الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
السيد، والدار: دار الإسلام، والمائدة: الجنة، والداعي محمد صلى الله عليه وسلم»
(1)
.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا وبجنبيها ملكان يناديان بحيث يسمع كل الخلائق، إلا الثقلين، أيها الناس، هلموا إلى ربكم، والله يدعو إلى دار السلام»
(2)
.
التفسير والبيان:
بعد أن ذكر الله تعالى الدنيا وسرعة زوالها، رغب في الجنة ودعا إليها، فقال:{وَاللهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ} أي والله يدعو إلى الإيمان والعمل الصالح المؤديين إلى الجنة، وسماها دار السلام لسلامتها عن الآفات والشوائب والنقائص والأكدار ودعاؤه إلى دار السلام وأمره بالإيمان عام لكل الناس. ويهدي من يشاء أي يوفقهم إلى الطريق المستقيم الموصل إلى الجنة، وهو دين الإسلام: عقائده وأخلاقه وأحكامه؛ لأنه الطريق الذي لا عوج فيه ولا التواء. والهداية خاصة بالمشيئة، على عكس الأمر بالإيمان.
ومن المعلوم أن الهداية نوعان: هداية دلالة وإرشاد، وهي عامة لجميع الناس، وهي الدعوة إلى الإيمان والإسلام، وهداية توفيق وهي خاصة بمن يشاء الله من عباده إلى طريق الاستقامة، ومعناها التوفيق والعون.
والسبب في تلك الدعوة إلى الإسلام مصلحة المدعوين؛ لأن للذين أحسنوا العمل في الدنيا بالإيمان والعمل الصالح المثوبة الحسنى في الدار الآخرة، كقوله تعالى:{هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ} [الرحمن 60/ 55] ولهم أيضا زيادة:
(1)
حديث مرسل عن أبي قلابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء متصلا رواه ابن جرير عن جابر بن عبد الله.
(2)
رواه ابن أبي حاتم وابن جرير.
وهي تضعيف ثواب الأعمال الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وزيادة على ذلك أيضا، والزيادة التي هي أعظم من جميع ما أعطوه هي النظر إلى وجه الله الكريم، بدليل
ما روى أحمد ومسلم وجماعة من الأئمة عن صهيب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ} وقال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى مناد، يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدا، يريد أن ينجزكموه، فيقولون: وما هو؟ ألم يثقل موازيننا؟ ألم يبّيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار؟ قال: فيكشف لهم الحجاب، فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إليه، ولا أقر لأعينهم» .
وروى ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي موسى الأشعري يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبعث يوم القيامة مناديا ينادي، يا أهل الجنة-بصوت يسمع أولهم وآخرهم-إن الله وعدكم الحسنى وزيادة، فالحسنى: الجنة، والزيادة:
النظر إلى وجه الرحمن عز وجل».
ونظير الآية قوله تعالى: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا، وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} [النجم 31/ 53].
{وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ} أي ولا يغشى وجوههم شيء مما يغشى وجوه الكفرة من الغبرة التي فيها سواد، والهوان والصغار، أي لا يحصل لهم إهانة في الباطن ولا في الظاهر، بل هم كما قال تعالى في حقهم:{فَوَقاهُمُ اللهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ، وَلَقّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً} [الدهر 11/ 76] أي نضرة في وجوههم وسرورا في قلوبهم. والصفة الأولى (القتر) هي المذكورة في قوله تعالى: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ، تَرْهَقُها قَتَرَةٌ} [عبس 40/ 80 - 41] والصفة الثانية (الذلة) هي قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ، عامِلَةٌ ناصِبَةٌ} [الغاشية 2/ 88 - 3].
أولئك المتصفون بهذه الصفات هم أهل الجنة لا غيرهم، وهم المقيمون الماكثون فيها أبدا، لا زوال فيها، ولا انقراض لنعيمها.
ولما أخبر تعالى عن حال السعداء، عطف بذكر حال الأشقياء، كما هو الشأن الغالب في الموازنة والمقارنة في الأسلوب القرآني، وشأنه تعالى مع الفريق الأول الفضل والإحسان، ومع الفريق الثاني المعاملة بالعدل.
فللذين اقترفوا السيئات والمعاصي في الدنيا ومنها الكفر والشرك والظلم الجزاء العادل وهو المجازاة على السيئة بمثلها، لا زيادة عليها كقوله تعالى:{مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها، وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاّ مِثْلَها} [الأنعام 160/ 6]، وتغشاهم أي تعتريهم وتعلوهم ذلّة من فضيحة معاصيهم وخوفهم منها، كما قال تعالى:{وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ} [الشورى 45/ 42] وقال: {وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلاً عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ، إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ، مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ} [إبراهيم 42/ 14 - 43].
ثم قال: {ما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ} أي ليس لهم مانع ولا واق يقيهم العذاب، أي لا يعصمهم أحد من سخط الله وعذابه، كما قال تعالى:{يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً، وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ} [الانفطار 19/ 82] وقال تعالى:
{يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ: أَيْنَ الْمَفَرُّ؟ كَلاّ لا وَزَرَ، إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ} [القيامة 10/ 75 - 12].
{كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ.} . أي ألبست وجوههم أجزاء أو أغشية من سواد الليل المظلم؛ لفرط سوادها وظلمتها، كقوله تعالى:{يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ؟ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ، فَفِي رَحْمَتِ اللهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ} [آل عمران 106/ 3 - 107] وقوله سبحانه: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ، ضاحِكَةٌ