الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وليس المراد بذلك العدد، وإنما المقصود انتفاء حصول ذلك.
الحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [الأئمة من قريش، إن لهم عليكم حقًا ولكم عليهم حقًا مثل ذلك، ما إن استرحموا رحموا، وإن عاهدوا وفوا، وإن حكموا عدلوا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة اللَّه والملائكة والناس أجمعين](1).
موضوع السورة
آلاء اللَّه على قريش
-
منهاج السورة
-
1 -
امتنان اللَّه على قريش في تذليله لهم رحلة الشتاء ورحلة الصيف.
2 -
أمره تعالى لهم أن يفردوه بالعبادة والتعظيم، فهو رب البيت العلي العظيم.
3 -
امتنان اللَّه على قريش بنعمة الإطعام من الجوع، ونعمة الأمن من الخوف.
بسم الله الرحمن الرحيم
1 -
4. قوله تعالى: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)}.
في هذه الآيات: امتنانُ اللَّه تعالى على قريش في تذليل رحلة الشتاء والصيف على مدار السنين، لتعود عليهم بالخيرات بفضل اللَّه العظيم، إضافة إلى نعمة الأمن التي وفّرها لهم ربهم الكريم.
فقوله تعالى: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ} فيه أكثر من تأويل:
(1) حديث صحيح. انظر تخريج أحاديث فضائل الشام ص (63). وصحيح الجامع الصغير (2755).
التأويل الأول: اللام لام التعجب. قال الكسائي: (أي اعجبوا لإيلاف قريش).
التأويل الثاني: اللام متعلقة بقوله: {فَلْيَعْبُدُوا} . والتقدير: فليعبدوا ربَّ هذا البيت، لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف للامتيار. قال ابن عباس:({لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ} قال: نعمتي على قريش إيلافُهم رحلة الشتاء والصيف. قال: كانوا يَشْتون بمكة، ويَصيفون بالطائف).
التأويل الثالث: أهلك اللَّه أصحاب الفيل، فجعل ذلك لإيلاف قريش، أي ليألفوا الخروج ولا يُجْترأ عليهم. ذكره مجاهد (1).
التأويل الرابع: ألّفَ اللَّه قريشًا إيلافًا فليعبدوا ربَّ هذا البيت - قاله الخليل.
التأويل الخامس: حبسنا عن مكة الفيل وأهلكنا أهله {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ} أي: لائتلافهم واجتماعهم في بلدهم آمنين - ذكره محمد بن إسحاق، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
التأويل السادس: قيل بل المراد بذلك ما كانوا يألفونه من الرحلة فى الشتاء إلى اليمن، وفي الصيف إلى الشام في المتاجر وغير ذلك، ثم يرجعون إلى بلدهم آمنين في أسفارهم، لعظمتهم عند الناس، لكونهم سكان حرم اللَّه، فمن عرفهم احترَمهم بل من ضَوَى إليهم وسار معهم أمن بهم، وهذا حالهم في أسفارهم ورحلتهم في شتائهم وصيفهم، وأما في حال إقامتهم في البلد فكما قال اللَّه:{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت: 67] ولهذا قال تعالى: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ} ، بدل من الأول ومفَسِّر له. ولهذا قال تعالى:{إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ} . ذكره ابن كثير.
التأويل السابع: قيل بل المقصود: سياسة الإيلاف، هَيَّأها اللَّه لرعاية مصالح قريش. فقد أعطى نسب قريش إلى كنانة -التي تسكن قرب مكة- عمقًا استراتيجيًا. ثم إن قريشًا قد حالفت الأحابيش الذين يعيشون قرب مكة فاستخدمتهم في حراسة القوافل المكية، ثم شملت الأحلاف خطوط التجارة المكية إلى الشام والعراق واليمن، فأوجد هاشم بن عبد مناف ما يسمى بالإيلاف، وهي جعالات تشرك زعماء تلك البلاد في تجارتها. حتى إنَّ هاشم بن عبد مناف تمكن من الحصول على حق التجارة داخل
(1) وأما القول بان السورتين "الفيل" و"قريش" متصلتان، وأنهما سورة واحدة، فلا دليل عليه، بل هما سورتان منفصلتان كما دل على ذلك حديث أم هانِئ المتقدم.
أراضي الروم والفرس بالاتفاق مع حكامهم. فسياسة الإيلاف والمعاهدات كانت أساس ازدهار اقتصاد مكة ورواج تجارتها في البر والبحر (1).
واختار ابن جرير أن اللام في قوله تعالى: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ} لامُ التعجب، والتقدير عنده: اعجبوا لإيلاف قريش ونعمتي عليهم في ذلك.
قلت: بل كل ما سبق من التأويل يظهر بعض وجوه الإعجاز القرآني في هاتين الكلمتين وما يمكن أن تغطي من المعاني والمفاهيم، ومِنْ ثَمَّ فقوله تعالى:{لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ} يدخل في مفهومه جميع ما ذكر، واللَّه تعالى أعلم.
وأصل كلمة "إيلاف" من ألِفَ يألَفُ إلفًا، وألفته إلافًا. أو من آلف يؤالف إيلافًا. فألفت وآلفت لغتان عند العرب. والمفهوم الإلف والتآلف أي التقارب والاجتماع.
وأصل كلمة قريش من القرش وهو الجمع والكسب. وقيل نسبة إلى سمك القرش القوي الخطير الذي يهدد سفن البحر. قال النسفي: (وقريش ولد النضر بن كنانة، سموه بتصغير القرش، وهو دابة عظيمة في البحر تعبث بالسفن ولا تطاق إلا بالنار، والتصغير للتعظيم، فسموه بذلك لشدتهم ومنعتهم تشبيهًا بها. وقيل من القرش وهو الجمع والكسب، لأنهم كانوا كسابين بتجاراتهم وضربهم في البلاد).
قلت: والقرشية معتبرة في شروط الإمامة العظمى. لقوله صلى الله عليه وسلم: [الأئمة من قريش]- كما مضى ذكره من حديث أنس. وله شاهد عند الحاكم والبيهقي من حديث علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [الأئمة من قريش، أبرارها أمراء أبرارِها، وفُجَّارها أمراءُ فُجَّارها، وإنْ أمَّرت عليكم قريشٌ عبدًا حبشيًا مُجَدَّعًا فاسمعوا له وأطيعوا، ما لم يخيَّر أحدكم بين إسلامه وضرب عنقه، فإن خُيِّرَ بين إسلامه وضرب عنقه فليقدِّم عُنقَه](2).
ومفهوم النسب إلى قريش: قيل - هو النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر. وقيل: هو فهر بن مالك.
قال الشنقيطي: (فالفهري قرشي بلا نزاع، ومن كان من أولاد مالك بن النضر، أو
(1) انظر تفصيل هذا البحث في كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين -القرآن والسنة الصحيحة - البحث 3 - الحياة في مكة قُبيل ولادة النبي صلى الله عليه وسلم. ص (47 - 62).
(2)
حديث صحيح. انظر تخريج: "إرواء الغليل" -حديث- (513). وصحيح الجامع الصغير (2754). وانظر تفصيل البحث في كتابي: السياسة الشرعية (157).
أولاد النضر بن كنانة ففيه خلاف، ومن كان من أولاد كنانة من غير النضر فليس بقرشي بلا نزاع) (1).
ويؤيد هذا ما روى مسلم في صحيحه عن واثلة بن الأسقع، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[إنَّ اللَّه تعالى اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم](2).
وقوله تعالى: {إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ} . -إيلافهم- بدل من الأولى. فأطلق الإيلاف ثم أبدل عنه المقيد بالرحلتين تفخيمًا لأمر الإيلاف وتذكيرًا بعظيم تلك النعمة التي حباهم اللَّه بها، إذ كانوا يرحلون في الصيف إلى الشام وفي الشتاء إلى اليمن يتَّجِرون آمنين. قال ابن زيد:(كانت لهم رحلتان: الصيف إلى الشام، والشتاء إلى اليمن في التجارة، إذا كان الشتاء امتنع الشام منهم لمكان البرد، وكانت رحلتهم في الشتاء إلى اليمن).
وقوله تعالى: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ} . أي فليوحّدوا رب هذا البيت وليفردوه بالعبادة والتعظيم، كما جعل لهم حرمًا آمنًا وبيتًا محرّمًا، كما قال تعالى:{إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [النمل: 91]. وهو سبحانه إنما عرّفهم أنه ربّ هذا البيت، لأنه كانت لهم أوثان يعبدونها، فميّز تعالى نفسه عنها. وهم بالبيت قد تشرفوا على سائر العرب، ففي ذلك تنبيه لهم أن العراقة بالإيمان باللَّه رب هذا البيت الذي أسس على التوحيد لا بشرف المال والنسب.
وقوله: {الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ} .
أي: فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم ورزقهم بدعوة أبيهم إبراهيم وبسبب هاتين الرحلتين فخلّصهم من جوع شديد.
وعن ابن عباس: (قوله: {الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ} يعني: قريشًا أهل مكة، بدعوة إبراهيم صلى الله عليه وسلم حيث قال: {وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ} (إبراهيم: 37]).
وقوله: {وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} . أي: وآمنهم من القتل والسبي، وقد كانت العرب
(1) انظر كتاب: "أضواء البيان" - الشنقيطي (1/ 52). وكتابي: السياسة الشرعية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة (157) لتفصيل البحث.
(2)
حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (2276) - كتاب الفضائل. باب فضل نَسب النبي صلى الله عليه وسلم وتسليم الحجر عليه.
يغير بعضها على بعض ويسبي بعضها بعضًا، فأمنت قريش من ذلك لمكان الحرم. وقد آمنهم كذلك من خوف الحبشة مع الفيل، ومن أشياء كثيرة أخرى.
وعن ابن عباس: ({وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} حيث قال إبراهيم عليه السلام: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا} (إبراهيم: 35]). وعن مجاهد: ({وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} قال: آمنهم من كل عدو في حرمهم).
وقال قتادة: (كان أهل مكة تجارًا، يتعاورون ذلك شتاء وصيفًا، آمنين في العرب، وكانت العرب يغير بعضها على بعض، لا يقدرون على ذلك، ولا يستطيعونه من الخوف، حتى إن كان الرجل منهم ليصاب في حي من أحياء العرب، وإذا قيل حَرَمِيٌّ خُلِّيَ عنه وعن ماله، تعظيمًا لذلك فيما أعطاهم اللَّه من الأمن). وقال ابن زيد: (كانت العرب يغير بعضها على بعض، ويسبي بعضُها بعضًا، فأمنوا من ذلك لمكان الحرم، وقرأ: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} [القصص: 57]).
والخلاصة: لقد جَمَعَ اللَّه لقريش بين الأمن والرُّخص، فأطعمهم دون تعب، وآمنهم دون نصب، فليفردوه بالعبادة والتعظيم، ومتابعة هذا النبي الكريم، عليه وعلى الأنبياء أفضل الصلاة وأتم التسليم.
ثم إن المعظم لدين اللَّه المستجيب لأمره يجمع اللَّه له بين أمن الدنيا والآخرة، أمّا أَمْنُ الدنيا فهي نعمة من أجل نعم اللَّه على العباد، ولاسيما حين تعصف في الأرض رايات الفتن وتهدد البلاد.
قال تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل: 112].
وفي جامع الترمذي بسند حسن عن عُبيدِ اللَّه بن مِحْصَن الخطمي، -وكانت له صحبة- قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُم آمِنًا في سِرْبِهِ، مُعَافًى في جَسَدهِ، عِنْدَهُ قوتُ يومِه، فكأنما حِيزت له الدنيا](1). وَحِيزت: أي جُمِعَت.
وأما أَمْنُ الآخرة، فهو أكبَرُ وأعلى وأجَلّ من أمن الدنيا، كما قال تعالى: {أَفَمَنْ
(1) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة في السنن (4141)، والترمذي - صحيح سنن الترمذي - (1913).