الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المناسبة:
لما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ في هذه السورة تكاليف شاقة شديدة صعبة يعسر تحملها إلا من خصة الله بالتوفيق، ختمها بما يوجب سهولة تحملهم تلك التكاليف، وهو أن هذا الرسول صلى الله عليه وسلم منكم، فكل ما يحققه من عز وشرف فهو عائد إليكم، وهو بحال يشق عليه ضرركم، وتعظم رغبته في إيصال خير الدنيا والآخرة إليكم، فهو كالطبيب الحاذق إذا أقدم على علاجات صعبة، فإنما يريد الخير، فاقبلوا منه هذه التكاليف الشاقة لتفوزوا بكل خير.
وكذلك لما بدأ السورة ببراءة الله ورسوله من المشركين، وقص فيها أحوال المنافقين شيئا فشيئا، خاطب العرب على سبيل تعداد النعم عليهم والمن عليهم بكونه جاءهم رسول من جنسهم أو من نسبهم عربي قرشي يبلغهم عن الله، متصف بالأوصاف الجميلة من كونه يعز عليه مشقتهم بالوقوع في العذاب الأخروي، ويحرص على هداهم ويرأف بهم ويرحمهم
(1)
.
روى الحاكم في المستدرك عن أبي بن كعب قال: آخر آية نزلت: {لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ..} . إلى آخر السورة. وروى الشيخان عن البراء بن عازب قال:
آخر آية نزلت: {يَسْتَفْتُونَكَ، قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ} وآخر سورة نزلت: {بَراءَةٌ} . وعن ابن عباس: آخر آية نزلت: {وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ} وكان بين نزولها وموته صلى الله عليه وسلم ثمانون يوما. وهذا قول سعيد بن جبير أيضا.
التفسير والبيان:
امتن الله تعالى على المؤمنين بما أرسل إليهم رسولا من أنفسهم، أي من
(1)
البحر المحيط: 117/ 5
جنسهم وعلى لغتهم. لقد جاءكم أيها العرب رسول من جنسكم وبلغتكم، كما قال تعالى:{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ} [الجمعة 2/ 62] وقال أيضا:
{لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [آل عمران 164/ 3] وصف الله هذا الرسول بخمس صفات:
الأولى-قوله: {مِنْ أَنْفُسِكُمْ} أي من العرب، والمقصود منه ترغيب العرب في نصرته. قال ابن عباس: إنه ليس من العرب قبيلة إلا وقد ولدت النبي صلى الله عليه وسلم مضريّها وربيعيها ويمانيها، أي أن نسبه تشعب في جميع قبائل العرب.
الثانية- {عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ} أي شديد عليه عنتكم أي مشقتكم ولقاؤكم المكروه في الدنيا والآخرة، إذ هو منكم، يتألم لألمكم ويفرح لفرحكم.
الثالثة- {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} أي حريص على هدايتكم وإيصال الخيرات إليكم في الدنيا والآخرة.
الرابعة والخامسة- {بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ} أي شديد الرأفة والرحمة بالمؤمنين. قال ابن عباس رضي الله عنهما: سماه الله تعالى باسمين من أسمائه.
فإن تولوا أي أعرض المشركون والمنافقون عنك وعن الإيمان برسالتك والاهتداء بشرعك، فقل: حسبي الله، أي الله كافي في النصر على الأعداء.
لا إله إلا هو، أي لا معبود سواه أدعوه وأخضع له، عليه توكلت أي فوضت أمري إليه وحده، فلا أتوكل إلا عليه.
وهو رب العرش العظيم، والعرش: سقف المخلوقات كلها في السموات والأرض وما بينهما، وخص العرش؛ لأنه أعظم المخلوقات، فيدخل فيه ما دونه