الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأما مضمون الجواب عن تعجبهم: فهو أني ما جئتكم إلا بالتوحيد والإقرار بالمعاد، وقد أقمت الأدلة على صحتها، فلا معنى للتعجب من نبوتي.
التفسير والبيان:
العجلة من طبائع الإنسان، فهو دائما يتعجل الخير؛ لأنه يحبه، ويتعجل الشّر حين الغضب والحماقة والضجر، فلو يعجل أو يسرع الله للناس إجابة دعائهم في حال الشر، كاستعجالهم تحقيق الخير، لأميتوا وأهلكوا، وذلك مثل استعجال مشركي مكة إنزال العذاب عليهم، كما قال تعالى:{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ، وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ} [الرعد 6/ 13] وقال سبحانه: {وَإِذْ قالُوا: اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ، فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ، أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال 32/ 8].
وسمى الله تعالى العذاب شرّا في هذه الآية؛ لأنه أذى في حق المعاقب، ومكروه عنده، كما أنه سماه سيئة في قوله:{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ.} . وفي قوله: {وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها} [الشورى 40/ 42].
ولكنه تعالى بحلمه ولطفه بعباده لا يستجيب لهم ويذرهم إمهالا لهم واستدراجا، فإنه لو أجابهم لانتهى أمرهم وهلكوا، كما هلك الذين كذبوا الرسل، وربما آمن به بعضهم، أما من عاند فيعاقبه الله بالقتل، كما قال تعالى:{قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ} [التوبة 14/ 9].
وأما عذاب سائر الكفار فنتركه إلى يوم القيامة، كما قال تعالى:{فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ} أي فنترك غير المتوقعين لقاءنا فيما هم فيه من طغيان الكفر والتكذيب، يترددون فيه متحيرين، ولا نعجل لهم في الدنيا عذاب الاستئصال تكريما للنبي صلى الله عليه وسلم، ونمهلهم ونفيض عليهم النعمة مع طغيانهم، إلزاما للحجة عليهم.
وكذلك اقتضت رحمته تعالى بعباده أنه لا يستجيب لهم إذا دعوا على أنفسهم أو أموالهم أو أولادهم بالشر، في حال الضجر والغضب؛ لأنه يعلم منهم عدم القصد إلى إرادة ذلك.
روى أبو داود والحافظ أبو بكر البزار في مسنده عن جابر قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تدعوا على أنفسكم، لا تدعوا على أولادكم، لا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة فيها إجابة، فيستجيب لكم»
وقال عليه الصلاة والسلام أيضا: «إني سألت الله عز وجل ألا يستجيب دعاء حبيب على حبيبه» .
ومن عجلة الإنسان أيضا وضجره وقلقه أنه إذا أصابه الضرّ أي الشدة والألم من مرض أو فقر أو خطر: يدعو ربه بإلحاح في كشف ضره وإزالته، حالة كونه مضطجعا لجنبه، أو قاعدا أو قائما وفي جميع أحواله؛ لأن فائدة الترديد في القعود وغيره تعميم الدعاء لجميع الأحوال، فإذا فرّج الله شدته وكشف كربته، أعرض ونأى بجانبه، وذهب كأنه ما كان به من ذلك شيء، ومضى في طريقه من الغفلة عن ربه والكفر به، كأنه لم يدع إلى شيء ولم يكشف الله عنه ضره.
فقوله: {إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ} أي إلى كشف ضر.
وذلك كقوله تعالى: {وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ} [فصلت 51/ 41]، ثم قال تعالى:{كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ} أي مثل ذلك العمل القبيح المنكر أو التزيين وهو الذي حدث من اللجوء إلى الله تعالى وقت الشدة وتركه في الرخاء، زيّن للمشركين طغاة مكة وغيرهم ما كانوا يعملون من أعمال الشرك والإعراض عن القرآن والعبادات، واتباع الشهوات.
والمراد بالإنسان في قوله: {وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ} هو الكافر؛ لأن العمل المذكور لا يليق بالمسلم البتة.