب ولم يتعلم صلى الله عليه وسلم).
قال الماوردي (6/ 6): (فإن قيل ما وجه الامتنان بأن بعث نبيًا أميًّا؟ فالجواب عنه من ثلاثة أوجه: أحدها: لموافقته ما تقدمت به بشارة الأنبياء. الثاني: لمشاكلة حاله لأحوالهم، فيكون أقرب إلى موافقتهم. الثالث: لينتفي عنه سوء الظن في تعليمه ما دعا إليه من الكتب التي قرأها والحكم التي تلاها).
وكونه بعث في الأميين -أي العرب- لا ينفي عموم بعثته للعالمين، وإنما يكون وجه الامتنان من اللَّه على قومه أبلغ وأكثر، وهذه الآية مصداق إجابة دعوة إبراهيم عليه السلام:{رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 129]. فبعثه اللَّه على حين فترة من الرسل، وطموس في السبل، وقد اشتدت الحاجة إليه.
وقوله: {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} . فيه البدء بتزكية النفس لتتحمل لوازم العلم، فإن الإيمان أولًا ثم طلب العلم يكون يعقبه، كما قال بعض السلف:(تعلمنا الإيمان، ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانًا). فقوله: {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} يعني القرآن. قال ابن عباس: ({وَيُزَكِّيهِمْ} أي يجعلهم أزكياء القلوب
(1) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (6345)، (6346)، وصحيح مسلم (2730)، كتاب الذكر والدعاء، وصحيح سنن الترمذي (2732)، ورواه ابن ماجة (3883).
بالإيمان). وقيل: {وَيُزَكِّيهِمْ} يطهّرهم من دنس الكفر والذنوب - قاله ابن جريج. وعن الحسن: ({وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ} يعني القرآن {وَالْحِكْمَةَ} السنة). وقال مالك بن أنس: ("الحِكْمَةُ" الفقه في الدِّين).
وقوله: {وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} . أي: وإن كانوا من قبل محمد صلى الله عليه وسلم لفي كفر وجهالة، وذهاب عن الحق.
وقوله: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} . عطف على {الْأُمِّيِّينَ} أي بعث في الأميّين وبعث في آخرين منهم. أو هو منصوب بالعطف على الهاء والميم في {وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ} أي يعلمهم ويعلم آخرين من المؤمنين - حكاه القرطبي وقال: (لأن التعليم إذا تناسق إلى آخر الزمان كان كله مسندًا إلى أوّله، فكأنه هو الذي تولّى كل ما وجد منه) وقال عكرمة: ({وَآخَرِينَ مِنْهُمْ}: هم التابعون). وقال مجاهد: (هم الناس كلهم، يعني من بعد العرب الذين بُعِث فيهم محمد صلى الله عليه وسلم). وقال ابن زيد: (هم من دخل في الإسلام بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة).
قلت: وآفاق هذه المعاني في عموم بعثته صلى الله عليه وسلم، وتصديق العرب والعجم بهذا الدين، والتسابق لحمل لوائه مؤيد في تفسير هذه الآية بروائع من السنة الصحيحة:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: [كنا جُلوسًا عند النبي صلى الله عليه وسلم فَأُنزلت عليه سورة الجمعة: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} قال: قُلت: مَنْ هُمْ يا رسول اللَّه؟ فَلَمْ يُراجِعْهُ حتى سأل ثلاثًا وفينا سلمانُ الفارسي، وضَعَ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يده على سَلْمانَ، ثم قال: لو كان الإيمان عِند الثريا لنالَهُ رجالٌ أو رجُلٌ مِنْ هؤلاء](1).
وقد صَحَّ بلفظ آخر: [لو كان الدينُ عند الثريا لذهبَ به رجلٌ من فارس، أو قال: من أبناء فارس حتى يتناوله](2).
الحديث الثاني: أخرج الحاكم بإسناد على شرط البخاري عن زيد بن أسلم عن ابن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: [رأيت غنمًا كثيرة سوداء، دخَلَت فيها غَنَمٌ كثيرةٌ بيض.
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (4897)، كتاب التفسير، سورة الجمعة (3)، وأخرجه مسلم (2546)، والترمذي (3310)، وأحمد (2/ 417)، والنسائي في "التفسير"(612)، وأخرجه الطبري في "التفسير"(34086).
(2)
حديث صحيح. أخرجه مسلم (6/ 191)، وأحمد (2/ 308 - 309) عن أبي هريرة مرفوعًا.
قالوا: فما أوَّلْتَهُ يا رسولَ اللَّه؟ قال: العَجَم، يَشْرَكونَكُم في دينكم وأنسابكم. قالوا: العجم يا رسول اللَّه؟ قال: لو كان الإيمان معلقًا بالثريا لناله رجال من العجم، وأسعد بهم الناس] (1).
الحديث الثالث: أخرج أبو نعيم في "أخبار أصبهان" بسند حسن من طريق عمرو بن شرحبيل عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعًا: [رأيتُ الليلة غنمًا سودًا تَتْبَعُني، ثم أَرْدَفتها غنم عُفْرٌ، فقال أبو بكر: تلك العرب اتَّبَعَتْكَ، ثم أردفَتْها الأعاجم. فقال صلى الله عليه وسلم: كذلكَ عَبَّرَها الملك بِسَحَر](2).
الحديث الرابع: أخرج ابن أبي عاصم في "السنة" بسند صحيح عن سهل بن سعد قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [إنّ في أصلاب أصلاب أصلاب رجال رجالًا ونساءً من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب، ثم قرأ: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}](3).
وقوله: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} . قال النسفي: (في تمكينه رجلًا أميًا من ذلك الأمر العظيم وتأييده عليه واختياره إياه من بين كافة البشر).
وقوله: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} . يعني: ما اختص اللَّه به محمدًا صلى الله عليه وسلم من النبوة العظيمة، وما خصّ به أمّته من بعثته الكريمة. قال ابن عباس:(الفضل: الدين). وقال مقاتل: (الوحي والنبوة). وقيل: (إنه انقياد الناس إلى تصديق النبي صلى الله عليه وسلم ودخولهم في دينه ونصرته). وقيل: إنه المال ينفق في طاعته. ودليله ما في صحيح البخاري ومسلم عن أبي صالح، عن أبي هريرة: [أنَّ فقراء المهاجرين أتوا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقالوا: ذهبَ أهل الدُّثور (4) بالدرجات العلا والنعيم المقيم. فقال: "وما ذاك"؟ قالوا: يُصَلُّون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدّقون ولا نتصدق ويُعتقون ولا نُعتق. فقال رسول اللَّه
(1) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (4/ 395) وقال: "صحيح على شرط البخاري" ووافقه الذهبي، وأقره الألباني بقوله:(وهو كما قالا). انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (1018).
(2)
حديث حسن. أخرجه أبو نعيم في "أخبار أصبهان"(1/ 9)(1/ 10) بنحوه. وانظر كذلك (1/ 209). وسلسلة الأحاديث الصحيحة ص (15) -المجلد الثالث- عقب الحديث (1018).
(3)
إسناده صحيح. أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" -حديث رقم- (309)، والطبراني (6005) وسنده حسن. ورواه ابن مردوديه كما في "الدر"(6/ 215)، وجوّده الهيثمي (18702) ووافقه الألباني في تخريج كتاب:"السنة"(309).
(4)
الدثور: جمع دثر، وهو المال الكثير.
-صلى الله عليه وسلم: "أفلا أعلمكم شيئًا تُدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنَعَ مثل ما صنعتم"؟ قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال:"تسبّحون وتكبّرون وتحمدون دُبُرَ كل صلاة ثلاثًا وثلاثين مرة". قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقالوا: سمع إخواننا أهلُ الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله. فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} ] (1).
قلت: وجميع ما ذكر من اختصاص اللَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم بالنبوة، واختصاص أمته باستقبال بعثته، وانقياد الناس إليه ودخولهم في دينه ونصرته، وتسابق بعض العرب والعجم لحمل لواء شريعته، وإنفاق بعض الأغنياء في سبيل نشر دعوته، كل ذلك داخل في مفهوم هذه الآية.
وقوله: {وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} . قال ابن عباس: (حيث ألحق العجم بقريش). وقال: (يقول: واللَّه ذو الفضل على عباده، المحسن منهم والمسيء، والذي بعث فيهم الرسول منهم وغيرهم، العظيم الذي يقلّ فضل كل ذي فضل عنده).
5 -
8. قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5) قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8)}.
في هذه الآيات: تشبيه الذين أوتوا التوراة من اليهود والنصارى وقد كُلفوا العمل بها فلم يعملوا بها، ثم كذبوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ولم يؤمنوا بالوحي والنبوة، بالحمار يحمل على ظهره كتبًا من كتب العلم لا ينتفع بها ولا يعقل ما بداخلها، ودعوة اليهود لتصديق ادعائهم أنهم أبناء اللَّه وأحباؤه بتمني مفارقة هذه الحياة إلى دار الخلود وجنات النعيم،
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (6329)، (843)، ومسلم (595)، وابن حبان (2014)، وأخرجه البيهقي (2/ 186) من حديث أبي هريرة.
ولكنهم أحرص الناس على الحياة واللَّه عليم بالظالمين.
قوله: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ} . قال ابن عباس: ({حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ} أي كُلّفوا العمل بها). وقال الجُرجاني: (هو من الحَمالة بمعنى الكفالة، أي ضمنوا أحكام التوراة).
وقوله: {ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا} . أي تركوا العمل بها، وأهملوا التحاكم إليها.
وقوله: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} . أسفارًا: جميع سِفْر، وهو الكتاب الكبير، لأنه يسفر عن المعنى إذا قرئ. قال مجاهد:({يَحْمِلُ أَسْفَارًا} يحمل كتبًا لا يدري ما فيها، ولا يعقلها). وقال مَيمون بن مِهْران: (الحمار لا يدري أسِفْر على ظهره أم زِبيل، فهكذا اليهود). قال القرطبي: (وفي هذا تنبيه من اللَّه تعالى لمن حمل الكتاب أن يتعلم معانيه ويعلم ما فيه، لئلا يلحقه من الذمّ ما لحق هؤلاء).
قلت: وقد جاء في السنة الصحيحة نحو ما جاء في هذه الآية مما يعيب اليهود، ويحذر أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن تسلك مسلكهم.
فقد أخرج الطبراني بسند حسن عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [إن بني إسرائيل كتبوا كتابًا فاتبعوه وتركوا التوراة](1).
وكذلك أخرج الطبراني بسند صحيح عن خَبّاب رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [إن بني إسرائيل لما هلكوا قصُّوا](2).
قال المناوي: (أي لما هلكوا بترك العمل أخلدوا إلى القصص، وعولوا عليها، واكتفوا بها).
قلت: وما أشبه حال المسلمين اليوم بهذا الحال الذي حُذّروا من اتباعه، فإن كثيرًا من وعاظهم انصرفوا إلى الوعظ بالقصص والأخبار الواهية، والحكايات والإسرائيليات البالية، تاركين منهج الفقه والعلم النافع الذي يعرف الناس بدينهم الحق، والذي يحملهم على العمل الصالح والدأب والتحصيل النافع.
(1) حديث حسن. أخرجه الطبراني في "الكبير" بسند حسن. انظر "مجمع الزوائد"(1/ 172)، وكذلك صحيح الجامع الصغير (2040).
(2)
حديث صحيح. أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير"(رقم - 3705)، وأبو نعيم في "الحلية"(4/ 362). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (1681).
أخرج الحاكم بسند جيد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [لتركبنَّ سُنَنَ من كان قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، وباعًا بباع، حتى لو أنّ أحدهم دخل جُحْرَ ضب دخلتم، وحتى لو أن أحدهم ضاجع أمه بالطريق لفعلتم](1).
وقوله: {بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ} . أي: بئس مثل القوم المثل الذي ضربناه لهم. قال ابن القيم في "أعلام الموقعين": (قاسَ من حَمَّلَهُ سبحانه كتابَهُ ليؤمِنَ به ويتدبّره ويعمل به ويدعو إليه، ثم خالف ذلك، ولم يحمله إلا على ظهر قلب، فقراءته بغير تدبّر ولا تفهّم ولا اتباع له، ولا تحكيم له، وعمل بموجبه -كحمار على ظهره زاملة أسفار، لا يدري ما فيها، وحظه منها حملها على ظهره ليس إلا، فحظّه من كتاب اللَّه كحظّ هذا الحمار من الكتب التي على ظهره. فهذا المثل، وإن كان ضُرِب لليهود، فهو متناول من حيث المعنى، لمن حمل القرآن، فترك العمل به، ولم يؤدّ حقّه، ولم يرعه حق رعايته).
وقوله: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} . أي: واللَّه لا يوفق القوم الذين اختاروا ظلم أنفسهم، بكفرهم بآيات ربهم. وقيل: واللَّه لا يهدي من سبق في علمه أن يكون كافرًا.
وقوله تعالى: {قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} . -هادوا-: من هادَ يهود إذا تهوّد. والمقصود: لما ادّعت اليهود الفضيلة بأنهم أبناء اللَّه وأحباؤه من دون الناس دُعوا للاختبار الدقيق، فإن للأولياء عند اللَّه الكرامة، ومن ثمَّ قيل لهم: تمنّوا على اللَّه أن يميتكم وينقلكم سريعًا إلى دار كرامته التي أعدها لأولياءه، فتستريحوا من كرب الدنيا وهمومها وغمومها، وتصيروا بعد الموت إلى روح الجنان ونعيمها، {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} في زعمكم ودعواكم.
وقوله: {وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} . أي: لا يتمنى اليهود الموت أبدًا بما
(1) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (4/ 455)، والدولابي في "الكنى"(2/ 30)، وله شاهد عند الترمذي، والحاكم (1/ 129) من حديث عبد اللَّه بن عمرو. وانظر صحيح الجامع (4943).
اجترحوا من ظلم وآثام، وبما اكتسبوا من كفر وفجور وإجرام.
وقوله: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} . أي: واللَّه ذو علم بمن أوبق نفسه بالكفر باللَّه ورسله وكان من الظالمين.
وقوله: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ} . أي: قل يا محمد لهؤلاء اليهود: إن الموت الذي تكرهون تمنّيه وتحذرون وقوعه نازل بكم. وهو كقوله تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} [النساء: 78].
وقوله: {ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} . قال ابن جرير: (ثم يردّكم ربكم من بعد مماتكم إلى عالم الغيب والشهادة، عالم غيب السماوات والأرض، {وَالشَّهَادَةِ}: يعني وما شهد فظهر لرأي العين، ولم يغب عن أبصار الناظرين).
وقوله: {فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} . قال قتادة: (يقول: فيخبركم حينئذ ما كنتم في الدنيا تعملون من الأعمال، سيئها وحسنها، لأنه محيط بجميعها، ثم يجازيكم على ذلك المحسن بإحسانه، والمسيء بما هو أهله).
9 -
10. قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (9) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10)}.
في هذه الآيات: أمْرُ اللَّه تعالى عباده المؤمنين بالسعي إلى صلاة الجمعة إذا سمعوا النداء لها، والتبكير لسماع خطبتها، وترك البيع والشراء تعظيمًا لهذه الشعيرة العظيمة. وإباحةُ العودة بعد الصلاة إلى ابتغاء الرزق والفضل من اللَّه، والأمر بالتماس ذكره تعالى وتعظيم أمره دومًا، ففي ذلك الفلاح في الدنيا والآخرة.
أمْرٌ بالمبادرة إلى صلاة الجمعة عند سماع النداء لها، وليس المقصود الهرولة إليها. قال قتادة:(والسعي يا ابن آدم أن تسعى بقلبك وعملك، وهو المضيّ إليها). وكان عمر يقرؤها: "فامضوا إلى ذكر اللَّه" - ذكره ابن جرير بإسناده.
وقد ثبت النهي عن الإسراع والهرولة إلى صلوات الجماعة عامة عند التوجه إليها.
ففي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [إذا سَمِعْتُم الإقامةَ فامشُوا إلى الصلاة، وعليكم بالسكينة والوقار ولا تُسرعوا، فما أدْرَكْتُم فَصَلُّوا وما فاتكم فأتِمّوا](1).
وفي صحيح مسلم عن عبد اللَّه بن أبي قتادة، أن أباه أَخْبَرَهُ قال:[بَيْنَما نحنُ نُصَلِّي مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. فَسَمِعَ جَلَبَةً، فقال: ما شأنُكُم؟ قالوا: استعجلنا إلى الصلاة. قال: فلا تفعلوا، إذا أتيتُم الصلاة فعليكم السكينة، فما أدركْتُم فَصَلّوا، وما سبقَكُم فَأَتِمّوا](2).
وَسُمِّيَت الجُمعة جمعة لأنها مشتقة من الجمع، فأهل الإسلام يجتمعون فيه كل أسبوع مرة في المساجد يستمعون الذكر وموعظة الحق ويتعلمون أمر دينهم، وقد أضلّ اللَّه تبارك وتعالى عن الجمعة أهل الكتابين قبلنا فاختار اليهود لعيدهم السبت، والنصارى الأحد، وخبأ اللَّه الجمعة عيدًا لأهل الإسلام.
ففي صحيح مسلم عن حذيفة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [أَضَلَّ اللَّهُ عن الجُمعة مَنْ كان قَبْلنا، فكان لليهود يومُ السبت، وكان للنصارى يومُ الأحد، فجاء اللَّه بِنا، فَهدانا اللَّه ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبتَ والأحدَ، وكذلك هم تَبَعٌ لنا يوم القيامة، نحن الآخرون مِن أهل الدنيا، والأوَّلون يَوْمَ القيامة، المَقْضِيُّ لهم قبل الخلائق](3).
وفي رواية: [هُدينا إلى الجمعة وأضَلَّ اللَّه عنها مَنْ كان قَبْلَنا].
والمراد بالنداء في قوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ} النداء الثاني الذي كان يُرْفَعُ بين يدي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا جلس على المنبر، وأما النداء الأول فإنما زاده عثمان بن عفان رضي الله عنه أيام خلافته لتنبيه الناس وقد كثروا إلى ترك الأسواق والأعمال والاستعداد إلى صلاة الجمعة.
ففي صحيح البخاري عن السائب بن يزيد قال: [كانَ النداءُ يومَ الجمعة أَوَّلُه إذا
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (636)، كتاب الأذان، وكذلك (908)، وأخرجه مسلم (602)، وابن ماجة (775)، وأحمد (2/ 532)، وابن حبان (2146).
(2)
حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (603)، كتاب المساجد، باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة، والنهي عن إتيانها سعيًا.
(3)
حديث صحيح. أخرجه مسلم (856)، كتاب الجمعة، ح (22)، وانظر كذلك ح (23).