الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بهم، إن الله غفور رحيم واسع المغفرة والرحمة للمخلصين في أعمالهم، فهو يستر لهم ما فرط منهم من ذنب أو تقصير، ويرحمهم بهدايتهم إلى صالح الأعمال المؤدية إلى حسن الختام والمصير، وإحاطة الرحمة في هذه الآية أبلغ في إثباتها لهم في مثل قوله تعالى:{يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ} [التوبة 21/ 9].
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على أن في الأعراب كفارا ومنافقين ومؤمنين. أما الكفار والمنافقون فهم أشد كفرا ونفاقا من غيرهم، بسبب قسوة البيئة التي يعيشون فيها، وضعف مستوى الثقافة والمعرفة والعلم في أوساطهم، مما يجعلهم قساة الطباع والأكباد والقلوب، ويرتعون في مفاسد الجهل والأهواء ونقص السياسة والتأديب.
وهم أيضا لذلك أولى بألا يعلموا حدود الشرائع ومقادير التكاليف والأحكام وما أنزله الله على رسوله بالوحي الثابت.
وترتب على ذلك أحكام ثلاثة
(1)
:
أولها-لا حق لهم في الفيء والغنيمة، كما
قال النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم من حديث بريدة: «ثم أدعهم إلى التحوّل من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم بأنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا عنها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين» .
(1)
تفسير القرطبي: 232/ 8
وثانيها-إسقاط شهادة أهل البادية عن الحاضرة؛ لما في ذلك من تحقق التهمة. وأجازها أبو حنيفة قال: لأنها لا تراعى كل تهمة، والمسلمون كلهم عنده على العدالة. وأجازها الشافعي إذا كان عدلا مرضيا، قال القرطبي: وهو الصحيح.
وثالثها-أن إمامتهم بأهل الحاضرة ممنوعة؛ لجهلهم بالسنة، وتركهم الجمعة. وقال الشافعي والحنيفة: الصلاة خلف الأعرابي جائزة.
ومن الأعراب جماعة منافقون يعدون النفقة خسارة، وينتظرون أن تحيط الدواهي والمصائب والحوادث بالمسلمين ليتخلصوا من الإنفاق. فقوله:
{وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ} يعني الموت والقتل، وانتظار موت الرسول صلى الله عليه وسلم، وانتصار المشركين. ولكن الأمر سيكون بالعكس مما يتوقعون، فعليهم وحدهم دائرة العذاب والبلاء.
وبعض آخرون من الأعراب مؤمنون، وصفهم الله بوصفين:
الأول: كونهم مؤمنين بالله واليوم الآخر، وهذا دليل على أنه لا بد في جميع الطاعات حتى الجهاد من تقدم الإيمان.
والثاني: كونهم ينفقون أموالهم تقربا إلى الله تعالى، وبقصد التوصل إلى صلوات الرسول صلى الله عليه وسلم أي استغفاره ودعائه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة، ويستغفر لهم،
كقوله: «اللهم صلّ على آل أبي أوفى» وقال تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} كما تقدم.
وقد شهد الله تعالى بقوله: {أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ} للمتصدق بصحة ما اعتقد من كون نفقته قربات وصلوات، أي إن نفقاتهم تقربهم من رحمة الله، وذلك حاصل لهم، وهو وعد من الله، والله لا يخلف الميعاد.