الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
60 - سورة الممتحنة
وهي سورة مدنية، وعدد آياتها (13).
قال القرطبي: (الممتحِنة -بكسر الحاء- أي المختبرة، أضيف الفعل إليها مجازًا، كما سُمِّيت سورة "براءة" المبعثرة والفاضحة، لما كشفت عن عيوب المنافقين. ومن قال في هذه السورة: الممتحَنة -بفتح الحاء- فإنه أضافها إلى المرأة التي نزلت فيها، وهي أمُّ كُلْثوم بنت عقبة بن أبي مُعَيط، قال اللَّه تعالى: {فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ} الآية. وهي امرأة عبد الرحمن بن عَوْف، ولدت له إبراهيم بن عبد الرحمن).
موضوع السورة
منهج الولاء والبراء، والتفريق بين المسالمين والأعداء
-
منهاج السورة
-
1 -
قصة حاطب بن أبي بلتعة ورسالته إلى المشركين ينذرهم الفتح القادم.
2 -
قواعد منهج الولاء والبراء الذي هو جزء من منهاج الإيمان عند المسلمين.
3 -
ذِكْرُ اللَّه تعالى -إبراهيم عليه السلام المثل الأعلى للمؤمنين في الولاء للمسلمين والبراء من الكافرين.
4 -
التفريق بين المحاربين من الأعداء والمسالمين، والنهي عن موالاة المقاتلين منهم والأمر بالإقساط إلى المقسطين.
5 -
الأمْرُ باختبار المؤمنات المهاجرات، والترغيب بنكاحهن والتأكيد على دفع مهورهن.
6 -
الأمر بتعويض الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا، والحث على لزوم التقوى.
7 -
مبايعة النبي صلى الله عليه وسلم النساء على الإسلام، وذكر بنود البيعة التي بقيت عبر الزمان.
8 -
تجديدُ النهي عن موالاة الكافرين، وتأكيد قواعد الولاء والبراء عند المؤمنين.
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
1 -
3. قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (1) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (2) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (3)}.
في هذه الآيات: ذكر قصة حاطب بن أبي بلتعة وهو رجل من المهاجرين شهد بدرًا، وكان له بمكة أولاد ومال، ولم يكن من قريش أنفسهم، بل كان حليفًا لعثمان، فلما غدرت قريش ونقضت العهد وأمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أصحابه بالتجهز عامدًا فتح مكة، حدث أن أرسل حاطب بن أبي بلتعة كتابًا إلى قريش ينذرها المسلمين وجيش الفتح القادم، -يريد بذلك أن يتخذ عندهم يدًا- وحمّلَهُ امرأة عجوزًا لتوصله إلى مكة، إلا أن الوحي الكريم تدخل في اللحظة المناسبة وأفسد الإنذار، وبَيَّنَ قواعد منهج الولاء والبراء الذي يجب أن يكون عليه الأخيار.
أخرج البخاري في صحيحه عن علي رضي الله عنه قال: [بعثني رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد، فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضةَ خاخٍ فإنَّ بها ظعينةً معها كتاب فخذوه منها. قال: فانطلقنا تَعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة. قلنا لها: أخرجي الكتاب، قالت: ما معي كتاب، فقلنا: لَتُخْرِجِنَّ الكتابَ أو لَنُلْقِيَنَّ الثياب. قال: فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس بمكة من المشركين يخبرهم ببعض أمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: يا حاطِبُ ما هذا؟ قال: يا رسول اللَّه لا تعجل عليَّ، إني كنتُ امرأً مُلْصَقًا في قريش، يقول: كنت حليفًا ولم أكُنْ من أنْفُسِها وكان من معك من المهاجرين
من لهم قرابات يحمون أهليهم وأموالَهم، فاحبَبْتُ إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدًا يحمون قرابتي ولم أفعله ارتدادًا عن ديني ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أما إنه قد صدقكم. فقال عمر: يا رسول اللَّه دعني أضرب عنق هذا المنافق (وفي رواية: يا رسول اللَّه قد خان اللَّه ورسوله والمؤمنين دعني أضرب عنقه). فقال: إنه قد شهد بدرًا وما يدريك لعل اللَّه اطّلع على من شهد بدرًا قال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، فأنزل اللَّه السورة:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} إلى قوله: {فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} ] (1).
فقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ} . أي: من المشركين والكفار الذين يحاربون اللَّه ورسوله ويصدون عن الدين الحق {أَوْلِيَاءَ} يعني أخلاء وأصدقاء وأنصارًا. والآية فيها تهديد ووعيد لمن يضعف أمام إقامة منهج الولاء والبراء.
وقوله: {تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} . قال القرطبي: (يعني بالظاهر، لأن قلب حاطب كان سليمًا، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: "أما صاحبكم فقد صدق" وهذا نصٌّ في سلامة فؤاده وخلوص اعتقاده). وعن الزجاج: ({تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} تخبرونهم بسرائر المسلمين وتنصحون لهم).
وقوله: {وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ} . أي: كيف توادوهم أو تتولوهم وهذا حالهم لا يخفى عليكم من محاربة ما جاءكم من الحق.
وقوله: {يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ} . استئناف يبيّن بعض النعوت والصفات التي كفر بها طغاة مكة، وهو إخراجهم الرسول والمؤمنين من ديارهم. قال ابن عباس:({يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ}: وكان حاطب ممن أخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم). وقيل: بل هو حال من {كَفَرُوا} . وكلا التأويلين منسجم مع السياق.
وقوله: {أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ} . تعليل لـ {يُخْرِجُونَ} . والتقدير: إنما يخرجونكم مع رسولكم من مكة بسبب إيمانكم باللَّه وحده، وإفراده تعالى بالتكبير والتعظيم.
وقوله: {إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي} . قال ابن كثير: (أي: إن كنتم كذلك فلا تتخذوهم أولياء، إن كنتُم خرجتُم مجاهدين في سبيلي باغين لمرضاتي عنكم
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (3983) - كتاب المغازي، باب فضل من شهد بدرًا. وكذلك (4274) - في باب غزوة الفتح، و (3007) - كتاب الجهاد. ورواه مسلم بنحوه (2494)، وأبو داود (2650)، والترمذي (3305)، وأحمد (1/ 79).
فلا تُوالوا أعدائي وأعداءكم، وقد أخرجوكم من ديارِكم وأموالِكم حَنَقًا عليكم، وسُخْطًا لدينكم).
وقوله: {تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ} . قال النسفي: (المعنى: أي طائل لكم في إسراركم، وقد علمتم أن الإخفاء والإعلان سيان في علمي وأنا مطلع رسولي على ما تسرون).
وقوله: {وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} . أي: ومن يفعل ذلك الإسرار إلى الكفار أو المكاتبة لإطلاعهم على أسرار المسلمين فقد أخطأ طريق الحق والصواب، وجار عن قصد الطريق.
وفي التنزيل نحو ذلك من آيات الولاء والبراء:
أ- قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51].
2 -
وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة: 57].
3 -
وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا} [النساء: 144].
ومن صحيح السنة العطرة في آفاق ذلك:
قال عبد اللَّه بن الإمام أحمد: [حدثنا أبي حدثنا وكيع حدثنا إسرائيل عن سماك بن حرب عن عياض الأشعري عن أبي موسى رضي اللَّه تعالى عنه قال: قلت لعمر رضي الله عنه: إن لي كاتبًا نصرانيًا. قال: مالك؟ قاتلك اللَّه. أما سمعت اللَّه يقول: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} الآية. ألا اتخذت حنيفيًا؟ قال: قلت: يا أمير المؤمنين لي كتابته وله دينه. قال: لا أكرمهم إذ أهانهم اللَّه، ولا أعزّهم إذ أذلّهم اللَّه، ولا أدنيهم إذ أقصاهم اللَّه].
ورواه البيهقي ولفظه: [لا تؤمنوهم وقد خونهم اللَّه، ولا تقربوهم وقد أبعدهم اللَّه، ولا تُعِزُّوهم وقد أذلهم اللَّه](1).
وقوله: {إِنْ يَثْقَفُوكُمْ} . أي: يلقوكم ويظفروا بكم ويتمكنوا منكم. وفي لغة
(1) حديث حسن. أخرجه البيهقي (10/ 127)، وحسنه الألباني في "الإرواء"(8/ 256).
العرب: ثقِف فلان فلانًا: أي صادفه، فهو من المثاقفة.
وقوله: {يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً} . أي يكونوا لكم حربًا. {وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} . أي بالضرب والقتل وأنواع الأذى. {وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ} أي بالشتم والسبّ وفاحش القول.
وقوله: {وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} . أي: وتمنوا لو ترتدون عن دينكم، فهم يريدون أن يلحق بكم مضار الدنيا والدين من قتل الأنفس وتمزيق الأعراض وردكم كفارًا بمحمد وهذا القرآن. وهذا تهييج لكم على عداوتهم. قال النسفي:(وردكم كفارًا أسبق المضار عندهم وأولها، لعلمهم أن الدين أعز عليكم من أرواحكم لأنكم بذّالون لها دونه، والعدو أهم شيء عنده أن يقصد أهم شيء عند صاحبه).
وقوله: {لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} . قال القرطبي: (لما اعتذر حاطب بأن له أولادًا وأرحامًا فيما بينهم، بَيَّن الربّ عز وجل أن الأهل والأولاد لا ينفعون شيئًا يوم القيامة إنْ عُصِي من أجل ذلك).
وقوله: {يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ} . أي يحكم بينكم ويقضي لكل بما يستحقه يوم القيامة، فيدخل المؤمنين الجنة ويدخل الكافرين النار {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} .
4 -
6. قوله تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4) رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (5) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (6)}.
في هذه الآيات: ذِكْرُ اللَّه تعالى المثل الأعلى للمؤمنين في الولاء للمسلمين والبراء من الكافرين، إنه إبراهيم عليه السلام ومن كان معه على الحق المبين.
أخرج الحاكم على شرط الشيخين عن ابن عباس رضي الله عنهما: [في قوله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} إلى قوله: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} نزل في مكاتبة حاطب بن أبي بلتعة ومن معه إلى كفار قريش
يحذرونهم. وقوله: {إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ} نهوا أن يتأسوا باستغفار إبراهيم لأبيه فيستغفروا للمشركين. وقوله تعالى: {رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا} لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك فيقولون: لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم] (1).
فقوله: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ} . تنبيه اللَّه تعالى المؤمنين إلى التأسي بسيرة إبراهيم في البراء من الكفار. أي: فاقتدوا به معشر المؤمنين وائتموا بمنهاجه. قال ابن زيد: ({وَالَّذِينَ مَعَهُ} هم الأنبياء). وقيل: أصحاب إبراهيم من المؤمنين، وهو الأنسب للسياق.
فقوله: {إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ} . أي: الكفار. {إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} . أي: من الأصنام والطواغيت.
وقوله: {كَفَرْنَا بِكُمْ} . أي بدينكم وطريقكم. {وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا} . قال ابن كثير: (يعني: وقد شُرِعت العدواةُ والبغضاء من الآنِ بيننا وبينكم، ما دمتُم على كُفركم، فنحن أبدًا نتبرأ منكم ونبغِضُكُم).
وقوله: {حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} . أي: حتى تفردوا اللَّه تعالى بالعبادة والتعظيم، وتخلعوا ما تعبدون معه من الأوثان والأنداد والطواغيت.
وقوله: {إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} . قال ابن عباس: (نهوا أن يتأسوا باستغفار إبراهيم لأبيه فيستغفروا للمشركين). والمعنى: لكم فى إبراهيم والمؤمنين معه أسوة صالحة للتأسي بها، إلا في استغفار إبراهيم لأبيه، فإنه إنما كان عن موعدة وعدها إياه، فلما تبين له أنه عدو للَّه تبرأ منه.
وفي التنزيل نحو ذلك، قال تعالى:{مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} [التوبة: 113 - 114].
وفي صحيح مسلم عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: [لما حضرتْ أبا طالب الوفاةُ، جاءه رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم، فوجد عنده أبا جَهْلٍ وعبد اللَّه بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: يا عَمّ قُلْ لا إله إلا اللَّه، كلمة أشهدُ لك بها عند اللَّه. فقال
(1) حديث صحيح. رواه الحاكم على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأقره الذهبي. انظر:"الصحيح المسند من أسباب النزول" - الوادعي - سورة الممتحنة.
أبو جهل وعبدُ اللَّه بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغبُ عن مِلّةِ عبد المطلب؟ فلو يزل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يَعْرِضها عليه ويُعيد له تلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلَّمهم: هو على مِلّةِ عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا اللَّه. فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أما واللَّه لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنك. فأنزل اللَّه عز وجل: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} ] (1).
وقوله: {رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير} . هو من قيل إبراهيم والمؤمنين معه. أي: توكلنا عليك ربنا وسلمنا أمورنا لك، ورجعنا طائعين مخبتين تائبين راجين عفوك ومغفرتك، فإن مصيرنا إليك، ومرجعنا يوم نبعث من قبورنا إلى موقف العَرْض بين يديك.
وقوله: {رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا} . قال ابن عباس: (لا تسلطهم علينا فيفتنونا). وقال مجاهد: الا تعذبنا بأيديهم، ولا بعذاب من عندك، فيقولوا: لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم هذا). وقال قتادة: (يقول: لا تُظْهِرهم علينا فَيَفْتَتِنُوا بذلك، يرون أنهم ظهروا علينا لحقّ هم عليه).
وقوله: {وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا} . أي: واستر علينا ربنا ذنوبنا بعفوك وكرمك.
وقوله: {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} . أي: إنك أنت {الْعَزِيزُ} في انتقامك من أعدائك، والذي لا يُضام من لاذَ بجنابك. {الْحَكِيمُ} في تدبيرك شؤون خلقك، وفي أقوالك وأفعالك وشرعك وقدرك.
وقوله: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِر} . تأكيد لما تقدم، وتهييج إلى التأسي الصادق بملة إبراهيم، ملة التوحيد والتعظيم، والولاء والبراء، عليه وعلى نبينا وسائر المرسلين أفضل الصلاة والتسليم، لمن كان يرجو لقاء اللَّه وثوابه والنجاة من عذابه يوم القيامة.
وقوله: {وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} . قال ابن عباس: ({الْغَنِيُّ}: الذي قد كمل في غناه، وهو اللَّه، هذه صفته لا تنبغي إلا لَهُ، ليس له كُفء، وليس كمثله شيءٌ، سبحان اللَّه الواحد القهار). وقال ابن كثير: ({الْحَمِيدُ}: المُستحمِدُ إلى خَلْقه، أي هو المحمود في جميع أفعاله وأقواله، لا إله غيرُه، ولا ربَّ سواه). والمعنى: إنه من يعرض عن أمر اللَّه ويدبر مستكبرًا، ويوالي أعداء اللَّه ويلقي إليهم بالمودة، فإن اللَّه غني
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (1/ 40) - كتاب الإيمان. باب: أول الإيمان قول لا إله إلا اللَّه.
عن إيمانه وطاعته كما هو غني عن جميع خلقه، وهو {الْحَمِيدُ} أي المحمود عند أهل المعرفة بأياديه وآلائه عندهم.
7 -
9. قوله تعالى: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (7) لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9)}.
في هذه الآيات: التفريقُ بين المحاربين من الأعداء والمسالمين، والنهي عن موالاة المقاتلين منهم والأمر بالإقساط إلى المقسطين.
فقوله: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً} . قال ابن زيد: (هؤلاء المشركون، قد فعل، قد أدخلهم في السلم وجعل بينهم مودّة حين كان الإسلام حين الفتح). والمعنى: إنه تعالى قد يغيّر الأحوال ويقلب القلوب فيؤمن هؤلاء المشركون من قريش الذين أُمِرْتُم بمعاداتهم ومفاصلتهم على الدين الحق، ومن ثمَّ يجعل اللَّه بينكم وبينهم مَحَبَّةً بعد البِغضَة، ومودَّة بعد النَّفرة، وأُلْفَةً بعد الفرقة، ولذلك قال:{وَاللَّهُ قَدِيرٌ} قال قتادة: (على ذلك). {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} : أي يغفر الذنوب الكثيرة، ويعفو عما سلف أيام الجاهلية، إنه تعالى رحيم بعباده التائبين وبجميع خلقه.
وفي التنزيل نحو ذلك:
1 -
قال تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا} [آل عمران: 103].
2 -
وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 62 - 63].
ومن كنوز السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث، منها:
الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح من حديث أبي سعيد
-في قسمة أموال هوازن وقد وجد الأنصار في أنفسهم- فقال لهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [يا معشر الأنصار! ألم آتكم ضلالًا فهداكم اللَّه، وعالة فأغناكم اللَّه، وأعداء فألف اللَّه بين قلوبكم؟ قالوا: بلى](1).
الحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند حسن عن أبي هريرة مرفوعًا: [أَحْبِبْ حبيبَكَ هَوْنًا ما فعسى أن يكون بغيضكَ يومًا ما. وأَبْغِض بغيضك هونًا ما فعَسى أن يكون حبيبكَ يومًا ما](2).
وقوله: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ} . أي: لا ينهاكم اللَّه -معشر المؤمنين- عن أن تبروا الذين لم يقاتلوكم من الكفرة كالنساء والضعفة فتحسنوا لهم، وتعدلوا وتقضوا إليهم بالقسطِ ولا تظلموهم. قال النسفي:(وإذا نهى عن الظلم في حق المشرك فكيف في حق المسلم).
أخرج البخاري ومسلم عن أسماء بنتِ أبي بكر رضي الله عنهما قلْتُ: [قَدِمت عليَّ أمي وهي مشركةٌ في عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فاستفْتَيْتُ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم، قلتُ: إنَّ أمي قَدِمَتْ وهِيَ راغِبَةٌ، أفأصِلُ أُمِّي؟ قال: نَعَمْ. صِلي أُمَّك](3).
ورواه البخاري في "الأدب المفرد" عنها بلفظ: [أتتني أمي راغبة، في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فسألتُ النبي صلى الله عليه وسلم: أفأصلها؟ قال: نعم. قال ابن عيينة: فأنزل اللَّه عز وجل فيها: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ}](4).
وقوله: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} . قال ابن جرير: (يقول: إن اللَّه يحب المنصفين الذين ينصفون الناس، ويعطونهم الحق والعدل من أنفسهم، فيبرون من برهم، ويحسنون إلى من أحسن إليهم).
وقوله: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ} . قال مجاهد: (كفار أهل مكة). والمقصود: إنما ينهاكم اللَّه -معشر
(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (3/ 76، 77)، (3/ 89)، وانظر كتابي: السيرة النبوية -على منهج الوحيين- (1412) لمزيد من التفصيل.
(2)
حديث حسن. أخرجه الترمذي (1997)، وابن حبان والبجهقي. وانظر صحيح الجامع (176).
(3)
حديث صحيح. أخرجه الخاري (2620) - (3183)، ومسلم (1003)، وأحمد (6/ 347) و (6/ 355)، وأخرجه أبو داود (1668)، وابن حبان (452).
(4)
حديث صحيح. أخرجه البخاري في "الأدب المفرد"(25). وانظر: "صحيح الأدب المفرد" -حديث رقم- (19) - باب برّ الوالد المشرك.
المؤمنين- عن موالاة الذين جاهدوكم على الدين وناصبوكم العداوة فقاتلوكم وأخرجوكم وعاونوا على إخراجكم أن تولوهم، فتكونوا لهم أولياء ونصراء.
وقوله: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} . أي: ومن يتخذهم أولياء وأنصارًا وأحبابًا {فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} .
10 -
11. قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (10) وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (11)}.
في هذه الآيات: الأَمْرُ باختبار المؤمنات المهاجرات وعدم إرجاعهن إلى الكفار إن صحّ إيمانهن، والترغيب في نكاحهن بعد دفع مهورهن والإحسان إليهن، والأمر بتعويض الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا وبتقوى اللَّه العليم الحكيم.
فقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} . استثناء لِما كان قد وقع في عقد صلح الحديبية بين رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وكفار قريش من قولهم: [على أن لا يأتيك منا رجل -وإن كان على دينك- إلا رددته إلينا](1).
فنزل الوحي في شأن المسلمات المهاجرات يأمر بعدم ردّهم -أصلًا- إلى المشركين. فتمسك المسلمون بظاهر نصّ العقد: (على أن لا يأتيك منا رجلٌ)، والذي يُفْهم منه أن النساء غير مشمولين في هذا العقد.
يروي البخاري في صحيحه عن المسور قال: [. . . ثم جاءه نسوة مؤمنات فأنزل اللَّه
(1) وفي رواية: [على أنه لا يأتيك منا أحدٌ - وإن كان على دينك إلا رددته إلينا]. والحديث رواه البخاري (2731)، (2732) - كتاب الشروط، ورواه مسلم (1784) في السير، ورواه أحمد في المسند (4/ 325) من حديث المسور بن مخرمة.
تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ} حتى بلغ {بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} فطلق عمرُ يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاويةُ بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية] (1).
ويبدو أن سبب نزول هذه الآيات قدوم أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط مهاجرة فيمن هاجر، فجاء أهلها يسألون النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجعها إليهم، فأبى عليه الصلاة والسلام لِما نزلَ من القرآن فيهن، فكان يختبرهن فإن كان الإسلام أخرجهن استبقاهن ودفع مهورهن لأزواجهن، في حين كان لا يدفع ذلك قبل الصلح ونزول هذه الآيات.
فقد أخرج البخاري وأحمد عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير أنه سمع مروان والمسور بن مخرمة رضي الله عنهما يخبران عن أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: [لما كاتب سهيل بن عمرو يومئذ كان فيما اشترط سهيل بن عمرو على النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يأتيك منا أحدٌ وإن كان على دينك إلا رددته إلينا وخَليت بيننا وبينه، فكره المؤمنون ذلك وامتعضوا منه، وأبى سهيل إلا ذلك، فكاتبه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، فردَّ يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو، ولم يأته أحد من الرجال إلا ردّه في تلك المدّة وإن كان مسلمًا. وجاء المؤمنات مهاجرات، وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يومئذ وهي عاتق، فجاء أهلها يسألون النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجعها إليهم فلم يرجعها إليهم لما نزل فيهن: {إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ} إلى قوله: {وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ}](2).
فإلى فهم الآيات كما جاء في التفاسير:
يروي ابن جرير بإسناده إلى أبي نصر الأسديّ، قال:(سُئِل ابن عباس: كيف كان امتحان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم النساء؟ قال: كان يمتحنهنّ باللَّه ما خرجت من بغض زوج، وباللَّه ما خرجت رغبة عن أرض إلى أرض، وباللَّه ما خرجت التماس دنيا، وباللَّه ما خرجت إلا حبًا للَّه ورسوله). وفي رواية: قال ابن عباس: (كان امتحانهن أن يشهدن أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا عبده ورسوله).
وعن مجاهد: (قوله: {فَامْتَحِنُوهُنَّ} قال: سلوهن ما جاء بهن؟ فإن كان جاء بهن
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (2731)، (2732) - كتاب الشروط.
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (4180)، (4181) - كتاب المغازي. وكذلك (2711)، (2712) - كتاب الشروط.
غضب على أزواجهن، أو سخطة، أو غيره، ولم يُؤمِنَّ، فارجعوهنّ إلى أزواجهنّ).
وقال قتادة: (كانت محنتهنّ أن يستحلفن باللَّه ما أخرجكنّ النشوز، وما أخرجكن إلا حبّ الإسلام وأهله، وحِرْصٌ عليه، فإذا قُلْنَ ذلك قُبِلَ ذلك منهن).
وقال عكرمة: (يقال لها: ما جاء بك إلا حبّ اللَّه، ولا جاء بك عشق رجل منا، ولا فرارأ من زوجك، فذلك قوله: {فَامْتَحِنُوهُنَّ}).
وقال ابن زيد: (كانت المرأة من المشركين إذا غضبت على زوجها، وكان بينه وبينها كلام، قالت: واللَّه لأهاجرنّ إلى محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال اللَّه عز وجل: {إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ} إن كان الغضب أتى بها فردّوها، وإن كان الإسلام أتى بها فلا تردّوها).
قال ابن اسحاق: (فحدثني الزُّهري، عن عُروة بن الزبير، قال: دخلتُ عليه وهو يكتب كتابًا إلى ابن أبي هنيدة، صاحب الوليد بن عبد الملك، وكتب إليه يسأله عن قول اللَّه تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ} إلى قوله: {عَلِيمٌ حَكِيمٌ} قال: فكتب إليه عروة بن الزُّبير: إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان صالح قُريشًا يوم الحُديبية على أن يردّ عليهم من جاء بغير إذن وليِّه، فلما هاجر النساء إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وإلى الإسلام، أبى اللَّه أن يُرْدَدْنَ إلى المشركين إذا هنّ امتُحنَ بمحنة الإسلام، فعرفوا أنهنّ إنما جِئْنَ رغبة في الإسلام، وأمَرَ بردّ صَدُقاتهن إليهم إن احْتبَسْنَ عنهم، إن هم ردّوا على المسلمين صداقَ من حُبِسوا عنهم من نسائهم، ذلكم حكم اللَّه يحكم بينكم، واللَّه عليم حكيم. فأمسك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم النساء وردَّ الرجال، وسأل الذي أمره اللَّه به أن يسأل من صدُقات نساء من حُبِسوا منهنّ، وأن يردوا عليهم مثل الذي يردّون عليهم، إن هم فعلوا، ولولا الذي حكم اللَّه به من هذا الحكم لردّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم النساء كما ردّ الرجال، ولولا الهُدْنة والعَهْد الذي كان بينه وبين قُريش يوم الحديبية لأمسك النساء، ولم يَرْدُدْ لهن صداقًا، وكذلك كان يصْنَع بمن جاءه من المسلمات قبل العهد)(1).
وقوله: {وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا} . أي: ادفعوا إلى أزواج المهاجرات منَ المشركين ما غرموه عليهن من الأصدِقة. قاله ابن عباس وقتادة. قلت: وهذا من الوفاء بالعهد، لا يُجمع على الرجل خسران الزوجة والمال.
وقوله: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} . أي: إذا آتيتموهن
(1) انظر: سيرة ابن هشام (3/ 326) من مرسل عروة. وانظر كتابي: السيرة النبوية (2/ 1039).
أصدِقتهن فانكحوهنّ. والمقصود: إقامة النكاح بشروطه الشرعية، من انقضاء العِدّة والولي والشاهِدَيْن ودفع المهور كما هو معلوم في شأن النكاح.
وقوله: {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} . تحريم استمرار المؤمنين على نكاح المشركات. قال ابن هشام: (واحِدة العصم: عِصْمة، وهي الحبل والسبب). وأما الكوافر فجمع كافرة. قال مجاهد: (أصحاب محمد أُمروا بطلاق نسائهم كوافر بمكة، قعدن مع الكفار). وقال قتادة: (مشركات العرب اللاتي يأبين الإسلام أمِرَ أن يُخَلّى سبيلُهن). وقال ابن زيد: (إذا كفرت المرأة فلا تمسكوها، خلوها، وقعت الفرقة بينها وبين زوجها حين كفرت).
وفي صحيح البخاري من حديث المسور: [{وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} فطلق عمرُ يومئذ امرأتين كانتا له على الشرك](1).
وقوله: {وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا} . قال ابن كثير: (أي: وطالبوا بما أنفقتم على أزواجكم اللاتي يَذْهَبْنَ إلى الكفّار، إن ذَهَبْنَ، وليطالِبُوا بما أنفقوا على أزواجهم اللاتي هاجَرْن إلى المسلمين).
وقوله: {ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} . أي: هذا الذي ذُكر في هذه الآية من أمر الصلح واستثناء النساء بالشروط السابقة إنما هو حكم اللَّه يحكم به بين خلقه. {وَاللَّهُ عَلِيمٌ} بما يصلح عباده {حَكِيمٌ} في شرعه وقدره وجميع أقواله وأفعاله.
وقوله: {وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا} . قال الزهري: (يقول: إن فات أحدًا منكم أهلهُ إلى الكفار، ولم تأتكم امرأة تأخذون بها مثل الذي يأخذون منكم، فعوضوهم من فيءٍ إن أصبتموه). ذكره ابن إسحاق.
وعند ابن جرير بإسناده إلى ابن عباس قال: (يعني: إن لحقت امرأة رجل من المهاجرين بالكفار، أمر له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن يُعطى من الغنيمة مثل ما أنفق). قال مجاهد: (مهر مثلها يُدفع إلى زوجها).
والمقصود: لو ذهبت بعد هذه الآية امرأة من أزواج المؤمنين إلى المشركين فامتنعوا من دفع ما أنفق {فَعَاقَبْتُمْ} -يعني فاقتصصتم- فالقصاص يكون بإعطاء المؤمن الذي
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (2731)، (2732) - كتاب الشروط، وقد مضى بتمامه.
ذهبت زوجته من العقب الذي بأيديكم، وهو ما كان من صَداق نساء الكفار اللواتي آمنّ والذي أَمَرَ اللَّه برده إلى أزواجهم المشركين. فإن لم يتيسر ذلك فمن الغنائم التي تؤخذ من أيدي الكفار.
وقوله: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ} . أي: واحذروا -أيها المؤمنون باللَّه- أن تتعدوا ما أمرتم به، فهذا مِن امتحان الصدق في الإيمان.
12.
في هذه الآية: مبايعة النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام، وذِكْرُ بنود هذه البيعة التي خَلَّدها اللَّه عبر الزمان.
أخرج البخاري في صحيحه عن عروة: [أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ} -إلى قوله- {غَفُورٌ رَحِيمٌ}. قال عروة: قالت عائشة: فمن أقرَّ بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: (قد بايعتك) كلامًا، (وفي رواية: يكلمها به) ولا واللَّه ما مست يده يد امرأة في المبايعة قط، ما يبايعهن إلا بقوله: (قد بايعتك على ذلك)](1).
وفي لفظ الترمذي، قالت عائشة:[ما كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يمتحن إلا بالآية التي قال اللَّه: {إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ} الآية. قال معمر: فأخبرني ابن طاووس عن أبيه قال: ما مست يد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يد امرأة إلا امرأة يملكها].
وفي جامع الترمذي وموطأ مالك ومسند أحمد بسند صحيح عن أميمة بنت رُقَيقة قالت: [أتيتُ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم في نِساءٍ لِنُبايِعَه، فأخذ علينا ما في القرآن: ألا نُشْرِكَ باللَّه
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (2713) - كتاب الشروط. وكذلك (4891) نحوه. وانظر صحيح سنن الترمذي (2634).
شيئًا. . . الآية، وقال: فيما استَطَعْتُنَّ وأَطَقْتُنَّ، قلنا: اللَّه ورسوله أرحمُ بنا مِن أنفُسِنا، قلنا: يا رسول اللَّه! ألا تُصافِحنا؟ قال: إني لا أصافِحُ النساءَ، إنما قولي لامرأة واحدةٍ كقولي لمئة امرأة] (1).
فقوله: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا} - يشمل التحذير من الشرك ومداخله.
فقد أخرج البخاري عن أم عطية قالت: [بايعنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقرأ علينا: {أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا}، ونهانا عن النياحة](2).
وفي رواية: قالت أم عطية: [أخذ علينا رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم عند البيعة أن لا ننوح، فما وَفَت منا امرأة غيرُ خَمْسِ نِسوة: أمُّ سُلَيم، وأم العلاء، وابنة أبي سَبْرَة امرأة مُعاذ، وامرأتان -أو: ابنة أبي سبرة، وامرأة معاذ، وامرأة أخرى- وقد كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يتعاهَدُ النساء بهذه البيعة يوم العيد].
وكذلك أخرج الإمام أحمد بسند قوي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: [جاءت أميمةُ بنتُ رقيقة إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم تبايِعُه على الإسلام، فقال: أبايِعُك على أن لا تشركي باللَّه شيئًا، ولا تَسرقي ولا تَزْني ولا تَقْتُلي ولَدَكِ، ولا تأتي بِبُهتان تفترينَه بين يديك ورجليك، ولا تنوحي، ولا تبرَّجي تبرُّجَ الجاهلية الأولى](3).
وقوله: {وَلَا يَسْرِقْنَ} . قال ابن كثير: (أي: أموال الناس الأجانب، فأما إذا كان الزوج مقصِّرًا في نفقتها فلها أن تأكل من ماله بالمعروف ما جَرَت به عادةُ أمثالها، وإن كان بِغير عِلْمِهِ، عَمَلًا بحديث هند بنت عتبة أنها قالت: يا رسول اللَّه! إن أبا سفيان رجل شحيحٌ لا يُعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني، فهل عليَّ جناح إن أخذت من ماله بغير علمه؟ فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "خذي من مالِه بالمعروف ما يكفيك ويكفى بنيك" أخرجاه في الصحيحين).
وقوله: {وَلَا يَزْنِينَ} . تحريم لما انتشر من الفجور في الجاهلية. كقوله تعالى:
(1) إسناده صحيح. أخرجه الترمذي (1597)، والنسائي (4101)، و (358)، وفي "التفسير"(609)، ورواه أحمد (6/ 257)، ومالك (2/ ص 982) وإسناده على شرطهما.
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (4892)، ومسلم (936) ح (33)، والنسائي في "التفسير"(607)، وانظر للرواية الأخرى (1306) - من صحيح الإمام البخاري.
(3)
حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (2/ 196)، وإسناده قوي، وله شواهد.
{وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: 32]. ثم إن الزنى ينافي عقد الإيمان، بل لا يستقر الإيمان ساعة وقوع الفاحشة في القلب وإنما يخرج منه.
أخرج أبو داود والحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [إذا زنى العبد خرج منه الإيمان فكان على رأمسه كالظُّلة، فإذا أقلع رجعَ إليه](1).
وفي لفظ: [فإذا انقلع منها رجع إليه الإيمان].
وأخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن عائشة قالت: [جاءت فاطمةُ بنتُ عُتبة تُبايع النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ عليها: {أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ. . .}. . الآية، قال: فوضعت يدَها على رأسِها حياءً، فأعجبه ما رأى منها، فقالت عائشة: أَقِرِّي أيتها المرأة، فواللَّه ما بايعنا إلا على هذا. قالت: فنعم إذن، فبايعها بالآية](2).
وقوله: {وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ} . أي لا يئدن المَوْؤودات ولا يُسقطن الأجنة. ذكره القرطبي. قال ابن كثير: ({وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ}: وهذا يشمل قتله بعد وجوده، كما كان أهل الجاهلية يقتلون أولادهم خشية الإملاق، ويعم قَتْلَه وهو جَنينٌ، كما قد يفعلُه بعض الجهلة من النساء، تطرحُ نفسها لئلا تحبل إمَّا لِغَرض فاسدٍ أو ما أشبهه).
وقوله: {وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ} . قال ابن عباس: (يقول: لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهم). قال النسفي: (كانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها هو ولدي منك، كنّى بالبهتان المفترى بين يديها ورجليها عن الولد الذي تلصقه بزوجها كذبًا، لأن بطنها الذي تحمله فيه بين اليدين، وفرجها الذي تلده به بين الرجلين).
وقوله: {وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} . قال البخاري: قال ابن عباس: (إنما هو شَرْطٌ شَرَطَهُ اللَّه للنساء). أي: ولا يخالفن أمرك إليهن مما أمرتهنّ به من معروف، ونهيتهن عنه من منكر. قال ميمون بن مهران:(لم يجعل اللَّه لنبيه طاعة إلا لمعروف، والمعروف طاعة). قلت: وقد جاء النهي للنساء في السنة الصحيحة عن معاص كثيرة تخصّهن: فقد أخرج أبو داود والبيهقي بسند صحيح عن امرأة من المبايعات قالت: [كان فيما أخذ علينا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في المعروف الذي أخذ علينا أن لا نعصيه فيه: وأن
(1) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (4690)، والحاكم (1/ 22)، وانظر السلسلة الصحيحة (509).
(2)
حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (6/ 151)، وإسناده على شرط البخاري ومسلم.
لا نخمش وجهًا، ولا ندعو ويلًا، ولا نشق جيبًا، وأن لا ننشر شعرًا] (1).
وفي الصحيحين من حديث أبي بردة بن أبي موسى قال: [وَجع أبو موسى وجعًا فغشي عليه، ورأسه في حجر امرأة من أهله، فصاحت امرأة من أهله، فلم يستطع أن يرد عليها شيئًا، فلما أفاق قال: أنا بريءٌ ممن برئ منه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فإن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم برئ من الصالقة، والحالقة، والشاقة](2).
والصالقة: هي التي ترفع صوتها عند الفجيعة بالموت. والحالقة: هي التي تحلق شعرها عند المصيبة، والشاقة هي التي تشق جيبها عند ذلك.
وقد أخرج الشيخان من حديث ابن مسعود مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: [ليس منا من لطمَ الخدود، وشقّ الجيوبَ، ودعا بدعوى الجاهلية](3).
وفِي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[لَعَنَ اللَّه الواصِلَةَ والمستوصِلَةَ، والواشِمة والمستوشِمة](4).
وفي جامع الترمذي بسند حسن عن أم سلمةَ الأنصارية قالت: [قالت امرأة من النسوة، ما هذا المعروف الذي لا ينبغي لنا أن نعصيك فيه؟ قال: "لا تَنُحْنَ". قلت: يا رسول اللَّه إن بني فلان، قد أسعدوني على عمي (5)، ولابد لي من قضائهم، فأبى عليَّ فعاتبته مرارًا، فأذن لي في قضائهن، فلم أنح بعد قضائهن ولا على غيره حتى الساعة، ولم يبق من النسوة امرأة إلا وقد ناحت غيري](6).
قال عبد بن حميد: أم سلمة الأنصارية هي: أسماء بنت يزيد بن السكن.
قلت: وهذه البيعة تشتمل على منهاج النجاة للعبد في الدارين، ولذلك ورد تكرارها كثيرًا من النبي صلى الله عليه وسلم للرجال والنساء في مواضع مختلفة من السيرة العطرة. وفي ذلك أحاديث، منها:
(1) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (2/ 59)، ومن طريقه البيهقي (4/ 64) بسند صحيح.
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (3/ 129)، ومسلم (1/ 70)، والنسائي (1/ 263)، وأخرجه البيهقي (4/ 64)، من حديث أبي بردة بن أبي موسى.
(3)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (3/ 127 - 128)، ومسلم (1/ 70)، والبيهقي (4/ 63 - 64).
(4)
حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (5933) - كتاب اللباس، باب وصل الشعر.
(5)
أي ناحوا معي عند موت عمي مواساة منهم.
(6)
حديث حسن. انظر صحيح سنن الترمذي (2635)، وصحيح سنن ابن ماجة (1579).
الحديث الأول: -في شأن الرجال-. أخرج البخاري ومسلم وأحمد والترمذي عن عبادة بن الصامت قال: [كُنَّا عند رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في مَجْلِسٍ فقال: تُبايعوني على أن لا تشركوا باللَّه شيئًا، ولا تَسْرِقوا، ولا تَزْنوا، ولا تقتُلوا أولادكم -قرأ الآية التي أُخِذت على النساء: {إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ} - فَمَنْ وفى منكم فأجرُه على اللَّه، ومَنْ أصاب من ذلك شيئًا فستره اللَّه عليه فهو إلى اللَّه، إن شاء غَفَر له، وإن شاء عَذَّبه](1).
الحديث الثاني: -في شأن النساء-. أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال: [شهِدْتُ الصلاةَ يوم الفطر مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعُمر وعثمان، فَكُلُّهم يُصَلِّيها قبل الخطبة ثم يخطبُ بعدُ، فنزل نبيُّ اللَّه صلى الله عليه وسلم فكأني أنظرُ إليه حين يُجَلِّسُ الرجالَ بيده، ثم أقبل يَشُقُّهم حتى أتى النساءَ مع بلال فقال: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ}، حتى فرغ من الآية كلها. ثم قال حين فرغ: أنتُنَّ على ذلك؟ فقالت امرأة واحدةٌ -لم يُجبه غيرُها-: نعم يا رسول اللَّه! قال: فَتَصَدَّقنَ. قال: وبَسطَ بلالٌ ثوبَهُ فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ الفَتَخَ (2) والخواتيمَ في ثوبِ بلال](3).
وقوله: {فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} . قال القاسمي: (أي فبايعهن على الوفاء بذلك، وسل اللَّه لهن مغفرة ذنوبهن، والعفو عنها، فإنه غفور رحيم لمن تاب منها).
13.
في هذه الآية: تجديدُ النهي عن موالاة الكافرين، كما ابتدأ ذلك في أول هذه السورة التي هي منهاج كامل للمؤمنين، في قواعد الولاء للمسلمين والبراء من المشركين.
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (18)، ومسلم (1709)، والترمذي (1439)، ورواه أحمد في المسند (5/ 314)، وغيرهم.
(2)
الفتخ: جمع فتخة، وهي الخاتم لا فصّ له. وقيل: الفتخ: الخواتيم العظام، أو حلق من فضة لا فصّ فيها.
(3)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (4895)، وأخرجه مسلم (884) - من حديث ابن عباس.
فقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} . يشمل سائر الكفار من المشركين والمنافقين واليهود والنصارى ممن غضب اللَّه عليهم.
وقوله: {قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ} . قال مجاهد: (المعنى يئسوا من ثواب الآخرة). قال النسفي: (لأنهم ينكرون البعث). والمقصود: كيف توالون قومًا وتتخذونهم أولياء وأخلاء وهم آيسون من ثواب الآخرة ونعيمها قد كفروا بالبعث والحساب. قال ابن زيد: (يعني اليهود). وقال الحسن: (هم اليهود والنصارى). وقيل: هم المنافقون. وقال ابن مسعود: (معناه أنهم تركوا العمل للآخرة وآثروا الدنيا).
وقوله: {كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ} . فيه قولان متكاملان:
القول الأول: قد يئس الكفار من الآخرة كما يئسوا من لقاء قراباتهم الذين ماتوا لأنهم لا يؤمنون بالبعث والنشور. قال ابن عباس: (يعني: من مات من الذين كفروا فقد يئس الأحياء منهم أن يرجعوا إليهم، أو يبعثهم اللَّه). وقال الحسن: ({كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ} قال: الكفار الأحياء قد يئِسوا من الأموات). يعني من الاجتماع بهم مرة أخرى. وقال قتادة: (كما يئس الكفار أن يرجع إليهم أصحاب القبور الذين ماتوا).
القول الثاني: قد يئس الكفار الأحياء من ثواب الآخرة وكرامتها كما يئس الكفار الأموات في قبورهم من كل خير حين عاينوا مقاعدهم من النار وذاقوا عذاب البرزخ.
قال مجاهد: ({قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ} قال: من ثواب الآخرة حين تبين لهم عملهم، وعاينوا النار).
واختار ابن جرير القول الثاني، وإن كان القول الأول سالك المعنى، ومن ثمَّ فالإعجاز القرآني يحتمل التأويلين معًا، واللَّه تعالى أعلم.
تم تفسير سورة الممتحنة بعون اللَّه وفضله، وواسع منّه وكرمه ظهر الأحد 20 رمضان 1426 هـ الموافق 23/ تشرين الأول/ 2005 م
* * *