المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ منهاج السورة - التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون - جـ ٨

[مأمون حموش]

فهرس الكتاب

- ‌60 - سورة الممتحنة

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌61 - سورة الصف

- ‌فضائلها وما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌62 - سورة الجمعة

- ‌فضائلها وما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاح السورة

- ‌آداب خاصة بيوم الجمعة:

- ‌الأدب الأول: الغُسْل لصلاة الجمعة:

- ‌الأدب الثاني: التبكير لصلاة الجمعة:

- ‌الأدب الثالث: لبس أحسن الثياب والتسوك والتماس أجمل الطيب:

- ‌ما يستحب من الأذكار والأدعية يوم الجمعة:

- ‌أولًا: الإكثار من الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌ثانيًا: قراءة سورة الكهف:

- ‌ثالثًا: الإكثار من الدعاء رجاء مصادفة ساعة الإجابة:

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌63 - سورة المنافقون

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌64 - سورة التغابن

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌65 - سورة الطلاق

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌66 - سورة التحريم

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌أسباب نزول هذه الآيات:

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌67 - سورة الملك

- ‌ذكر ما جاء في فضلها من أحاديث:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌68 - سورة القلم

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌69 - سورة الحاقة

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌70 - سورة المعارج

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌71 - سورة نوح

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌72 - سورة الجن

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌73 - سورة المزمل

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌74 - سورة المدثر

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌75 - سورة القيامة

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌76 - سورة الإنسان

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌77 - سورة المرسلات

- ‌الأحاديث الواردة في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌78 - سورة النبأ

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌79 - سورة النازعات

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌80 - سورة عبس

- ‌سبب نزول السورة:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌81 - سورة التكوير

- ‌ما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌82 - سورة الانفطار

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌ دروس ونتائج وأحكام

- ‌83 - سورة المطففين

- ‌ما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌84 - سورة الإنشقاق

- ‌الأحاديث الواردة في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌85 - سورة البروج

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌86 - سورة الطارق

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌87 - سورة الأعلى

- ‌فضائلها وما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌88 - سورة الغاشية

- ‌فضائلها وما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌89 - سورة الفجر

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌90 - سورة البلد

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌91 - سورة الشمس

- ‌فضائلها وما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌92 - سورة الليل

- ‌فضائلها وما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌93 - سورة الضحى

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌94 - سورة الشرح

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌95 - سورة التين

- ‌فضائلها وما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌96 - سورة العلق

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌97 - سورة القدر

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌فضائل ليلة القدر وما ورد في تعيينها من أحاديث:

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌98 - سورة البينة

- ‌فضائلها وما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌99 - سورة الزلزلة

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌100 - سورة العاديات

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌101 - سورة القارعة

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌102 - سورة التكاثر

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌103 - سورة العصر

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌104 - سورة الهمزة

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌105 - سورة الفيل

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌106 - سورة قريش

- ‌فضائلها وما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌107 - سورة الماعون

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌108 - سورة الكوثر

- ‌فضائلها وما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌109 - سورة الكافرون

- ‌فضائلها وما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌110 - سورة النصر

- ‌فضائلها وما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌111 - سورة المسد

- ‌أسباب النزول:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌112 - سورة الإخلاص

- ‌فضائلها وما ورد في ذكرها:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌113 - سورة الفلق

- ‌فضائل المعوذتين وما ورد في ذكرهما:

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌114 - سورة الناس

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

الفصل: ‌ منهاج السورة

‌موضوع السورة

استماع الجن للقرآن الكريم وافتراق أقوامهم إلى صالحين وفاسقين

-‌

‌ منهاج السورة

-

1 -

إخبار اللَّه تعالى عن استماع نفر من الجن هذا القرآن، وإعلان إيمانهم به وتكذيب زعيمهم الشيطان، وأتباعه من شياطين الإنس والجان.

2 -

اعتراف الجن بالشهب الحارقة تمنعهم خبر السماء، وأن أهل الأرض يذوقون بسبب ذنوبهم الشقاء.

3 -

انقسام الجن إلى فريقين: مؤمنين وفاسقين. فأهل الإيمان آمنون في جنات النعيم، وأهل الفسق خالدون مع إبليس في نار الجحيم.

4 -

إثبات المساجد للَّه فلا يعبد فيها إلا اللَّه العظيم، وما على الرسول إلا البلاغ المبين، ومن أصر على الشرك والمعصية صار يوم القيامة إلى الجحيم.

5 -

إثبات علم الغيب وأمر الوعد والوعيد للَّه العلي العظيم، فهو سبحانه قد أرسل الرسل وعَلِمَ أعمالهم وأحصى كل شيء في كتاب مبين.

ص: 212

بسم الله الرحمن الرحيم

1 -

7. قوله تعالى: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (2) وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (3) وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (4) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (5) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (7)}.

في هذه الآيات: إخبارُ اللَّه تعالى عن استماع نفر من الجن هذا القرآن، وإعلان إيمانهم به وكذب زعيمهم الشيطان، وكذلك أتباعه من شياطين الإنس والجان.

فقوله: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ} . أي: قل يا محمد مخبرًا قومك: أوحى اللَّه إلي أن نفرًا من الجن استمعوا هذا القرآن. والنّفر جماعة من الثلاثة إلى العشرة. وقوله: {مِنَ الْجِنِّ} أي: جن نصيبين.

وقوله: {فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا} . قال النسفي: ({فَقَالُوا} لقومهم حين رجعوا إليهم من استماع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا} عجيبًا بديعًا مباينًا لسائر الكتب في حسن نظمه وصحة معانيه، والعجب ما يكون خارجًا عن العادة، وهو مصدر وضع موضع العجيب).

وقوله: {يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ} : أي إلى السّداد والنجاة والفلاح. وهو منهج التوحيد والحق والإيمان.

وقوله: {فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا} . أي: فصدقناه ولن نشرك بربنا أحدًا من خلقه.

وقوله: {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا} . الجدّ في لغة العرب: العظمة والجلال. أي: تعالت عظمته وتقدس أمره وفضله جل جلاله. قال ابن عباس: ({جَدُّ رَبِّنَا} أي: فِعْلُهُ وأمرُه

ص: 213

وقدرتُه). وقال أيضًا: (جدُّ اللَّه: آلاؤه وقدرته ونِعمته على خلقه). وقال مجاهد: ({جَدُّ رَبِّنَا}: جلال ربنا). وقال قتادة: (تعالى جلالُه وعظمته وأمره). وقال السُّدِّي: (تعالى أمرُ ربنا). وقال سعيد بن جبير: (تعالى ربُّنا).

وفي الصحيحين من حديث المغيرة مرفوعًا: [ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجد](1). قال أبو عبيدة والخليل: (أي ذا الغنى، منك الغنى، إنما تنفعه الطاعة).

وقوله: {مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا} . هو تنزيهٌ من مؤمني الجن -حين أسلموا وآمنوا بالقرآن- للَّه تعالى أمره وجلت قدرته، عن اتخاذ الصاحبة والولد.

وقوله تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا} . أي: وأنه كان يقول إبليس على اللَّه جورًا وظلمًا، وباطلًا وزورًا. قال مجاهد:({سَفِيهُنَا} يعنون إبليس). وقال السُّدي، عن أبي مالك:({شَطَطًا}، أي: جورًا). وقال ابن زيد: (ظُلمًا كبيرًا). قال ابن كثير: (ويُحتمل أن يكون المرادُ بقولهم: {سَفِيهُنَا}: اسمَ جنس لكل من زَعَم أن للَّه صاحبةً أو ولدًا. ولهذا قالوا: {وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا}، أي: قبل إسلامِه {عَلَى اللَّهِ شَطَطًا}، أي: باطلًا وزُورًا).

وقوله تعالى: {وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} .

قال القرطبي: ({وَأَنَّا ظَنَنَّا} أي حسبنا {أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} فلذلك صدقناهم في أن للَّه صاحبة وولدًا، حتى سمعنا القرآن وتَبَيَّنًا به الحقّ).

وقوله تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} . ترهيب من التعامل مع الجن، كالاستعاذة بهم أو استخدامهم في السحر والإضلال.

قال السُّدي: (كان الرجل يخرُج بأهله فيأتي الأرض فينزلها فيقول: أعوذُ بسيِّد هذا الوادي من الجِنِّ أن أُضَرَّ أنا فيه أو مالي أو ولدي أو ماشِيتي، قال: فإذا عاذَ بهم من دون اللَّه رَهقَتهم الجنِّ الأذى عند ذلك).

وقال عكرمة: (كان الجن يَفْرَقُون من الإنس كما يفرَقُ الإنس منهم أو أشد، فكان الإِنسُ إذا نزلوا واديًا هَرَبَ الجِنُّ، فيقول سَيِّدُ القوم: نعوذ بسيِّد أهل هذا الوادي. فقال الجِنُّ: نراهُم يَفْرَقُونَ منا كما نَفْرَقُ منهم. فدنَوا من الإنس فأصابوهم بالخَبَلِ

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (6330)، ومسلم (593) من حديث المغيرة في أثناء حديث.

ص: 214

والجُنونِ، فذلك قول اللَّه عز وجل:{وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} ). رواه ابن أبي حاتم.

وقال قتادة: ({فَزَادُوهُمْ رَهَقًا}، أي إثمًا، وازدادت الجِنُّ عليهم جَرَاءَةً).

وقال أبو العالية: ({رَهَقًا}، أي: خوفًا). وقال مجاهد: (زاد الكفارُ طغيانًا).

والمقصود: لما رأت الجن التماس بعض الإنس الفرج منهم تسلطوا عليهم بمزيد من الخوف والإرهاب والذعر والطغيان، حتى أوقعوهم في الشرك أكبر والموبقات والظلم والآثام.

وفي التنزيل نحو ذلك: قال تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (128) وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأنعام: 128 - 129].

قال ابن عباس: ({قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ} يعني أضللتم منهم كثيرًا). وقال مجاهد: (كثر من أغويتم). فحكى اللَّه إجابتهم بقوله: {وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ} . والتقدير في العربية: استمتع بعضنا بعضًا.

قال ابن جريج: (كان الرجل في الجاهلية ينزل الأرض فيقول: أعوذ بكبير هذا الوادي، فذلك استمتاعهم، فاعتذروا يوم القيامة).

وقال القرطبي: (فاستمتاع الجن من الإنس أن تلذذوا بطاعة الإنس إياهم، وتلذذ الإنس بقبولهم من الجن حتى زنوا وشربوا الخمور بإغواء الجن إياهم).

وقيل: وأما استمتاع الجن بالإنس فبما كانوا يلقون إليهم من الأراجيف والكهانة والسحر. وقيل: استمتاع الجن بالإنس أنهم يعترفون أن الجن يقدرون أن يدفعوا عنهم ما يحذرون.

وعن ابن زيد: ({وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا}: ظالمي الجن وظالمي الإنس، وقرأ: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [الزخرف: 36]، قال: نسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس).

قلت: فهذا التسليط من اللَّه تعالى لظلمة الجن على ظلمة الإنس داخل في مفهوم قوله جلت عظمته: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} .

ص: 215

وقوله تعالى: {وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا} .

إخبارٌ من اللَّه سبحانه عن قيل هؤلاء النفر من الجن: عن ظنهم أن لن يبعث اللَّه بعد هذه المدة رسولًا يدعوهم إلى التوحيد ويصحح له المسار، كما ظن بعض رجال الإنس. قال الكلبي:(ظن كفار الجنّ كما ظن كفرة الإنس أن لن يبعث اللَّه رسولًا). واختاره ابن جرير.

ويجوز أن يكون المعنى أن الجن ظنوا كما ظننتم يا أهل مكة أنه لا بعث بعد الموت. قال النسفي: (أي إن الجن كانوا ينكرون البعث كإنكاركم، ثم بسماع القرآن اهتدوا وأقروا بالبعث فهلا أقررتم كما أقروا).

8 -

10. قوله تعالى: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (9) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (10)}.

في هذه الآيات: اعترافُ الجن بالشهب الحارقة التي أصبحت تمنعهم خبر السماء، وحسن أدبهم في نسب إرادة الرشد لربهم وأنه يذوق أهل الأرض بِسبب ذنوبهم الشقاء.

فقوله: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ} . قال النسفي: (طلبنا بلوغ السماء واستماع أهلها. واللمس: المس، فاستعير للطلب لأن الماس طالب متعرف).

وقوله: {فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا} . قال ابن جرير: (يعني حفظة).

والمقصود: فوجدنا جمعًا أقوياء من الملائكة يحرسون ويمنعون الجن من الاقتراب.

وقوله: {وَشُهُبًا} . جمع شهاب، وهي النجوم التي كانت تُرجم بها الشياطين.

والمقصود: أن الشياطين كانت تسترق السمع من السماء مما تتكلم به الملائكة مما قضى اللَّه به في الأرض، فيلقونه إلى الكهنة والسحرة ليضلوا الناس عن الدين الحق، فلما بُعِثَ النبي صلى الله عليه وسلم حفظ اللَّه السماء بالحرس الشديد والشهب الحارقة، فطرِدت الشياطين عن مقاعدها، وهذا من لطف اللَّه بخلقه، وحفظه لكتابه.

وقوله تعالى: {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا} .

ص: 216

قال قتادة: (كانت الجن تسمع سمع السماء، فلما بعث اللَّه نبيّه، حُرست السماء، ومنعوا ذلك، فتفقّدت الجنّ ذلك من أنفسها).

والرَّصَد: الحافظ للشيء والجمع أرصاد، وقيل: الرصد هو الشهاب، أي شهابًا قد أرصد له ليرجم به.

أخرج البخاري في صحيحه عن عكرمة قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: [إن نبيَّ اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: إذا قضى اللَّه تعالى الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنه سلسلة على صفوان (1)، فإذا فُزِّعَ عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال الحق وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض، فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مئة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا، كذا وكذا، فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء](2).

وأخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس قال: [كان الجن يصعدون إلى السماء يستمعون الوحي فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعًا. فأما الكلمة فتكون حقًا، وأما ما زادوه فيكون باطلًا. فلما بعث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم منعوا مقاعدهم، فذكروا ذلك لإبليس، ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك، فقال لهم إبليس: ما هذا إلا من أمر قد حدث في الأرض، فبعث جنوده فوجدوا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قائمًا يصلي بين جبلين -أراه قال بمكة- فلقوه فأخبروه هذا الحدث الذي حدث في الأرض](3).

وقوله تعالى: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} .

قال ابن كثير: (أي لا ندري أشر أريد بأهل الأرض أم رشد، وهذا من أدبهم في العبارة حيث أسندوا الشر إلى غير فاعل، والخير أضافوه إلى اللَّه عز وجل. وقال ابن القيم: (قول مؤمني الجن: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} فأتوا بالفعل المبني للمجهول تأدبًا ولم يقولوا أراده ربهم. وكذلك قول الخضر في السفينة: {فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا} [الكهف: 79] ولم يقل فأراد ربك أن أعيبها بينما قال في الغلام:

(1) أي تجر على حجر أملس.

(2)

حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (4710)، كتاب التفسير، وقد مضى بتمامه.

(3)

حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي -حديث رقم- (2648)، كتاب التفسير، سورة الجن.

ص: 217

{فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا} [الكهف: 82]).

وقال في موضع آخر: (ومن ذلك الأدب الرفيع قول إبراهيم صلى الله عليه وسلم: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} عطفًا على قوله: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ} [الشعراء: 78 - 79]. فنسب كل الخير للَّه سبحانه، وتأدب مع اللَّه فقال:{وَإِذَا مَرِضْتُ} ولم يقل وإذا أمرضني، مع أن الخلق كله للَّه، ولكن ما أصابه من مرض ينسبه إلى سبب من الذنب أو التقصير في حق اللَّه تبارك وتعالى. ومثله قول موسى عليه السلام لما تمتع بالقوة وأدْهَشَ من حوله أمام البئر قال متأدبًا متواضعًا للَّه:{رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص: 24]. ومثله قول أيوب: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: 83]. فهو غاية في الأدب مع اللَّه نسب الضر وإصابته له لتقصير منه فمسَّه، ولم يقل فعافني واشفني بل قال متواضعًا مخبتًا مستسلمًا للَّه:{وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} . وكذلك قال آدم من قبل: ({رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23] ولم يحتج بالقضاء والقدر)(1).

قلت: وهذا الأدب الرفيع قد ورد في السنة الصحيحة في أحاديث، منها:

الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه من حديث علي بن أبي طالب -في استفتاح النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل-: [أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفتُ بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعًا، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسنِ الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، والخيرُ كُلُّهُ في يَدْيكَ، والشَّرُ ليس إليك، أنا بِكَ وإليكَ] الحديث (2).

فقوله: "والشرّ ليس إليك" يمثل تأدبًا رفيعًا مع اللَّه سبحانه، فهو ينسب الذنب والتقصير والمصائب لنفسه مع أن الكل من خلق اللَّه وتقديره.

الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن شداد بن أوس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [سَيِّدُ الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك وَوَعْدِك ما استطعت، أعوذ بك من شَرِّ ما صَنَعْتَ، أبوء لك بنعمتك عليَّ وأبوء بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. من قالها من النهار موقنًا بها، فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل

(1) ذكره ابن القيم في مدارج السالكين. وانظر كتابي: "أصل الدين والإيمان"(1/ 307 - 308).

(2)

حديث صحيح. رواه مسلم (771)، كتاب صلاة المسافرين. وهو جزء من حديث أطول.

ص: 218

وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة] (1).

فهذا الحديث هو سيد الاستغفار، فقد جمع من أبلغ الأدب وأرفع الخصال، فلفظة "أبوء" تعني أقِرُّ وأعترف فيها من الأدب الكثير، فرتب اللَّه على صاحبها الجزاء الكبير.

11 -

17. قوله تعالى: {وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (11) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (12) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (13) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (14) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (15) وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (16) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (17)}.

في هذه الآيات: انقسام الجن إلى فريقين: مؤمنين وفاسقين، فأهل الإيمان آمنون في جنات النعيم، ومن فسق عن أمر اللَّه كان مع إبليس في نار الجحيم.

فقوله تعالى: {وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ} . أي: منا المسلمون العاملون بطاعة اللَّه، ومنا غير ذلك. قال ابن عباس:(منا المسلم، ومنا المشرك).

وقوله: {كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا} . قال عكرمة: (يقول: أهواء مختلفة). وقال قتادة: (كان القوم على أهواء شتى). وقال مجاهد: ({كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا} قال: مسلمين وكافرين). وقال ابن زيد: (صالح وكافر).

والطرائق: جمع طريقة، والمقصود طريقة الرجل ومذهبه. والقِدد: جمع قِدَّة، وهي الضروب والأجناس المختلفة. قال الرازي:(و"القِدَّةُ" -بالكسر- الطريقة والفِرْقَةُ من الناس، إذا كان هَوَى كُلّ واحدٍ على حِدَةٍ، يقال: {كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا}). قال ابن جرير: ({كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا} يقول: وأنا كنا أهواء مختلفة، وفِرَقًا شتى، منا المؤمن والكافر).

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (6306)، كتاب الدعوات. باب أفضل الاستغفار.

ص: 219

وقوله: {وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ} . أي: وأنا علمنا أننا لن نعجز اللَّه في الأرض إن أراد بنا سوءًا. قال النسفي: ({وَأَنَّا ظَنَنَّا} أيقنا {أَنْ لَنْ نُعْجِزَ} لن نفوته {فِي الْأَرْضِ} حال، أي لن نعجزه كائنين في الأرض أينما كنا فيها).

وقوله: {وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا} . قال القرطبي: (أي علمنا بالاستدلال والتفكر في آيات اللَّه: أنا في قبضته وسلطانه، لن نفوته بهرب ولا غيره. و {هَرَبًا} مصدر في موضع الحال أي هاربين).

وقوله: {وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ} . فَهُم يفتخرون بذلك، وهو مَفْخَرٌ لهم بحق، وشرف رفيع. أي: وأنا لما سمعنا القرآن آمنا به وباللَّه، وصدّقنا محمدًا صلى الله عليه وسلم على رسالته. قال الحسن:(بعث اللَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى الإنس والجن، ولم يبعث اللَّه تعالى قط رسولًا من الجن، ولا من أهل البادية، ولا من النساء، وذلك قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} [يوسف: 109]).

وفي صحيح مسلم من حديث جابر مرفوعًا: [بعثت إلى الأحمر والأسود]. قال مجاهد: (يعني الإنس والجن). فهو صلوات اللَّه وسلامه عليه رسول اللَّه إلى جميع الثقلين: الإنس والجن، مُبَلِّغًا لهم عن اللَّه تعالى ما أوحاه إليه من هذا الكتاب العزيز.

وقوله: {فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا} . البخس: النقصان. والرَّهق: العدوان. قال ابن عباس: (فلا يخاف أن يُنْقَصَ من حسناته أو يحمل عليه غيرُ سيئاته، كما قال تعالى: {فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا} [طه: 112]).

وقوله: {وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ} . القاسط: الجائر، لأول عادل عن الحق، والمُقْسِطُ: العادل؛ لأنه عادل إلى الحق. والعرب تقول: قسَطَ فلان: أي جار، وأقسط: إذا عدله. والمعنى: وأنا منا المسلمون الذين خضعوا للَّه بالطاعة {وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ} الجائرون عن الإسلام وقصد السبيل. قال ابن عباس: ({وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ}: العادلون عن الحق). وقال مجاهد: (الظالمون). وقال قتادة: (الجائرون).

وقوله: {فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا} . أي: فمن استقام على الحق وخضع للَّه بالطاعة فأولئك ترجّوا رشدًا في دينهم والتمسوا سبيل النجاة والفلاح.

وقوله تعالى: {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا} . أي: وأما الجائرون عن الإسلام الملتمسون غير سبيل المؤمنين {فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا} أي وقودًا توقد بهم.

ص: 220

وقوله تعالى: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا} .

قال ابن عباس: (يعني بالاستقامة: الطاعة. فأما الغدق فالماء الطاهر الكثير).

وقال مجاهد: ({وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ} طريقة الإسلامِ {لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا} قال: نافعًا كثيرًا، لأعطيناهم مالًا كثيرًا). والعرب تقول: غدِقت العينُ تغدَق، فهي غَدِقة، إذا كثر ماؤها. والمقصود بالآية أن الاستقامة على الدين الحق سبب في سعة الرزق وإقبال الدنيا. قال قتادة:(يقول: لو آمنوا كلهم لأوسعنا عليهم من الدنيا). وقال: (لو اتقوا لوسَّعَ عليهم في الرزق). وقال الربيع: ({مَاءً غَدَقًا}: عيشًا رغدًا).

وفي التنزيل نحو ذلك:

1 -

قال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2 - 3].

2 -

وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} [المائدة: 66].

3 -

وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف: 96].

ومن كنوز السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث:

الحديث الأول: أخرج الترمذي في السنن بسند صحيح عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [لو أنكم كُنتم تَوَكَّلُونَ على اللَّه حقَّ توكُّلِهِ لَرُزِقْتُم كما تُرْزَقُ الطَّيْرُ، تَغْدُو خِمَاصًا، وتروح بِطانًا](1).

الحديث الثاني: أخرج أحمد والترمذي بإسناد صحيح عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[إنَّ اللَّه تعالى يقول: يا ابنَ آدم تفرَّغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسُدَّ فقرك، وإن لا تفعل ملأت يديك شغلًا ولم أسُدَّ فقرك](2).

الحديث الثالث: أخرج الترمذي في الجامع بسند صحيح عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم

(1) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن (4164)، وأحمد في المسند، والترمذي في الجامع. انظر صحيح سنن الترمذي (1911).

(2)

حديث صحيح. أخرجه الترمذي (3/ 308)، وأحمد (2/ 358)، وابن ماجة (2/ 525)، وابن حبان (2477). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (1359).

ص: 221

قال: [من كانت الآخرة همَّهُ، جعل اللَّه غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة. ومن كانت الدنيا هَمَّهُ، جعلَ اللَّه فقره بين عينيه، وفرَّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدِّرَ له](1).

وقوله: {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} . أي لنختبرهم فيه. قال قتادة: (لنبتليهم فيه). وقال زيد بن أسلم: (لنبتليهم من يستمرُّ على الهداية ممَّن يرتد إلى الغواية).

والمقصود: أنَّ الاستقامة على الحق والهدى يغدق اللَّه بها على أهلها الرزق الوفير والسعة في الدنيا، وهذا الإغداق بحد ذاته موضع امتحان للعباد واختبار لهم، وكثير من الناس يضعف شكره للَّه عند انفتاح الدنيا وزينتها.

أخرج ابن ماجة بسند حسن عن أبي الدرداء قال: خرج علينا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ونحن نذكر الفقرَ ونتخوفه. فقال: [آلْفَقْرَ تخافون؟ والذي نَفْسي بيده لَتُصَبَّنَّ عليكمُ الدنيا صَبًّا حتى لا يُزيغَ قَلْبَ أحدِكُم إزاغَةً إلاهِيَهْ. وَايْمُ اللَّه لقد تركْتُكُم على مِثْلِ البيضاء، ليلُها ونهارُها سواء](2).

وبعض المفسرين ذهب إلى تأويل قوله تعالى: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ} قال طريقة الضلالة، والراجح ما ذكرناه، وهو المناسب للسياق، واللَّه تعالى أعلم.

وقوله: {وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا} . أي: ومن يعرض عن هذا القرآن، ومتابعة النبي عليه الصلاة والسلام، يسلكه اللَّه عذابًا صعبًا شاقًا شديدًا.

قال ابن عباس: ({يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا} يقول: مشقة من العذاب يصعد فيها). وقال أيضًا: ({عَذَابًا صَعَدًا} قال: جبل في جهنم). وقال قتادة: (عذابًا لا راحةَ فيه). أو قال: (صَعودًا من عذاب اللَّه لا راحة فيه). وقال ابن زيد: (الصعد: العذاب المنصب).

18 -

24. قوله تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (18) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (19) قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (20) قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (21) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (22) إِلَّا

(1) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (2/ 76)، وله شاهد عند ابن ماجة (2/ 524)، وكذلك عند ابن حبان (72) من حديث زيد بن ثابت مرفوعًا، وإسناده صحيح.

(2)

حديث حسن. أخرجه ابن ماجة في السنن -حديث رقم- (5). باب اتباع سنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.

ص: 222

بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (23) حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (24)}.

في هذه الآيات: إثباتُ المساجد للَّه فلا يعبد فيها غير اللَّه الواحد الأحد العلي العظيم، وأنه ما على الرسول إلا البلاغ المبين، ومَنْ أَصَرَّ على الشرك باللَّه وعصيانه كان في الآخرة من أهل الجحيم.

فقوله تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} . أي: وقل أوحي إليّ أن المساجد للَّه. وقال الخليل: (أي ولأن المساجد للَّه). وقال عكرمة: ({وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} قال: المساجد كلها). وقال قتادة: (كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائِسهم وبيعهم أشركوا باللَّه، فأمر اللَّه نبيّه أن يوحّد اللَّه وحده).

قال القرطبي: (قوله تعالى: {لِلَّهِ} إضافة تشريف وتكريم، ثم خصّ بالذكر منها البيت العتيق فقال: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ} [الحج: 26]).

وقوله تعالى: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا} . فيه تأويلان:

الأول: أي لما قام محمد صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى اللَّه تبارك وتعالى كادت العرب يجتمعون ضده ويزدحمون على حربه وإطفاء النور الذي جاء به.

الثاني: أي لما قام محمد صلى الله عليه وسلم يصلي اجتمع أصحابه عليه يصلون بصلاته ويسجدون بسجوده. وكلا المعنيين حق.

و{لِبَدًا} أي جماعات، من تلبُّد الشيء على الشيء أي تجمع، ومنه اللِّبْد الذي يفرش لتراكم صوفه، وكل شيء ألصقته إلصاقًا شديدًا فقد لبَّدته. قال الرازي:(ويقال: الناس لُبَدٌ أيضًا أي مُجتمعون).

وعن مجاهد: ({كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا} قال: جميعًا). وقال ابن زيد: (واللبد: الشيء الذي بعضه فوق بعض، قال: تظاهروا عليه بعضهم على بعض، تظاهروا على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم). وقال قتادة: (تلبدت الإنس والجن على هذا الأمر ليطفئوه، فأبى اللَّه إلا أن ينصره ويمضيه، ويظهره على من ناوأه).

وفي جامع الترمذي بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: [قول الجن لقومهم: {لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا} قال: لما رأوه يصلي وأصحابه يصلون بصلاته

ص: 223

ويسجدون بسجوده قال: تعجبوا من طواعية أصحابه له قالوا لقومهم: لما قام عبد اللَّه يدعوه كادوا يكونون عليه لبدًا] (1).

وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا} . قال ابن كثير: (أي: قال لهم الرسول لمَّا آذوه وخالفوه وكذَّبوه وتظاهروا عليه، لِيُبطِلوا ما جاء به من الحق واجتمعوا على عداوته: {إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي}، أي: أعبدُ ربي وحدَه لا شريك له، وأستجيرُ به وأتوكَلُ عليه، {وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا}).

وقوله تعالى: {قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا} . أي: قل لهم يا محمد: إن ما جئتكم به هو الحق، ولا أملك أمر هدايتكم أو غوايتكم، فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن عز وجل يقلبها كيف يشاء، ومن ثمَّ فالهداية أو الإضلال إنما شأن ذلك إليه جلت عظمته وقدرته.

وقوله تعالى: {قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا} .

قال قتادة: (أي: لا نصيرَ ولا ملجأ). وقال أيضًا: (لا وليَّ ولا موئِل). وقال مجاهد: ({مُلْتَحَدًا}: ملجأ). وقال السدي: (حِززًا).

قال القرطبي: ({قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ} أي لا يدفع عذابه عني أحد إن استحفظته. {وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا} أي ملتجأ ألجأ إليه).

وقوله: {إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ} . قال الحسن: (فإن فيه الأمان والنجاة). فهو استثناء من قوله: {قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ} . أي: لا يخلصني من بأس اللَّه إلا إخلاص إبلاغ الرسالة والدعوة إلى سبيله عز وجل. كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67].

ويجوز أن يكون مستثنًى من قوله تعالى -في الآية السابقة-: {قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا} .

قال قتادة: (فذلك الذي أملكه بتوفيق اللَّه، فأما الكفر والإيمان فلا أملكهما). والتقدير: لا أملك لكم إلا أن أبلغكم. قلت: وكلا المعنيين حق، وفي كل منهما انسجام مع سياق الآيات والبيان والإعجاز.

(1) صحيح الإسناد. أخرجه الترمذي بإسناد صحيح عن ابن عباس. انظر صحيح سنن الترمذي -حديث رقم- (2647)، كتاب التفسير، عند هذه الآية.

ص: 224

وقوله: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} .

قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ومن يعص اللَّه فيما أمره ونهاه ويكذّب به، ورسوله، فجحد رسالاته، فإن له نار جهنم يصلاها {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} يقول: ماكثين فيها أبدًا إلى غير نهاية).

ونصب: {خَالِدِينَ} على الحال، وجُمعَ لأن المقصود وصف مصير كل من فعل ذلك. فَوُحِّدَ أوَّلًا للفظ "مَنْ" ثم جمع للمعنى.

وقوله: {حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ} . قيل: {حَتَّى} هنا مبتدأ. والتقدير: حتى إذا رأوا عذاب الآخرة الذي يوعدون، أو عذاب الدنيا قبله من القتل يوم بدر والخزي، هنالك سيعلمون. - حكاه القرطبي.

وقيل: {حَتَّى} متعلق بمحذوف دلت عليه الحال. والتقدير: لا يزالون على ما هم عليه حتى {إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ} من العذاب {فَسَيَعْلَمُونَ} . حكاه النسفي.

وقوله: {فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا} . أي: فسيعلمون عند حلول العذاب بهم {مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا} : أهم أم المؤمنون المخلصون التوحيد والتعظيم للَّه عز وجل. أي: بل المشركون في حال خزي تام ومذلة يومئذ لا ناصر لهم بالكلِّية، وهم أقلُّ عددًا من جنود اللَّه عز وجل التي ستحيط بهم وتحاصرهم إلى أشد العذاب.

25 -

28. قوله تعالى: {قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (25) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (28)}.

في هذه الآيات: إثباتُ علم الغيب وأمر الوعد والوعيد للَّه العلي العظيم، فهو سبحانه قد أرسل الرسل وعلم أعمالهم وأحصى كل شيء في كتاب مبين.

فقوله تعالى: {قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا} .

قال القرطبي: (يعني قيام الساعة. وقيل: عذاب الدنيا، أي لا أدري، فـ {إِنْ} بمعنى "ما" أو "لا". أي لا يعرف وقت نزول العذاب ووقت قيام الساعة إلا اللَّه).

ص: 225

وقوله: {أَمَدًا} -أي غاية وأجلًا. قال النسفي: ({أَمَدًا} غاية بعيدة، يعني أنكم تعذبون قطعًا، ولكن لا أدري أهو حالّ أم مؤجل).

وقوله: {عَالِمُ الْغَيْبِ} . أي هو عالم الغيب، والغيب ما غاب عن العباد.

وقوله: {فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} . قال ابن عباس: (فأعلم اللَّه سبحانه الرسل من الغيب الوحي وأظهرهم عليه بما أوحى إليهم من غيبه، وما يحكم اللَّه، فإنه لا يعلم ذلك غيره).

وعن قتادة: ({إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} فإنه يصطفيهم، ويطلعهم على ما يشاء من الغيب). وقال ابن زيد: (ينزل من غيبه ما شاء على الأنبياء، أنزل على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الغيب القرآن، قال: وحدثنا فيه بالغَيب بما يكون يوم القيامة).

وقوله: {فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} . قال قتادة: (الملائكة).

وقال ابن عباس: (هي معقبات من الملائكة يحفظون النبي صلى الله عليه وسلم من الشيطان حتى يتبين الذي أرسل به إليهم، وذلك حين يقول: ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم).

وقال إبراهيم النخعي: (الملائكة رصد من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من الجن).

وغاية المعنى أن يقال: إنّ اللَّه تعالى يختمن رسوله بمزيد من مُعَقِّباتٍ من الملائكة يحفظونه من أمر اللَّه، ويعصمونه من الشياطين ووساوسهم وتخاليطهم حتى يبلغ الوحي.

وقوله: {لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ} . فيه تفاسير، حسب عودة الضمير:

1 -

قيل: {لِيَعْلَمَ} عائد على النبي صلى الله عليه وسلم. قال سعيد بن جبير: (ليعلم محمد صلى الله عليه وسلم). وقال قتادة: (ليعلم نبيُّ اللَّه أن الرسلَ قد بَلَّغَت عن اللَّه، وأن الملائكةَ حفظتها ودفعت عنها). - واختاره ابن جرير.

2 -

قيل: {لِيَعْلَمَ} - عائد على من كذّب الرسل. قال العوفي عن ابن عباس: ({إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا}، قال: هي مُعَقِّبات من الملائكة يحفظون النبي من الشيطان، حتى يتَبَيَّن الذي أُرسِلَ إليهم، وذلك حين يقولُ: ليعْلَمَ أهلُ الشرك أن قد أُبلغوا رسالاتِ ربهم).

وقال مجاهد: (ليعلمَ من كذَّب الرسل أن قد أبلغوا رسالاتِ ربهم).

3 -

قيل: {لِيَعْلَمَ} - عائدٌ على اللَّه عز وجل. قال النسفي: (أي ليعلم اللَّه ذلك

ص: 226

موجودًا حال وجوده، كما كان يعلم ذلك قبل وجوده أنه يوجد).

قلت: وكل ذلك من التأويل المنسجم مع السياق القرآني والإعجاز البياني.

وقوله: {وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا} . قال سعيد بن جبير: (ليعلم الرسل أن ربهم أحاط بهم، فبلغوا رسالاتهم). قال ابن جرير: (يقول: وعلم بكل ما عندهم {وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا} يقول: علم عدد الأشياء كلها، فلم يخف عليه منها شيء). و {عَدَدًا} منصوب على الحال، أي: وعلم كل شيء معدودًا محصورًا. وقيل: بل هو مصدر في معنى إحصاء، واللَّه تعالى أعلم.

تم تفسير سورة الجن بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه ظهر الأحد 25 شوال 1426 هـ الموافق 27 - تشرين الثاني - 2005 م

* * *

ص: 227