الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
80 - سورة عبس
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (42).
سبب نزول السورة:
أخرج الترمذي بإسناد صحيح عن عائشة قال: [أنزل {عَبَسَ وَتَوَلَّى} في ابن أم مكتوم الأعمى، أتى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فجعل يقول: يا رسول اللَّه أرشدني. وعند رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم رجل من عظماء المشركين، فجعل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يُعرض عنه، ويقبل على الآخر ويقول: "أتَرى بما أقولُ بأسًا؟ " فيقول: لا، ففي هذا أنزل](1). وفي رواية ابن جرير: [ففي هذا أنزلت {عَبَسَ وَتَوَلَّى}].
موضوع السورة
المعاتبة على العبس في وجه بعض المؤمنين وامتنان اللَّه على العباد بالنعم العظيمة وتفصيل المصير يوم الدين
-
منهاج السورة
-
1 -
العتاب اللطيف من اللَّه سبحانه لنبيه الكريم، لانشغاله ببعض المشركين عن ابن أم مكتوم.
(1) صحيح الإسناد. أخرجه الترمذي (3331) - كتاب التفسير. سورة عبس. وقال الحافظ العراقي في تخريج "الإحياء": (رجاله رجال الصحيح). ورواه ابن حبان، والحاكم (2/ 514)، وأبو يعلى (4848)، والطبري (76318) وإسناده على شرط البخاري ومسلم.
2 -
هذه التذكرة والعظة هي في صحف مكرمة مطهرة، بأيدي ملائكة كرام بررة.
3 -
العجب من كفر الإنسان مع إحسان اللَّه إليه، وهو خلقه سبحانه وأعطاه وأماته وأقبره وسيقف غدًا بين يديه.
4 -
حثّ الإنسان على النظر في نعم اللَّه عليه، من الماء والطعام والنبات والفواكه والثمار والحدائق التي سخّرها إليه.
5 -
التهديد بقدوم الصاخة وهي القيامة، يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه وجميع خلانه.
6 -
الوجوه يوم الحساب ضاحكة مستبشرة، أو عليها غبرة ترهقها قترة.
بسم الله الرحمن الرحيم
1 -
16. قوله تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (16)}.
في هذه الآيات: عتابٌ لطيف من اللَّه سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم، وقد انشغل يومًا بتكليم بعض عظماء قريش طمعًا في إسلامه، فأعرضَ عن ابن أم مكتوم الذي جاءه يسأل عن شيء من أمر دينه، وعبس في وجهه وأقبل على الآخر رغبة في هدايته، فكان العتاب تذكرة وعبرة وعظة، في صحف مكرمة مطهرة، بأيدي ملائكة كرام على ربهم، أتقياء صادقين في إيمانهم.
فقوله تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى} . قال ابن جرير: ({عَبَسَ}: قبض وجهه تكرُّهًا، {وَتَوَلَّى} يقول: وأعرض). وقال القرطبي: ({عَبَسَ} أي كلح بوجهه. {وَتَوَلَّى} أي أعرض بوجهه).
وقوله تعالى: {أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى} . "أنْ" في موضع نصب لأنه مفعول له، والتقدير:
لأن جاءه الأعمى، وهو ابن أم مكتوم رضي الله عنه الذي لا يبصر بعينيه.
أخرج أبو يعلى في المسند، بإسناد حسن، عن قتادة، عن أنس قال:[جاء ابنُ أم مكتوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يكَلِّمُ أُبَيَّ بن خَلَفٍ، فأعرض عنه، فأنزل اللَّه عز وجل: {عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى}، فكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يُكْرِمُهُ](1). قال قتادة: (وأخبرني أنس بن مالك قال: رأيته يوم القادسيَّةِ وعليه درْعٌ ومعه رايةٌ سوداءُ، يعني ابن أمِّ مكتوم).
قلت: فكان العتاب اللطيف من اللَّه سبحانه، لأن ابن أم مكتوم يرجح في ميزان الحق على المئات من أمثال أبي بن خلف وأمثاله من المشركين.
وقوله تعالى: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى} . أي: وما يدريك يا محمد، لعل هذا الأعمى المؤمن الذي عبست في وجهه يزّكى: أي يتطهر من ذنوبه، ويرتفع في إيمانه.
وقوله تعالى: {أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى} . أي: أو يعتبر ويتعظ فينفعه الاتعاظ والاعتبار، ويشد ذلك من عزيمته ليثبت على سبيل الأخيار.
وقوله: "فتنفعَه" نصبه عاصم جوابًا لِلَعَلّ، ورفعه غيره -"فتنفعُه"- عطفًا على "يذكّر"، وهما قراءتان مشهورتان في الأمصار.
وقوله تعالى: {أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى} . قال النسفي: (أي من كان غنيًا بالمال {فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى} تتعرض بالإقبال عليه حرصًا على إيمانه). والتصدِّي: الإصغاء. وأصله في كلام العرب من الصَّدَد: القُرب. يقال: دارِي صَدَدَ دارِه أي قُبالتَها، وهو نَصْبٌ على الظَّرف. وقراءة عامة القراء "تَصَدّى" بالتخفيف، على طرح التاء الثانية تخفيفًا.
والمقصود: إنك تقبل -يا محمد- عليه بوجهك وحديثك، وهو يظهر الاستغناء عنك والإعراض عما جئت به، غرّه ماله وجاهه وسلطانه.
وقوله تعالى: {وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى} . أي: وما أنت -يا محمد- بمطالب بهذا الكافر إذا لم يؤمن ويرشد ويتطهر، فإنما أنت رسول، وما عليك إلا البلاغ. قال مجاهد:(يقول: وأي شيء عليك أن لا يتطهَّرَ من كفره فيسلم؟ ).
وقوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى} .
قال مجاهد: (يقول: وأما هذا الأعمى الذي جاءك سعيًا، وهو يخشى اللَّه ويتقيه،
(1) حديث صحيح. أخرجه أبو يعلى في "مسنده"(3123)، وإسناده حسن، رجاله ثقات.
{فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى} يقول: فانت عنه تعرض، وتشاغَلُ عنه بغيره وتغافَلُ).
وأصل {تَلَهَّى} تتلهى، جاءت مخففة. والتلهي: التغافل. ولَهِيتُ عن الشيء أي تشاغلت عنه. ولهِيتُ عنه وتَلهيتُ: بمعنى.
وقوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ} . -كلّا- كلمة ردع وزجر. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: "كلّا" ما الأمر كما تفعل يا محمد، من أن تعبس في وجه من جاءك يسعى وهو يخشى، وتتصدى من استغنى {إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ} يقول: إن هذه العظة وهذه السورة تذكرة، يقول: عظة وعبرة).
قال ابن كثير: (ومن هنا أمر اللَّه عز وجل رسولَه صلى الله عليه وسلم ألّا يَخُصَّ بالإنذار أحدًا، بل يُساوي فيه بين الشريف والضعيف، والفقير والغني، والسَّادة والعبيد، والرجال والنِّساء، والصِّغار والكبار. ثم اللَّه تعالى يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، له الحكمةُ والحُجَّة. قال: وقوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ}، أي: هذه السورة، أو الوصية بالمساواة بين الناس في إبلاغ العلم بين شريفهم ووضيعهم).
وقوله تعالى: {فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ} . أي حفظه، فالذكر خلاف النسيان. أو اتعظ به، فيكون من "التذكير". وفي الآية إثبات مشيئة خلقها اللَّه تعالى للإنسان، لو أحسن استعمالها لنجا وأدرك السعادة في الدارين.
قال الزمخشري: (وذكّر الضمير لأن التذكرة في معنى الذكر والوعظ. وقيل: الضمير للقرآن، والكلام استطراد).
وقوله تعالى: {فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ} . أي: إنها تذكرة كائنة في صحف مكرمة عند اللَّه، لما فيها من العلم والحكمة، أو لأنها نازلة من اللوح المحفوظ.
وقوله: {مَرْفُوعَةٍ} . قال يحيى بن سلام: (مرفوعة في السماء السابعة). وقال الطبري: (مرفوعة الذكر والقدر). وقيل: مرفوعة عن الشُّبَهِ والتناقض. والمقصود: إنها رفيعة القدر عند اللَّه، ومرفوعة عنده تبارك وتعالى.
وقوله: {مُطَهَّرَةٍ} . قال الحسن: (من كل دنس). وقيل: مصانة عن أن ينالها الكفار. وهو معنى قول السُّدّيّ. وعن الحسن أيضًا: (مطهرة من أن تنزل على المشركين). والمقصود: إنها في صحف مكرمة مرفوعة، منزهة لا يمسها إلا المطهرون، مصونة عن الشياطين والكفار.
وقوله تعالى: {بِأَيْدِي سَفَرَةٍ} . السفرة هنا الملائكة، سُمّوا كذلك لأنهم يسفرون
بالوحي بين اللَّه ورسوله، من السفارة، وهي السعي بين القوم. وعن مجاهد:({بِأَيْدِي سَفَرَةٍ} قال كَتَبَة). وقال ابن زيد: (السفرة الذين يحصون الأعمال). والمعنى الأول أنسب، فهم الملائكة يسفرون بين اللَّه ورسوله بالوحي، واختاره ابن جرير.
وقوله تعالى: {كِرَامٍ بَرَرَةٍ} . قال ابن عباس: (يعني الملائكة). والبررة: جمع بارّ، والمقصود: ملائكة كرام على ربهم، أتقياء مطيعون لربهم، صادقون في إيمانهم.
وفي الصحيحين والمسند من حديث عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[مَثَلُ الذي يَقْرأ القرآنَ وهو حافِظٌ له مع السَّفرة الكرامِ البَرَرَة، ومَثَلُ الذي يَقْرَأُ القرآن وهوَ يتعاهَدُهُ وهو عليه شديدٌ فلهُ أجران](1).
17 -
32. قوله تعالى: {قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (22) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (23) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (32)}.
في هذه الآيات: تَعَجُّبٌ من كفر الإنسان مع إحسان اللَّه إليه، وقد خلقه وأعطاه وأماته وأقبره ثم سيقف بين يديه، وقد ضيع العمر وتجاهل النعم الجليلة التي لا تحصى من الطعام والماء والنبات والفواكه والثمار والحدائق له ولأنعامه التي سخّرها إليه.
فقوله تعالى: {قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ} . قال سفيان: (بلغني أنه الكافر). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: لعن الإنسان الكافر ما أكفره! . وفي قوله {مَا أَكْفَرَهُ} وجهان: أحدهما: التعجب من كفره، مع إحسان اللَّه إليه، وأياديه عنده. والآخر: ما الذي أكفره، أي: أيُّ شيء أكفره؟ ).
وقوله تعالى: {مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ} .
بيانٌ لحقارة الشيء الذي خلقه اللَّه منه، ثم هو يتكبر ويتعظم عن طاعة ربه والإقرار بتوحيده والرجوع إليه يوم المعاد.
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (4937) - عند تفسير هذه الآية - كتاب التفسير - سورة عبس. وأخرجه مسلم (798)، وأحمد (6/ 48)، والترمذي (2904)، وأبو داود (1454)، وابن ماجة (3779)، والدارمي (2/ 444)، وابن أبي شيبة (10/ 490)، وغيرهم.
وقوله تعالى: {ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ} . قال ابن عباس: (يعني بذلك خروجه من بطن أمه يسَّره له). وقال مجاهد: (هو كقوله: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان: 3]). وقال الحسن: (سبيل الخير). وقال ابن زيد: (هداه للإسلام الذي يسَّره له، وأعلمه به، والسبيل سبيل الإسلام).
قلت: وقول مجاهد والحسن وابن زيد أنسب لسياق الآيات، الخلق فإقامة الحجة فالموت فالبعث والحساب، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله تعالى: {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} . يعني: ثم قبض روحه في نهاية أجله، فأماته بعد ذلك، فوضعه في حفرةٍ وصيّره ذا قبر. قال أبو عبيدة:({فَأَقْبَرَهُ}: جعل له قبرًا، وأمر أن يُقْبَر). وعن الفَرَّاء: (أي جعل له قبرًا يوارَى فيه إكرامًا، ولم يجعله مما يُلْقى على وجه الأرض تأكله الطير والعوافي (1)).
وقوله تعالى: {ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ} . أي: أحياه بعد موته. ومنه يقال البعث والنشور. وفي الصحاح: نَشَرَ الميتُ فهو ناشِرٌ: عاشَ بعد الموت. وأنشره اللَّه تعالى: أحياه.
وقوله تعالى: {كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ} . -كلّا- ردع للإنسان عن الكفر. وعن مجاهد: ({كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ} قال: لا يقضي أحد أبدًا ما افْتُرِض عليه، أو كل ما افترض عليه). وقال النسفي: (لم يفعل هذا الكافر ما أمره اللَّه به من الإيمان). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: كلّا ليس الأمر كما يقول هذا الإنسان الكافر، من أنه قد أدّى حق اللَّه عليه، في نفسه وماله، لَمَّا يقض ما أمره، لم يُؤَدِّ ما فرض عليه من الفرائض رَبُّه).
وقوله تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ} . قال مجاهد: (وشرابه. قال: إلى مأكله ومشربه. آية لهم). قال ابن كثير: (فيه امتنانٌ وفيه استدلالٌ بإحياء النبات من الأرض الهامِدةَ على إحياء الأجسام بعد ما كانت عظامًا بالية وتُرابًا مُتَمزقًا).
وقوله تعالى: {أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا} . أي أنزلنا المطر من السماء إنزالًا، وصببناه على الأرض صَبًّا.
وقوله تعالى: {ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا} . أي: ثم تخلل الماء في الأرض ودخل في تخومها، ولامس الحبّ المودع فيها، ففتقنا الأرض عن الحب أول ما نبت، لصغره وضعفه عن شقها، حتى نبت وارتفع وظهر على وجه الأرض.
(1) العوافي: كل طالب فضل أو رزق.
وقوله تعالى: {فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا} . يعني حبّ الزرع، ويشمل جميع ما يُذكر من الحبوب، كالحنطة والشعير وغير ذلك من قوت الناس. والمقصود: أن النبات لا يزال ينمو ويتزايد إلى أن يصير حبًا في حالة الانتفاع والغذاء.
وقوله تعالى: {وَعِنَبًا وَقَضْبًا} . - {وَعِنَبًا} أي: وكرم عنب. والقضب: القتّ الرطب الذي تعلف به الدواب. قال الحسن: (القضب: العَلَف). وقال قتادة: (القضب: الفصافص). وعن ابن عباس: ({وَقَضْبًا} يقول: الفِصفِصة). وهي التي تأكلها الدواب رطبة وتدعى القتّ. وسمي "قَضْبًا" لأنه يقضب، أي يقطع مرة بعد أخرى.
وقوله: {وَزَيْتُونًا} . أي شجرة الزيتون التي يستخرج من نتاجها الزيت، وهو أُدْمٌ وعصيره أُدْمٌ، ويُدَّهن به ويستصبح به.
أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن عمر قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: [ائتدِمُوا بالزَّيت وادَّهِنُوا به، فإنه مِنْ شجرة مباركة](1).
وفي رواية: [كلوا الزيت وادهنوا به، فإنه من شجرة مباركة].
وفضل الزيت وارد في القرآن الكريم، في قوله تعالى في سورة "النور":{يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} .
قال ابن القيم في "زاد المعاد": (الزيت حار رطب في الأولى، وغلط من قال: يابس، والزيت بحسب زيتونه، فالمعتصر من النضيج أعدلُه وأجوده، ومن الفج فيه برودة ويُبوسة، ومن الزيتون الأحمر متوسط بين الزيتين، ومن الأسود يُسخن ويرطب باعتدال، وينفع من السموم، ويطلق البطن، ويخرج الدود، والعتيق منه أشد تسخينًا وتحليلًا، وما استُخْرج منه بالماء فهو أقل حرارة، وألطف وأبلغ في النفع، وجميع أصنافه مليّنة للبشرة، وتبطئ الشيب. قال: وماء الزيتون المالح يمنع من تَنفُّط حرق النار، ويشد اللِّثَةَ، وورقُه ينفع من الحمرة والنّملة، والقروح الوسخة، والشَّرى، ويمنع العرق، ومنافعه أضعاف ما ذكرنا).
وقوله: {وَنَخْلًا} -يعني النخيل. قال ابن كثير: (يُؤكَلْ بلحًا بُسرًا وَرْطَبًا، وتَمرًا، ونيئًا، ومَطبوخًا، ويُعْتَصَرُ منه رُبٌّ وَخَلٌّ).
(1) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (3319) - كتاب الأطعمة. باب الزيت. وانظر صحيح سنن ابن ماجة (2682)، ومختصر الشمائل (133 - 134). وانظر للرواية الأخرى جامع الترمذي (1/ 340)، ومستدرك الحاكم (2/ 122).
وقوله تعالى: {وَحَدَائِقَ غُلْبًا} . أي: وبساتين غلاظ الأشجار جمع غلباء، بديعة المنظر ويستظل بظلها. قال ابن عباس:({وَحَدَائِقَ غُلْبًا} قال: الحدائق: ما التف واجتمع). وقال ابن زيد: ({وَحَدَائِقَ غُلْبًا}: عظام النخل العظيمة الجذع. قال: والغُلْبُ من الرجال: العظام الرقاب، يقال: هو أغلب الرقبة: عظيمها). وقال ابن عباس أيضًا: ({غُلْبًا} أي طوال. قال: الشجر الذي يستظل به). وقال عكرمة: ({غُلْبًا} أي غِلاظُ الأوساط. وفي رواية: غِلاظ الرقاب).
وقوله تعالى: {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} . الفاكهة ما يتفكه به من الثمار. والأبّ: الكلأ والمرعى، فهو ما أنبتته الأرض مما يخصّ الدواب. قال ابن عباس:(الفاكهة كُلُّ ما أُكِلَ رُطبًا. والأبُّ ما أنبتت الأرض مما تأكلُه الدوابُّ ولا يأكُلُهُ الناس). وفي رواية عنه: (هو الحشيش للبهائم). وقال مجاهد: (الأبُّ: الكلأ). وقال عطاء: (كُلُّ شيء نبتَ على وجه الأرض فهو أبٌّ).
وقوله تعالى: {مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} . امتنان من اللَّه سبحانه على عباده، فإن إنبات هذه الأشياء إمتاع للناس ولبهائمهم المسخرة لهم. ونصب {مَتَاعًا} على المصدر المؤكِّد.
والخلاصة: يرزق اللَّه تعالى العباد من النباتات والأشجار، التي تصنع الطعام من الماء، والتراب، والهواء، ويُسَخِّرُ اللَّه الشمس للنبات، لإتمام صُنْعِ الغِذاء الذي يحتاجُه الإنسان، والحيوان، وما كان للغذاء أن يُوَفَّرَ، لولا أن اللَّه يسوق الماء العذبَ، ويُهَيِّئُ التربة الصالحة للزراعة، ويوجد الجَوَّ، والظروف المناسبة، لإنتاج الغذاء من النباتات، عيشة لكم أيها الناس ولأنعامكم في هذه الدار إلى يوم القيامة.
33 -
42. قوله تعالى: {فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (42)}.
في هذه الآيات: التهديد بقدوم الصَّاخة وهي القيامة، يوم يطلب المرء النجاة ويفر من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه وجميع خِلّانِه، والوجوه يومئذ إما ضاحكة مستبشرة
وهي وجوه الكرام البررة، أو عليها غبرة وترهقها قترة وهي وجوه الكفرة الفجرة.
فقوله تعالى: {فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ} . قال ابن عباس: ({الصَّاخَّةُ}: اسم من أسماء القيامة، عَظَّمَهُ اللَّه، وحَذَّره عباده). قال البغوي: ({الصَّاخَّةُ}: يعني صيحة القيامة، سُمِّيت بذلك لأنها تَصُحُّ الأسماعَ، أي تُبالِغُ في إسماعها حتى تكاد تُصِمُّها). وفي الصحاح: ({الصَّاخَّةُ} الصَّيْحَةُ تُصِمُّ لِشدَّتها تقول: صَخَّ الصوتُ الأذنَ من باب ردَّ). قال الرازي: (ومنه سميت القيامة {الصَّاخَّةُ}). واختار القرطبي أنها النفخة الثانية، فهي التي تَصُحُّ الأسماع، أي تُصِمُّها فلا تسمع إلا ما يُدْعَى به للأحياء. وذكر نحوه ابن جرير.
وفي سنن أبي داود بسند صحيح من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [ما من دابة إلا وهي مُصِيخَةٌ يومَ الجمعة من حينِ تُصبحُ حتى تطلعَ الشمس شفقًا من الساعة إلا الجن والإنس](1).
وقوله تعالى: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ} .
أي: تجيء الصاخة في اليوم الذي يهرب الإنسان من ألصق الناس به وأعزهم عليه لانشغاله بنفسه. قال قتادة: (الأحبّ فالأحبّ، والأقرب فالأقرب، من هول ذلك اليوم).
قال ابن جرير: (ويعني بقوله يفر من أخيه: يفر عن أخيه. {وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ} يعني زوجته التي كانت في الدنيا {وَبَنِيهِ} حذارًا من مطالبتهم إياه بما بينه وبينهم من التبعات والمظالم).
وقوله تعالى: {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} . أي: كل امرئٍ يومئذ هو في شغل شاغِله عن غيره، فهو يشغله حتى عن الأقرباء ويصرفه عنهم، ويفرّ عنهم حذرًا من مطالبتهم إياه بما بينهم، ولئلا يروا ما هو فيه من الشدة. وعن قتادة:({لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} أفضى إلى كل إنسان ما يشغله عن الناس).
أخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ["تحشرون حُفاةً
(1) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (1046) - تفريع أبواب الجمعة. باب فضل يوم الجمعة وليلة الجمعة. انظر صحيح أبي داود (924)، والإصاخة: الإنصات والاستماع. وأخرجه ابن حبان (2770)، ومالك (1/ 108 - 110)، والحاكم (1/ 278)، وأحمد (2/ 486) بأتم منه.
عُرَاة غُرْلًا". فقالت امرأة: أيبصر أو يرى بعضنا عورة بعض؟ قال: يا فلانة {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} ] (1).
وأخرج النسائي بإسناد صحيح عن عروة: [عن عائشة: أنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "يُبْعث الناسُ يوم القيامة حُفاةً عُراةً غُرلًا". فقالت عائشة: يا رسول اللَّه! فكيف بالعورات؟ فقال: {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}](2).
وقوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ} . أي: مشرقة مستنيرة مضيئة، وهي وجوه المؤمنين الذين نالوا رضوان اللَّه. وفي لغة العرب: أسفر وجه فلان: إذا حسن وأشرق، وأسفر الصبح: إذا أضاء. وعن ابن عباس: (قوله {مُسْفِرَةٌ} يقول: مشرقة).
وقوله تعالى: {ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ} . قال ابن زيد: (هؤلاء أهل الجنة). أي: وجوه أهل السعادة يومئذ {ضَاحِكَةٌ} : أي مسرورة فرحة. {مُسْتَبْشِرَةٌ} أي: قد ظهر البِشر عليها بما آتاها اللَّه من الكرامة.
وقوله تعالى: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ} . أي غبار ودخان وكدورة.
وقوله تعالى: {تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ} . أي: يغشاها سواد وكسوف وشدّة. قال ابن عباس: ({تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ} يقول: تغشاها ذلة). وقال: (يغشاها سواد الوجوه). والقَتَر في كلام العرب: الغبار. قال زيد بن أسلم: (القَتَرة: ما ارتفعت إلى السماء. والغَبَرَة: ما انحطت إلى الأرض، والغبار والغَبَرة: واحد).
وقوله تعالى: {أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ} . أي هؤلاء الموصوفون بهذا الخزي هم الكفرة قلوبهم، الفجرةُ في أعمالهم، فجوزوا بخبث نياتهم وبسوء أعمالهم.
تم تفسير سورة عبس بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه عصر يوم الثلاثاء 13/ ذي القعدة/ 1426 هـ الموافق 13/ كانون الأول/ 2005 م
(1) حسن صحيح. أخرجه الترمذي (3332) - كتاب التفسير. انظر صحيح سنن الترمذي (2652).
(2)
حديث صحيح. أخرجه النسائي في "التفسير"(668)، وفي "السنن"(2083)، وأخرجه الحاكم في "مستدركه"(4/ 564)، وإسناده صحيح.