الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{وَما ظَنُّ الَّذِينَ.} . أي، أيّ شيء ظنهم به. {يَوْمَ الْقِيامَةِ} أيحسبون أنه لا يعاقبهم عليه؟ وفي إبهام الوعيد تهديد عظيم. {إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ} حيث أنعم عليهم بالعقل، وهداهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وأنعم عليهم بنعم كثيرة، وأمهلهم في العقاب. {وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ} هذه النعمة.
المناسبة:
بعد أن أثبت الله تعالى في أوائل السورة الوحي والنبوة، ذكر طريقا آخر في إثبات النبوة: وهو أن التشريع بالتحليل والتحريم هو حق الله تعالى، وأن الأصل في الأرزاق والأشياء الإباحة، فتحريم بعض الأشياء وتحليل بعض، مع تساويها في الصفات والمنافع، دليل على اعترافكم بصحة النبوة والرسالة؛ لأنه لم يقم لكم دليل عقلي ولا نقلي على هذا التمييز، فهو منهج فاسد باطل، وأن ما عليه الأنبياء هو الحق والصواب.
التفسير والبيان:
ينكر الله تعالى على المشركين فيما كانوا يحلون ويحرمون من البحائر والسوائب والوصايا، كقوله تعالى:{وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً، فَقالُوا: هذا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ، وَهذا لِشُرَكائِنا} [الأنعام 136/ 6] وقوله:
{وَقالُوا: هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلاّ مَنْ نَشاءُ، بِزَعْمِهِمْ} [الأنعام 138/ 6] وقوله: {وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا، وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا} [الأنعام 139/ 6] وقوله: {ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ، وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ، قُلْ: آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ، أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ} [الأنعام 144/ 6].
ورد الله تعالى عليهم كل ما شرعوه من تحليل وتحريم بقوله: {ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ} [المائدة 103/ 5].
ومعنى الآية: قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين كفار مكة: أخبروني عما أنزل الله من رزق حلال لكم للانتفاع به، فجز أتموه أو بعضتموه، وقلتم: هذا حلال وهذا حرام بزعمكم، أخبروني: آلله أذن لكم في التحليل والتحريم، فأنتم تفعلون ذلك بإذنه، أم تكذبون على الله، في نسبة ذلك إليه.
والآية توبيخ على التبعيض، وزجر بليغ على التهاون في الفتوى، وباعثة على وجوب الاحتياط فيما يسأل عنه العالم من الأحكام، وألا يقول أحد في شيء:
جائز أو غير جائز، إلا بعد إيقان وإتقان، ومن لم يوقن فليتق الله وليصمت.
وإلا فهو مفتر على الله
(1)
، كما قال تعالى:{وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ: هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ، لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ} [النحل 116/ 16].
{وَما ظَنُّ الَّذِينَ..} . المعنى: أي شيء ظن المفترين في ذلك اليوم ما يصنع بهم فيه؟ وهو يوم الجزاء، والإحسان والإساءة، أيظنون أنهم يتركون بغير عقاب على جريمة افتراء الكذب على الله أو أيحسبون أن الله لا يؤاخذهم به؟ وهو وعيد عظيم حيث أبهم أمره، أم أن لهم شفعاء يشفعون لهم؟ كما قال تعالى:
{أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ} [الشورى 21/ 42].
{إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ} حيث أنعم عليهم بالعقل، ورحمهم بالوحي، وتعليم الحلال والحرام، وتشريع الدين، وفضّل عليهم بالرزق وجعل الأصل فيما رزقهم من المنافع الإباحة، ولكنه جعل حق التحليل والتحريم إليه وحده، كيلا يعبث به، كما عبث به الأخبار والرهبان، ولم يحرّم عليهم إلا ما فيه ضرر بهم في دنياهم أو دينهم.
{وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ} هذه النعمة وذلك الفضل كما قال تعالى:
{وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ 13/ 34] ولا يتبعون ما هدوا إليه، بل
(1)
الكشاف: 78/ 2