الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثم هدد المشركين بقوله:
{نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ، وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ} أي نحن نعلم علما محيطا بما يقول لك المشركون، من التكذيب فيما جئت به، ومن إنكار البعث والتوحيد، وما أنت عليهم بمسلّط يجبرهم، ويقسرهم على الإيمان، إنما أنت مبلّغ، كقوله تعالى:{فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ، وَعَلَيْنَا الْحِسابُ} [الرعد 40/ 13] وقوله سبحانه:
{فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} [الغاشية 21/ 88 - 22].
4 -
{فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ} أي فذكّر أيها الرسول بهذا القرآن العظيم، وبلّغ أنت رسالة ربك، فإنما يتذكر به من يخاف الله ويخشى عقابه ووعيده للعصاة بالعذاب، ويرجو وعده وفضله ورحمته، وأما من عداهم فلا تشتغل بهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآيات تعبر عن التحدي لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم وكيفية مواجهة التحدي والصمود أمامه، أو ما يعبر عنه اليوم الفعل ورد الفعل. ويفهم منها ما يأتي:
1 -
هدد الله المشركين من كفار قريش وأمثالهم وأنذرهم وحذرهم بعذاب الآخرة الأليم، وبعذاب الدنيا المدمر الذي أوقعه بمن قبلهم من الأمم والشعوب المكذبة رسلها، مع أنهم كانوا أقوى وأصلب وأغنى وأكثر مالا وأرقى مدنية وحضارة من أهل مكة.
فلم يجدوا مهربا ولا مفرا من الإهلاك والتدمير، وكذلك لا يجد أمثالهم ملجأ ولا محيدا من إيقاع العذاب المماثل بهم.
2 -
إن في هذا الإنذار والتهديد والتخويف والمذكور في هذه السورة تذكرة وموعظة لكل ذي قلب أي عقل يتدبر به، فكنى بالقلب عن العقل، لأنه
موضعه في رأي القرطبي وغيره من المتقدمين.
3 -
بالرغم من هذا التذكير العام بما سبق، أعاد الله تعالى دليل إمكان البعث مرة أخرى للرد على منكريه، وللرد على اليهود الذين زعموا أن الله تعالى بعد خلق السموات والأرض في ستة أيام استراح في اليوم السابع وهو يوم السبت، فأكذبهم الله تعالى في ذلك.
4 -
علّم الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم في مواجهة هذه التحديات لرسالته بأربعة أوامر: هي الصبر على ما يقولون، والاستعانة على ذلك بالتسبيح والصلاة، لتقوية الإرادة والعزيمة بالصبر، وتقوية الروح بالتسبيح والصلاة، ففي ذلك لقاء مع خالق الوجود، وتفويض له، واستلهام منه، واستعانة واستغاثة به وبقدرته الفائقة الباهرة.
والأمر الثالث: الاشتغال بتنزيه الله تعالى مدى الدهر، كقوله سبحانه:
{وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر 99/ 15] أي الموت، والاستماع لما يخبره الله به من أهوال القيامة، وتحذيره أن يكون مثل هؤلاء المعرضين.
والأمر الرابع: التذكير بالقرآن، ومتابعة تبليغ الرسالة ودعوة الله، لمن يخاف عقاب الله ويخشى وعيده. كان قتادة يقول: اللهم اجعلنا ممن يخاف وعيدك، ويرجو موعودك يا بارّ يا رحيم. ونحن نقول معه ذلك إلى الأبد.
وتخلل هذه الأوامر الأربعة إخبار بأمور أربعة تساعد على امتثال الأوامر واستهلاك طاقات التحدي واستيعابها وإنهائها: وهي التذكير بسماع صيحة القيامة وصيحة البعث والحشر للجزاء والحساب يوم خروج الناس من القبور، وإعلان حقيقة كون الله هو المحيي والمميت وإليه مصير الخلائق للحساب والجزاء، وإظهار كيفية تصدع الأرض وتشققها لخروج الناس الموتى منها أحياء مسرعين لإجابة نداء المنادي إلى المحشر، علما بأن ذلك الحشر والجمع هيّن يسير على الله،
وإعلام الكفار وغيرهم بأن علم الله محيط شامل لكل ما يقولون، وما يعملون من تكذيب وشتم.
وهذه الأمور الأربعة في غاية التهويل والتفخيم والتهديد لأهل التحدي ودعاة التحدي وأعوانهم وسلالاتهم وأشياعهم في كل عصر.
انتهى الجزء فلله الحمد والمنة