الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويعونه، ويسمعه المنافقون فلا يعونه، فإذا خرجوا سألوا المؤمنين: ماذا قال آنفا؟ فنزلت: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} الآية.
وروى مقاتل: أن النّبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب ويعيب المنافقين، فإذا خرجوا من المسجد سألوا عبد الله بن مسعود، استهزاء: ماذا قال محمد آنفا؟ قال ابن عباس: وقد سئلت فيمن سئل.
المناسبة:
بعد بيان حال المؤمنين والكافرين في الدنيا والآخرة، ذكر الله تعالى حال المنافقين، وأنهم من الكفار، وأنهم جهلة لا يفهمون كلام النّبي صلى الله عليه وسلم عند الاستماع إليه، وإنما يستمعون ولا ينتفعون، لتهاونهم واستهزائهم، على عكس حال المؤمن المهتدي، فإنه يستمع ويفهم، ويعمل بما يعلم. ثم هدد تعالى أولئك المنافقين وأمرهم بأن يتّعظوا ويعتبروا ويتذكروا قبل مجيء الساعة. ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالثبات على ما هو عليه من صحة الاعتقاد والاستغفار لنفسه وللمؤمنين والمؤمنات.
التفسير والبيان:
{وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ، حَتّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ، قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ: ماذا قالَ آنِفاً؟} أي ومن هؤلاء الكفار الخالدين في النار: منافقون يستمعون كلام النّبي صلى الله عليه وسلم وتلاوته في خطبه ومجالسه، فلا يفهمون منه شيئا لعدم وعيهم وإدراكهم وإيمانهم، فإذا خرجوا من عنده قالوا لعلماء الصحابة الواعين لما سمعوا، وسألوهم على طريقة الاستهزاء والاستخفاف والسخرية: ماذا قال النّبي في الساعة القريبة من هذه؟ والمعنى: أنّا لم نلتفت إلى قوله، ولم نكترث بما يتكلم به، ولم نفهم ما يقول، ولم ندر ما نفع ذلك.
فوصفهم الله تعالى وصفا يدلّ على حقيقتهم، فقال:
{أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ، وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ} أي أولئك المنافقون هم الذين ختم الله على قلوبهم بسبب نفاقهم، فلم يؤمنوا ولم يهتدوا إلى الحق، ولا اتجهت قلوبهم إلى شيء من الخير، واتبعوا شهواتهم وأهواء نفوسهم في الكفر والعناد، أي إنهم تركوا اتباع الحق إما بسبب عدم الفهم، أو بسبب عدم الاستماع للاستفادة، واتبعوا ضدّه، فليس لديهم فهم صحيح ولا قصد حسن ثم قابلهم الله تعالى بالمؤمنين المهتدين، فقال:
{وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً، وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ} أي والذين قصدوا الهداية إلى طريق الخير، وفقهم الله تعالى، وشرح صدورهم، فآمنوا بالله وعملوا بما أمرهم به، وثبّتهم على الهدى، وزادهم هدى بالتوفيق، وألهمهم رشدهم، وأعانهم على التقوى، بالتوفيق للعمل الذي يرضاه.
ثم هددهم الله تعالى بمجيء القيامة، فقال:
{فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً، فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها، فَأَنّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ} أي فهل ينتظر المنافقون والكافرون إلا مجيء القيامة التي تأتيهم فجأة وهم غافلون عنها، وقد حدثت أماراتها وعلاماتها، ومنها بعثة النّبي صلى الله عليه وسلم،
ورد في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار بالوسطى والسبابة» .
ومن أين لهم التذكر إذا جاءتهم الساعة (القيامة) حيث لا ينفعهم ذلك، كقوله تعالى:{يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ، وَأَنّى لَهُ الذِّكْرى؟} [الفجر 33/ 89] أي لا ينفعهم تذكرهم وإيمانهم حينئذ.
والمراد بالآية أن أدلة الإيمان بالله تعالى وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم وبالبعث كثيرة
ساطعة بالبرهان في القرآن والفطرة والنفس والعقل وعالم الشهادة والحس، فإذا لم يؤمنوا في وقت قريب قبل مجيء الموت والقيامة، فلا ينفعهم إيمان حينئذ بعد انتهاء العمر وزوال الدنيا التي هي دار العمل والتكليف.
ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالثبات على ما هو عليه والاستغفار، فقال:
{فَاعْلَمْ 1 أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ، وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ، وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ} أي إذا علمت أيها النّبي حال الفريقين: المؤمن والكافر، من السعادة والشقاوة ومجيء علامات القيامة وأشراطها فاثبت واستمر على ما أنت عليه من التوحيد ومراقبة النفس، واعلم أنه لا إله غير الله ولا ربّ سواه، وأن البعث حقّ آت لا ريب فيه، واستغفر مما قد يصدر منك مما هو خلاف الأولى، واستغفر أيضا لذنوب أتباعك وأمتك، بالدعاء للمؤمنين والمؤمنات بالمغفرة عما فرط من ذنوبهم. والله يعلم أعمالكم وتصرفكم في أشغالكم نهارا، ومستقركم ليلا، وقيل: أو مأواكم في الدار الآخرة، قال ابن كثير: والأول أولى وأظهر، وفي هذا ترغيب بالعمل وترهيب من المخالفة.
وذلك كقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ} [الأنعام 60/ 6]، وقوله سبحانه:{وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها، وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها، كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ} [هود 6/ 11].
وكان من دعاء النّبي صلى الله عليه وسلم عملا بالأمر الإلهي بالاستغفار والدعاء:
ما ورد في صحيح البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي هزلي وجدّي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي» .
(1)
الفاء في هذه الآية وما تقدمها لعطف جملة على جملة بينهما اتصال.