الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بالنور والضياء في الدنيا والآخرة، وبيان صفاتهم في كل من التوراة والإنجيل، والانتقال من الضعف إلى القوة والكثرة، وكونهم موعودين من الله بالمغفرة والجنة.
التفسير والبيان:
- {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ} أي إن محمدا رسول من عند الله حقا بلا شك ولا ريب.
- {وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ، رُحَماءُ بَيْنَهُمْ} أي إن صحابته يمتازون بالشدة والغلظة والصلابة على من جحد بالله وعاداهم، وبالرقة والرحمة على بعضهم بعضا، كقوله تعالى:{أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ} [المائدة 54/ 5]. وقوله: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفّارِ، وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} [التوبة 123/ 9].
وكما
جاء في الحديث الصحيح عند أحمد ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى»
وفي حديث الشيخين والترمذي والنسائي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضا» .
وقال الحسن البصري: بلغ من تشدّدهم على الكفار: أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم، فكيف بأبدانهم؟ وبلغ من تراحمهم فيما بينهم أنه كان لا يرى مؤمن مؤمنا إلا صافحه وعانقه. والمصافحة جائزة بالاتفاق. وأما المعانقة والتقبيل فقد كرههما أبو حنيفة رضي الله عنه، وإن كان التقبيل على اليد، ومن حق المؤمنين: أن يراعوا هذه السنة أبدا، فيتشدّدوا على مخالفيهم، ويرحموا أهل دينهم.
- {تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً، يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً} أي تشاهدهم يكثرون الصلاة بإخلاص، فتبصرهم غالبا راكعين ساجدين، يلتمسون ويطلبون الثواب والرضا، ويحتسبون عند الله تعالى جزيل الثواب وهو الجنة، ورضا الله تعالى عنهم، والرضا أكبر من الجنة:{وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ} [التوبة 72/ 9].
- {سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} أي علامتهم المميزة لهم وجود النور والبهاء والوقار في الوجه والسمت الحسن والخشوع. قال السّدّي: الصلاة تحسن وجوههم. وقال بعض السلف: من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار،
وقد أسنده ابن ماجه عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كثرت صلاته بالليل، حسن وجهه بالنهار» والصحيح أنه موقوف.
وقال بعضهم: إن للحسنة نورا في القلب، وضياء في الوجه، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الناس. وقال أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه: ما أسرّ أحد سريرة إلا أبداها الله تعالى على صفحات وجهه، وفلتات لسانه. والمراد أن أثر العبادة والصلاح والإخلاص مع الله تعالى يظهر على وجه المؤمن، لذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:«من أصلح سريرته، أصلح الله تعالى علانيته» .
وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لو أن أحدكم يعمل في صخرة صمّاء، ليس لها باب ولا كوّة، لخرج عمله للناس، كائنا ما كان» .
وروى أحمد أيضا وأبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الهدي الصالح، والسّمت الصالح، والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة» .
- {ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ، كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ، فَآزَرَهُ
فَاسْتَغْلَظَ، فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ، يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ} أي ذلك الوصف المذكور للصحابة هو وصفهم الذي وصفوا به في التوراة ووصفوا به في الإنجيل، وهم كانوا ضعافا قليلي العدد، فازدادوا وكثروا وتقووا، مثل الزرع الذي أخرج فروخه وفروعه على جوانبه، فاشتد وقوي وأعانه وشدّه، أي إن الزرع قوّى الشط ء، لأنه تغذى منه واحتمى به، وتحول من الدقة إلى الغلظ، واستقام على أعواده، يعجب هذا الزرع الزرّاع لقوّته وحسن منظره، كما هو معروف.
وهذا مثل ضربه الله تعالى للصحابة، كانوا في الابتداء قلّة، ثم زادوا وكثروا وتقووا، كالزرع تكون فراخه في الابتداء ضعيفة، ثم تتقوى تدريجيا حتى يغلظ ساقه.
وقد كثّر الله الصحابة وقواهم ليكونوا غيظا للكافرين.
وهكذا يكون إيمان المسلم إذا دخل في الإسلام ضعيفا، ثم يتقوى بصحبته وملازمته لأهل العلم والإيمان حتى يستوي ويكون مثلهم، وربما أقوى منهم.
- {وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} أي وعد الله تعالى الذين آمنوا بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وعملوا صالح الأعمال أن يغفر ذنوبهم، ويجزل أجرهم وثوابهم، ويدخلهم الجنة، ووعد الله حق وصدق وكائن لا محالة، ولن يخلف الله وعده.
وهذا يشمل الصحابة وكل من اقتفى أثرهم، وسار على منهجهم من أفواج الإيمان وجند الإسلام، وتلاحق الأجيال.
روى مسلم في صحيحة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبّوا أصحابي، فو الذي نفسي بيده، لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا، ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه» .