الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
موضوع السورة
شقاء أبي لهب وزوجته في نار الجحيم
-
منهاج السورة
-
1 -
الدعوة بالهلاك والخيبة ليدي أبي لهب والخسران.
2 -
تأكيد خسارة الطاغية أبي لهب، وعدم انتفاعه بماله وما كسب.
3 -
تأكيد اشتراكه وزوجته حمالة الحطب، في عذاب جهنم وفي جيد امرأته حبل من مسد.
بسم الله الرحمن الرحيم
1 -
5. قوله تعالى: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (5)}.
في هذه الآيات: قضاء اللَّه تعالى بالهلاك والخسران، على أبي لهب وزوجته بإيذائهما خير الأنام، محمد رسول اللَّه عليه الصلاة والسلام.
فقوله تعالى: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} . أي: هلكت يداه وخسرت وخابت. {وَتَبَّ} أي: وهلك هو، أي: قد وقع ما دعا به عليه وتحقّق.
وأصله -في كلام العرب- من التَّباب: وهو الخسران والهلاك. يقال: "تبت يداه" و"تَبًّا له" بالنصب على المصدر، بإضمار فعل، والتقدير: أَلْزَمَهُ اللَّه هَلاكًا وخُسْرانًا.
وعن قتادة: ({تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}: أي خسرت). وقال ابن زيد: (التَّبّ: الخسران).
وأبو لهب هو أحد أعمام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، واسمه: عبد العُزّى بن عبد المطلب، وكنيته أبو عُتبة، وإنما سُمِي "أبا لهب" لإشراقِ وَجْهه، وكان كثيرَ الأذِيَّةِ لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم والبِغْضَةِ له، والازدراء به، والتنقّص له ولدينه.
فقد أخرج إلإمام أحمد في المسند، والحاكم في المستدرك، والترمذي بسند حسن عن ربيعة بن عَبّاد (1) رضي الله عنه قال:[رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول: يا أيها الناس! قولوا: لا إله إلا اللَّه، تُفلحوا. (وفي رواية الترمذي: تفلحوا وتملكوا بها العرب وتدين لكم بها العجم، فإذا متم كنتم ملوكًا في الجنة، وأبو لهب وراءه يقول: لا تطيعوه فإنه صابئ كاذب). وفي رواية أحمد: (والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجلٌ وضِيءُ الوجه أحولُ ذو غَدِيرتَيْن، يقول: إنه صابِىٌ كاذبٌ يَتْبَعُه حيث ذَهب، فسألت عنه فقالوا: هذا عَمُّه أبو لهب)](2).
وروى أحمد والطبراني بسند حسن عن حسين بن عبد اللَّه بن عُبَيد اللَّه بن عباس قال: سمعت ربيعة بن عَبَّاد الدِّيليَّ يقولُ: [إني لَمَعَ أبي رجلٌ شابٌ أَنظرُ إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يَتَّبع القبائل - ووراءه رَجُلٌ أحوَلُ وضيءٌ، ذو جُمَّةٍ - يَقِفُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على القبيلة فيقول: "يا بني فُلان! إني رسول اللَّه إليكم، أمركم أن تعبدوا اللَّه لا تُشرِكوا به شيئًا، وأن تُصدِّقوني وتمنعُوني حتى أُنَفِّذَ عن اللَّه ما بعثني به". وإذا فَرَغَ من مقالته قال الآخرُ من خَلْفِه: يا بني فُلان! هذا يريدُ منكم أن تَسلَخُوا اللاتَ والعُزَّى، وحُلفاءكم من الجنِّ من بني مالك بن أُقَيش، إلى ما جاء به من البِدْعَةِ والضَّلالة، فلا تَسْمعوا له ولا تَتَّبعوه. فقلت لأبي: مَنْ هذا؟ قَال: عَمُّهُ أبو لَهَب](3).
وكان أبناء أبي لهب متزوجين ببنات محمد صلى الله عليه وسلم فأمرهم بفراقهن، فطلق عتبة وعتيبة رُقَيَّة وأمَ كلثوم. ولربما تأثر أبو لهب بزوجته الشّرسة أم جميل بنت حرب، وهي أخت
(1) هو من بني الديل، وكان جاهليًا فأسلم.
(2)
حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (4/ 341)، وكذلك (3/ 491 - 493)، ورواه الحاكم (1/ 16)، والترمذي بإسناد حسن، وانظر ما بعده.
(3)
حديث حسن. أخرجه أحمد (3/ 492)، والطبراني في "الكبير"(4389)، وأخرجه الحاكم (1/ 15)، وأحمد (3/ 492) من وجه آخر، وصححه على شرط البخاري ومسلم، ووافقه الذهبي. وأورده ابن كثير في التفسير، وانظر ما قبله.
أبي سفيان، كانت امرأة سليطة تؤزها على كراهية محمد ودينه علل شتى، ولذلك لم تأل جهدًا بالنيل منه ومن الإسلام، فبسطت فيه لسانها أيما بسط وتطاولت وتمادت.
يروي أبو يعلى في مسنده، والحاكم في مستدركه، بسند حسن لغيره، عن أسماء قالت:[لما نزلت: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} أقبلت أم جميل بنتُ حرب امرأةُ أبي لهب وهي تنشد: مُذَمَّمٌ أبَيْنا، ودينه قَلَيْنا، وأمره عَصَيْنا، ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد ومعه أبو بكر رضي الله عنه، فسألت أبا بكر إن كان النبي قد هجاها فنفى ذلك](1).
فيبدو أنها سمعت ما نزل فيها وفي زوجها من القرآن فأتت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد عند الكعبة، ومعه أبو بكر وفي يدها حجارة -كما يروي ابن هشام-: [فأعماها اللَّه عن رؤية رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقالت: يا أبا بكر! أين صاحبك؟ قد بلغني أنه يهجوني، واللَّه لو وجدته لضربت بِهذا الفِهر (2) فاه، أما واللَّه إني لشاعرة:
مُذَمَّمًا عَصَيْنا. . . وأمْرَهُ أَبَيْنا. . . ودينَه قَلَيْنا
ثم انصرفت. فقال أبو بكر: يا رسول اللَّه، أما تراها رأتك؟ قال:"ما رأتني، لقد أخذ اللَّه بصرها عني"] (3).
وفي رواية عند البزار: (قالت: يا أبا بكر هجانا صاحبك، فقال أبو بكر: لا ورب هذه البنية، ما ينطق بالشعر ولا يتفوه به، فقالت: إنك لمصدق).
وكان يفرح عليه الصلاة والسلام حين يحرفون اسمه لضده ويشتمون (وهو قولُهم مذمَّمٌ بدل محمد)، لأن اسمه مدح كله، فلا يقع الشتم بذلك عليه.
أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [ألا تعجبون
(1) حسن لغيره. أخرجه أبو يعلى (1/ 153 - 154)، والحاكم (2/ 361)، وانظر تفصيل البحث في كتابي: السيرة النبوية (1/ 210 - 212).
(2)
الفِهْر -بكسر الفاء- الحجر ملء الكف.
(3)
انظر سيرة ابن هشام (1/ 342 - 343)، ورواها الحميدي (1/ 323) بهذا اللفظ عن أسماء بنت أبي بكر، وحسنه الحافظ في "الفتح"(8/ 610).
كيف يصرف اللَّه عني شتم قريش ولعنَهم، يشتمون مذممًا، ويلعنون مذممًا، وأنا محمد] (1).
ومع أن أبا لهب عم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وجاره، وكان بيته ملصقًا ببيته، لكنه شَقِيٌّ تَنَكَّرَ للرّحم والجوار من أجل شهوة الكبر والظهور والعلو في الأرض بغير الحق، شأن جيرانه الآخرين من المشركين الذين كانوا يؤذونه.
وقوله تعالى: {مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} .قال ابن عباس: ({وَمَا كَسَبَ} يعني: وَلَدَه). والمقصود: لم يدفع عنه ما جمع من المال، ولا ما كسب من الأرباح والجاه والولد، ما حَلّ به من التباب، وما نزل به من عذاب اللَّه.
وقوله تعالى: {سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ} . أي: سوف يعذب في النار الملتهبة، تحرق جلده، وهي ذات اشتعال وتوقد، وهي نار جهنم.
وقوله تعالى: {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} . - فيه أكثر مِن تأويل:
التأويل الأول: كانت تجيء بالشوك فتطرحه في طريق رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
فعن ابن عباس: ({وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} قال: كانت تحمل الشوك، فتطرحه على طريق النبي صلى الله عليه وسلم ليعقره وأصحابه). وعن عطية الجدلي قال: (كانت تضع العضاه على طريق رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فكأنما يطأ به كثيبًا).
وقال ابن زيد: (كانت تأتي بأغصان الشوك، فتطرحها بالليل في طريق رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم). - واختاره ابن جرير.
التأويل الثاني: قيل لها حمالة الحطب لأنها كانت تحطب الكلام، وتمشي بالنميمة، وتعيّر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالفقر.
فعن عكرمة: (قال: {حَمَّالَةَ الْحَطَبِ}: كانت تمشي بالنميمة). وقال قتادة: (كانت تنقل الأحاديث من بعض الناس إلى بعض). وقال أيضًا: (كانت تحطب الكلام، وتمشي بالنميمة. وقال بعضهم: كانت تعير رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالفقر وكانت تَحْطُب فَعُيِّرت بأنها كانت تحطب).
التأويل الثالث: قيل بل تحمل الحطب فتلقيه على زوجها في نار جهنم.
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (فتح الباري: 6/ 554 - 555).
قال ابن كثير: ({وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ}، وكانت زوجتُه من سادات نساء قريش، وهي أمُّ جَميل، واسمها أرْوَى بنتُ حَرْب بن أُمَيّة، وهي أخت أبي سفيان. وكانت عونًا لزوجها على كُفْرِه وجُحودِه وعِناده، فلهذا تكونُ يوم القيامة عَونًا عليه في عذابه في نار جَهنم. ولهذا قال تعالى: {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ}، يعني: تحملُ الحطب فتلقي على زَوْجها، ليزدادَ في ما هو فيه، وهي مُهَيَّأةٌ لذلك مستعدة له).
قلت: والتأويل الأول أظهر وأنسب لعبارة الآية، وأما التأويل الثاني والثالث فيحتمله البيان والإعجاز، واللَّه تعالى أعلم.
ونصب عاصم {حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} على الشتم، ويسوغ الوقف على {وَامْرَأَتُهُ} لأنها عطفت على الضمير في سيصلى، والتقدير: سيصلى هو وامرأته، أعني حمالة الحطب. ورفع غيره {حَمَّالَةَ} على أنها خبر، وامرأته مبتدأ.
وقوله تعالى: {فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ} . الجِيد: العنق. قال ابن زيد: ({فِي جِيدِهَا} قال: في رقبتها). والمسد: الليف. وقال الرازي: (المَسَدُ أيضًا حَبْلِ من لِيف أو خُوصٍ وقد يكون من جلود الإبل أو أوبارِها. و"مَسَدَ" الحَبْلَ أجادَ فَتْلهُ). قال الضحاك: {فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ} قال: حبل من شجر، وهو الحبل الذي كانت تحتطب به). وقال ابن زيد:({حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ}: حبال من شجر تنبت في اليمن لها مسد، وكانت تفتل، وقال: {حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ}: حبل من نار في رقبتها). وقال قتادة: (قلادة من ودع). وقال عروة: (سلسلة من حديد، ذرعها سبعون ذراعًا).
وقال سعيد بن المسيب: (كانت لها قِلادة فاخرة من جوهر، فقالت: واللاتِ والعزى لأنفقنها في عداوة محمد. ويكون ذلك عذابًا في جيدها يوم القيامة).
قلت: والراجح من المعنى مما يناسب السياق: في عنقها حبل مما مسد من الحبال -والمسد الذي فتل من الحبال فتلًا شديدًا من ليف كان أو جلد أو غيرها- فهي تحمل حزم الشوك وتربطها بذلك الحبل في جيدها في النار جزاء من جنس العمل، واللَّه تعالى أعلم.
وهذه السورة العظيمة تحدّى اللَّه تعالى فيها أبا لهب وزوجته، اللذين أصَرّا على معاداة النبي صلى الله عليه وسلم وتكذيب الوحي والنبوة، فتحدّاهما تعالى بأنهما لن يؤمنا، لا ظاهرًا