الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نُعِيت لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم نفسه حين أنزلت، فأخذ في أشد ما كان قط اجتهادًا في أمر الآخرة، وقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعد ذلك:"جاء الفتح، وجاء نصر اللَّه، وجاء أهل اليمن". فقال رجل: يا رسول اللَّه! وما أهل اليمن؟ قال: "قوم رقيقة قلوبهم، لينة قلوبهم، الإيمان يمانٍ، والحكمة يمانية، والفقه يمانٍ"] (1).
موضوع السورة
النصر المبين والتمكين، ودخول الناس في هذا الدين
-
منهاج السورة
-
1 -
التبشير بمجيء نصر اللَّه والفتح المبين، ودخول الناس أفواجًا في دين اللَّه العظيم.
2 -
أمره تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالتسبيح والشكر والاستغفار له فهو المنعم المتفضل الكريم، الذي جاء بالفتح والنصر على الأعداء والطغاة المجرمين.
3 -
تأكيد اللَّه تعالى قبوله توبة التائبين، والعفو والصفح عن المذنبين المستغفرين.
بسم الله الرحمن الرحيم
1 -
3. قوله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3)}.
في هذه الآيات: يخاطب الباري عز وجل نبيَّه صلى الله عليه وسلم يقول: إذا حصل الفتح، وتحقق النصر، بعد طول عناء وصبر وجهاد، وأقبل الناس على الدين الحق يدخلون فيه جماعات كثيرة، وقبائل كبيرة، بعد أن كانوا يدخلون فيه أفرادًا وآحادًا، فقد ارتفع
(1) أخرجه النسائي في "السنن الكبرى"(6/ 525/ 11712)، والطبراني في "المعجم الكبير"(11/ 328 - 329)، و"الأوسط"(3/ 15/ 2017)، وله شاهد عند أحمد (1/ 217)، وانظر المرجع السابق: الصحيحة ج (7) ص (1108) عقب الحديث السابق.
الخوف وزال موجب القلق والحزن، ولم يبق إلا تسبيح اللَّه وشكره على ما أنعم عليه من الظهور والظفر والشوكة في الأرض وعزّ الدين فوق المناهج كلها، والاستغفار مما كان من خواطر النفس وقلقها وحزنها وضعفها، إنه سبحانه كان للمستغفرين توابًا. ثم الاستعداد عقب ذلك للرحيل عن الدنيا، فقد تمّ الأمر -يا محمد- وكمل الدين وحان وقت اللحاق بالرفيق الأعلى.
فقوله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} . أي: إذا جاءك يا محمد نصر اللَّه على من عاداك، وهم قريش والعرب، وفتح عليك مكة. والنصر هو التأييد الذي يكون به قهر الأعداء وغلبهم والاستعلاء عليهم، والفتح هو فتح مساكن الأعداء ودخول منازلهم. وقيل: فتح قلوبهم -أيضًا- لقبول الحق.
قال النسفي: ({إِذَا} منصوب بِسَبِّح، وهو لما يستقبل، والإعلام بذلك قبل كونه من أعلام النبوة. قال: {جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} النصر الإغاثة والإظهار على العدو، والفتح فتح البلاد، والمعنى نصر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على العرب أو على قريش وفتح مكة، أو جنس نصر اللَّه المؤمنين وفتح بلاد الشرك عليهم).
يروي البزار والبيهقي عن ابن عمر قال: (نزلت هذه السورة {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} في أوسط أيام التشريق، فعرف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنه الوداع)(1).
وقال عمر بن الخطاب وابن عباس: (هو أجل رسول اللَّه نُعي إليه). ذكره الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" ثم قال: (وقال ابن عمر نزلت أوسط أيام التشريق في حجة الوداع، فعرف رسول اللَّه أنه الوداع فخطب الناس خطبة أمرهم فيها ونهاهم).
قلت: ولا شك أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قد فهم من نزول هذه السورة أنه الوداع، وأنه لا بد مفارق الدنيا قريبًا إلى الرفيق الأعلى.
يروي البخاري عن ابن عباس قال: [كان عمرُ يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال: لمَ يدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه ممن قد علمتم، فدعاهم ذات يوم فأدخله معهم، فما رأيت أنه دعاني فيهم يومئذ إلا ليريهم، فقال: ما تقولون في قول اللَّه عز وجل: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} ؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد اللَّه ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا، فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، فقال: ما تقول؟ فقلت: هو أجل
(1) في سنده نظر، "راجع -زاد المعاد- (2/ 289) "، تحقيق الأرناؤوط، لكن له شواهد.
رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أعلمه له، قال:{إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} فذلك علامة أجلك {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} . فقال عمر بن الخطاب: لا أعلم منها إلا ما تقول] (1).
فكان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يكثر بعد ذلك من التسبيح والاستغفار.
وأخرج البخاري كذلك في الباب عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:[أنَّ عمر رضي الله عنه سألهم عَنْ قوله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} قالوا: فَتْحُ المدائنِ والقُصور. قال: ما تقول يا ابنَ عباس؟ قال: أَجَلٌ أو مَثَلٌ ضُرِبَ لمحمد صلى الله عليه وسلم، نُعِيَتْ له نفسُهُ](2).
وقوله تعالى: {وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا} . أي: جماعات كثيرة، فوجًا بعد فوج، بعد أن كانوا يدخلون فيه واحدًا واحدًا، واثنين اثنين، فصارت القبيلة تدخل بأسرها في الإسلام.
وفي صحيح البخاري من حديث عمرو بن سلمة قال: [لمّا كان الفتح بادرَ كُلُّ قوم بإسلامهم إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وكانت الأحياء تَتَلَوَّمُ بإسلامها فتحَ مكة، يقولون: دعوه وقومَه، فإن ظهر عليهم فهو نبيّ. .] الحديث (3).
وفي رواية: [وكانت العرب تَلَوَّمُ بإسلامهم الفَتْحَ فيقولون: اتركوه وقَوْمَه فإنَّهُ إنْ ظَهَر عليهم فهو نبيٌّ صادق، فلما كانت وقعة أَهْلِ الفتح بادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بإسلامهم].
وقوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} .
فيه الجمع بين تسبيح اللَّه، المؤذن بالتعجب مما يسَّره اللَّه له مما لم يكن يخطر بباله ولا بال أحد من الناس، وبين الحمد له على جميل صنعه له وعظيم منته عليه بالنصر والفتح لأم القرى ودخول الناس في الإسلام أفواجًا. {وَاسْتَغْفِرْهُ} أي: اطلب منه المغفرة لذنبك تواضعًا للَّه، واستقصارًا لعملك {إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} أي: إنه تعالى من شأنه التوبة على المستغفرين له، فهو يتوب على التائبين ويرحمهم بقبول توبتهم.
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (4294) - كتاب المغازي. وكذلك (4970) - كتاب التفسير.
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (4969) - كتاب التفسير، عند هذه الآية من سورة النصر من حديث ابن عباس.
(3)
حديث صحيح. وهو جزء من حديث أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (4302) - كتاب المغازي، من حديث عمرو بن سلمة.
وقال القرطبي: ({بِحَمْدِ رَبِّكَ} أي: حامدًا له على ما آتاك من الظفر والفتح).
وقال القاسمي: ({وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا} أي: ورأيت الناس من صنوف العرب وقبائلها عند ذلك يدخلون في دين اللَّه، وهو دينك الذي جئتهم به لزوال ذلك الغطاء الذي كان يحول بينهم وبينه، وهو غطاء قوة الباطل فيقبلون عليه أفواجًا طوائف وجماعات لا آحادًا، كما كان في بدء الأمر أيام الشدة. إذا حصل ذلك كله وهو لا ريب حاصل {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} أي: فنزه ربك عن أن يهمل الحق ويدعه للباطل يأكله. وعن أن يخلف وعده في تأييده. وليكن هذا التنزيه بواسطة حمده والثناء عليه بأنه القادر الذي لا يغلبه غالب، والحكيم الذي إذا أمهل الكافرين ليمتحن قلوب المؤمنين، فلن يضيع أجر العاملين ولا يصلح عمل المفسدين. والبصير بما في قلوب المخلصين والمنافقين، فلا يذهب عليه رياء المرائين {وَاسْتَغْفِرْهُ} أي: اسأله أن يغفر لك ولأصحابك ما كان من القلق والضجر والحزن، لتأخر زمن النصر والفتح. والاستغفار إنما يكون بالتوبة الخالصة. والتوبة من القلق إنما تكون بتكميل الثقة بوعد اللَّه، وتغليب هذه الثقة على خواطر النفس التي تحدثها الشدائد، وهو وإن كان مما يشق على نفوس البشر، ولكن اللَّه علم أن نفس نبيّه صلى الله عليه وسلم قد تبلغ ذلك الكمال فلذلك أمره به، وكذلك تقاربه قلوب الكمل من أصحابه وأتباعه عليه السلام. واللَّه يتقبل منهم {إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} أي: إنه سبحانه لا يزال يوصف بأنه كثير القبول للتوبة، لأنه ربٌّ يربي النفوس بالمحن. فإذا وجدت الضعف أنهضها إلى طلب القوة، وشدد همها بحسن الوعد. ولا يزال بها حتى تبلغ الكمال. وهي في كل منزلة تتوب عن التي قبلها. وهو سبحانه يقبل توبتها فهو التواب الرحيم).
قلت: وهذا كلام بديع، وتفسير رائع، وتؤيده السنة الصحيحة في روائع من الأحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري في كتاب التفسير من صحيحه عن مَسْروق، عن عائشة رضي الله عنها قالت:[ما صَلّى النبي صلى الله عليه وسلم صلاةَ بعد أنْ نزلت عليه {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} إلا يقول فيها: "سبحانك ربنا وبحمدك، اللهم اغفِر لي"](1).
الحديث الثاني: وأخرج البخاري في كتاب التفسير من صحيحه -كذلك- عند هذه الآية، عن عائشة رضي الله عنها قالت: [كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ أنْ يقولَ في ركوعه
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (4967) - كتاب التفسير. وانظر (794) - كتاب الأذان.