الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفريقين وتكليفهم ووعدهم ووعيدهم.
ولا فرق في الثواب والعقاب والأوامر والنواهي واستحقاق الجنة والنار بين الإنس والجن، لأن التكليف واحد، ولأن عموم آيات خطاب الفريقين يشمل كلا منهما، فلا يصح ما ذهب إليه بعض العلماء من أن الجن المؤمنين لا يدخلون الجنة، وإنما يجأرون فقط من عذاب النار يوم القيامة. ومما يدل على ذلك أيضا عموم قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً} [الكهف 107/ 18].
ثم حذروا قومهم من المخالفة، فقالوا:
{وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ، فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ، وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ، أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} أي ومن لا يجب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى التوحيد وطاعة الله، فلا يفوت الله ولا يسبقه، ولا يفلت منه، ولا يقدر على الهرب منه، لأنه في أرض الله، وليس له من غير الله أنصار ينصرونه ويمنعونه من عذاب الله، أولئك الذين لا يجيبون داعي الله في خطأ ظاهر واضح.
وهذا تهديد ووعيد، وبذلك جمعوا على وفق نهج القرآن بين الترغيب والترهيب، ولهذا جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفودا وفودا.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
1 -
إن المقصود من الآيات توبيخ مشركي قريش على عدم إيمانهم، فإن الجن سمعوا القرآن، فآمنوا به، وعلموا أنه من عند الله، فما بالكم أيها المشركون وأمثالكم تعرضون وتصرون على الكفر؟! 2 - وهناك قصد آخر وهو تسلية النبي صلى الله عليه وسلم عما يلقاه من صدود قومه عن
دعوته، حتى إنه ذهب إلى الطائف لدعوة ثقيف وأهلها إلى الإسلام، فسلطوا عليه غلمانهم وسفهاءهم، فرموه بالحجارة وأدموه، فاتجه داعيا إلى الله في خشوع وتضرع واستنصار قائلا-كما روى محمد بن إسحاق في سيرته-: «اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت أرحم الراحمين، ورب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى عدو بعيد يتجهّمني
(1)
، أم إلى صديق قريب ملّكته أمري، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي.
أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي غضبك، أو يحل بي سخطك، ولك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك».
3 -
وفي عودته صلى الله عليه وسلم من الطائف حينما كان يصلي الفجر أو قيام الليل في موضع يسمى «نخلة» من ضواحي مكة، جاءه وفد من الجن سبعة أو تسعة من جن نصيبين أو من نينوى بالموصل، فاستمعوا إلى تلاوته القرآن، وهو لا يشعر بهم، فكانت هذه الآيات تطييبا لخاطره، وشد عزيمته وتقوية روحه.
4 -
كان أدب الجن عظيما حين سماعهم القرآن، فينبغي التأسي بهم، فإنهم لما حضروا القرآن واستماعه أو حضروا النبي صلى الله عليه وسلم، قال بعضهم لبعض: اسكتوا لاستماع القرآن، فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من تلاوة القرآن، انصرفوا قاصدين من وراءهم من قومهم من الجنّ، منذرين لهم مخالفة القرآن، ومحذّرين إياهم بأس الله إن لم يؤمنوا.
5 -
دلت هذه القصة على أن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل مبعوث إلى الإنس والجن معا، وعلى أنهم آمنوا به، وأنه بعد علمه بهم، أرسلهم في الليلة الثانية إلى قومهم،
(1)
أي يلقاني بالغلظة والشدة والوجه الكريه.
بدليل قولهم: {يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ} ولولا ذلك لما أنذروا قومهم، فتكون ليلة الجن ليلتين.
6 -
لقد وصفوا القرآن بوصفين:
الأول-كونه مصدقا لما بين يديه، أي مصدقا لكتب الأنبياء المشتملة على الدعوة إلى التوحيد والنبوة والمعاد والأمر بمحاسن الأخلاق.
الثاني-قوله: {يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ} أي إلى دين الحق، ودين الله القويم.
وهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان مبعوثا إلى الجنّ والإنس، قال مقاتل: ولم يبعث الله نبيا إلى الجن والإنس قبل محمد صلى الله عليه وسلم.
ويؤكد عموم دعوته ما
في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وأحلّت لي الغنائم، ولم تحلّ لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض طيبة طهورا ومسجدا، فأيّما رجل أدركته الصلاة صلّى حيث كان، ونصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة» . قال مجاهد: الأحمر والأسود: الجن والإنس.
وفي رواية أخرى عن أبي هريرة: «وبعثت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون» .
7 -
أمر الجن قومهم بإجابة النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما أمر به، ومنه الأمر بالإيمان، فإن آمنتم بالداعي، وهو محمد صلى الله عليه وسلم يغفر لكم بعض ذنوبكم، وينقذكم من عذاب مؤلم موجع. قال ابن عباس: فاستجاب لهم من قومهم سبعون رجلا، فرجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فوافقوه بالبطحاء، فقرأ عليهم القرآن، وأمرهم ونهاهم.
ويلاحظ أنهم حين عمموا الأمر بإجابة الداعي خصصوه بقولهم: {وَآمِنُوا بِهِ} لأن الإيمان أشرف أقسام التكاليف. وخصصوا المغفرة ببعض الذنوب، لأن من الذنوب ما لا يغفر بالإيمان كالمظالم.
8 -
دلت هذه الآي على أن الجن كالإنس في الأمر والنهي والثواب والعقاب. وقال الحسن البصري: ليس لمؤمني الجن ثواب غير نجاتهم من النار، وكذا قال أبو حنيفة، ليس ثواب الجن إلا أن يجاروا من النار، ثم يقال لهم:
كونوا ترابا مثل البهائم. وقد أجبت عن هذا في تفسير الآيات، لذا ذهب مالك والشافعي وابن أبي ليلى والضحاك إلى أن الجن كما يعاقبون في الإساءة، يجازون في الإحسان مثل الإنس. قال القشيري: والصحيح أن هذا مما لم يقطع فيه بشيء، والعلم عند الله. وقال القرطبي: قوله تعالى: {وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا} [الأنعام 132/ 6] يدل على أنهم يثابون ويدخلون الجنة، لأنه قال في أول الآية:{يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي} [الأنعام 130/ 6] إلى أن قال: {وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا}
(1)
. وقال النيسابوري: «والصحيح أنهم في حكم بني آدم، يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون»
(2)
.
9 -
إن من لا يجيب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بمعجز لله في الأرض فلا يفوته ولا يسبقه ولا يهرب منه، وليس له من دون الله أنصار يمنعونه من عذاب الله، وهو من الضالين المخطئين في ضلال واضح.
(1)
تفسير القرطبي: 217/ 16 وما بعدها.
(2)
غرائب القرآن: 17/ 26