الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بإطلاقهم، فأنزل الله:{وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} الآية. فلما نزلت أطلقهم وعذرهم، وبقي الثلاثة الذين لم يوثقوا أنفسهم لم يذكروا بشيء، وهم الذين قال الله فيهم:{وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ} الآية، فجعل أناس يقولون: هلكوا إذ لم ينزل عذرهم، وآخرون يقولون:{عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} ، حتى نزلت:{وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} .
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى فضائل قوم من الأعراب ينفقون تقربا إلى الله تعالى ومن أجل دعاء الرسول، أبان فضائل قوم أعلى منهم منزلة وأعظم، وهي منازل السابقين الأولين، ثم أتبعهم ببيان حال طائفة من منافقي المدينة وما حولها، وإن كانوا غير معلومين بأعيانهم، وحال طائفة أخرى خلطوا صالح العمل بسيئه وهؤلاء يرجى قبول توبتهم، ثم عاد بعدئذ لبيان حال طائفة أخرى يرجى أمر قبول توبتهم إلى الله:{وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ} [الآية: 106].
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عن رضاه على أرفع منزلة في المسلمين وتفضيلهم على من عداهم، وهم السابقون الأولون، وهم ثلاث طبقات:
الأولى: السابقون الأولون من المهاجرين الذين هاجروا قبل صلح الحديبية، فتقدموا على غيرهم في الهجرة والنصرة. وأفضل هؤلاء الخلفاء الراشدون الأربعة، ثم العشرة المبشرون بالجنة، وأول السابقين من المهاجرين:
أبو بكر الصديق رضي الله عنه؛ لأن المعول عليه في السبق: الإيمان والهجرة والجهاد والبذل والنصرة.
والثانية: السابقون الأولون من الأنصار: وهم أصحاب بيعة العقبة الأولى
في منى سنة إحدى عشرة من البعثة، وكانوا سبعة، ثم أصحاب بيعة العقبة الثانية، وكانوا سبعين رجلا وامرأتين.
والثالثة: التابعون للأولين بإحسان: أي بالإيمان والطاعة إلى يوم القيامة.
وهؤلاء جميعا رضي الله عنهم بقبول طاعتهم وارتضاء أعمالهم، ورضوا عنه بما أسبغ عليهم من نعمه الدينية والدنيوية، فانقذهم من الشرك والضلال، ووفقهم إلى الخير، وهداهم إلى الحق، وأعزهم وأغناهم، وأعز بهم الإسلام، وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها أبدا، وذلك هو الفوز العظيم الذي لا فوز غيره، وهو فوز شامل، كما أن نعيم الجنة شامل للبدن والروح معا.
ويلاحظ أن الاتباع المطلوب هو الاتباع بإحسان، أي إحسان الأعمال والنيات والظواهر والبواطن، أما الاكتفاء بظاهر الإسلام فلا يحقق شرط الإحسان. وحينئذ ينطبق عليهم قوله تعالى:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ} [آل عمران 110/ 3] وقوله عز وجل: {وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} [البقرة 143/ 2].
ثم أخبر الله تعالى عن فئة المنافقين حول المدينة وفيها، فقال:{وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ..} . أي إن في المدينة وما حولها مردة المنافقين الذين مرنوا على النفاق وأتقنوه، وثبتوا واستمروا فيه ولم يتوبوا، وهم مزينة وجهينة وأشجع وأسلم وغفار، الذين كانت منازلهم حول المدينة، وكان جماعة منهم آخرون في المدينة من الأوس والخزرج، لا تعلمهم أو لا تعرفهم بأعيانهم أيها النبي، ولا تعلم عاقبة أمورهم، وإنما نحن نختص بعلمها وبمعرفتهم، كما قال تعالى فيهم:{أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أَضْغانَهُمْ. وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ، وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ، وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ} [محمد 29/ 47 - 30].
وقوله {وَمِمَّنْ} يشير إلى بعضهم، أما الآخرون فهم مؤمنون بدليل
ما رواه الشيخان عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قريش والأنصار وجهينة ومزينة وأشجع وغفار موالي لله تعالى، لا موالي لهم غيره» وقال صلى الله عليه وسلم أيضا داعيا لبعضهم: «أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها، أما إني لم أقلها، لكن قالها الله تعالى» .
هؤلاء المنافقون سنعذبهم في الدنيا مرتين: بالفضيحة والمصائب في أموالهم وأولادهم أولا، ثم بآلام الموت وعذاب القبر ثانيا، أو بأخذ الأموال وإنهاك الأبدان. قال ابن عباس: بالأمراض في الدنيا وعذاب الآخرة، فمرض المؤمن كفارة، ومرض الكافر عقوبة.
ثم يكون لهم عذاب جهنم، وهو أشد العذاب.
والغرض من الآية بيان مضاعفة العذاب عليهم.
وهناك فريق آخر حول المدينة وفيها وهم: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} أي إنهم جماعة أقروا بمعاصيهم واعترفوا بها لربهم، ولهم أعمال آخر صالحة، خلطوا هذه بتلك، فهؤلاء تحت عفو الله وغفرانه، إن الله غفور لمن تاب، رحيم بمن أحسن وأناب:{إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف 56/ 7].
وهذه الآية، وإن كانت نزلت في أناس معينين إلا أنها عامة في كل المذنبين الخطائين المخلطين المتلوثين. قال مجاهد: إنها نزلت في أبي لبابة لما قال لبني قريظة: إنه الذبح، وأشار بيده إلى حلقه. وقال ابن عباس وآخرون: نزلت في أبي لبابة وجماعة من أصحابه تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فقال بعضهم: أبو لبابة وخمسة معه، وقيل: وسبعة معه، وقيل: وتسعة معه
…
إلخ ما ذكر في سبب النزول.